ماذا بعد اغتيال هيثم الطبطبائي؟
أحمد مطر
بعدما أقفلت كل الطرق أمام حزب الله، للتهرب من تنفيذ قرار مجلس الوزراء بتسليم سلاحه للدولة بإيعاز إيراني مفضوح، وإصراره على إعادة بناء قوته العسكرية، ولو بالحد الأدنى قياسا عما كان عليه قبل حرب الإسناد، وتجاهل موافقته على اتفاق وقف إطلاق النار وتنفيذ القرار 1701، وأخيرا معارضته لموقف رئيس الجمهورية جوزف عون، الداعي لإجراء مفاوضات مع إسرائيل لإنهاء الاحتلال ووقف العدوان المتواصل على لبنان، شكلت عملية اغتيال رئيس أركانه، هيثم الطبطبائي، ضربة قاسمة للحزب، وأسقطت كل شعاراته الملتوية وحججه الواهية للاحتفاظ بسلاحه بداعي حماية لبنان، وزادت الضغوط عليه من كل الاتجاهات، وفرضت عليه اعتماد أحد خيارين: الأول، إما الاستمرار بسياسة التعنت ورفض الالتزام بمسار الدولة، ورفض تسليم ما تبقَّى من سلاحه، ومعارضة إجراء المفاوضات مع إسرائيل، والاتجاه لمواجهة مع الدولة واللبنانيين المعترضين على استمرار بقاء السلاح غير الشرعي، متفلتاً من كل الضوابط الشرعية، ما يمكن أن يهدد وحدة لبنان ويعرض استقلاله واستقراره للخطر.
والخيار الثاني، تخلي الحزب عن خيار السلاح والتبعية لإيران، والالتحاق بمسار الدولة والانخراط بالعمل السياسي، والتصالح مع كافة الأطراف السياسية، والوقوف وراء الدولة مجتمعة في اتخاذ القرارات اللازمة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، وإعادة إعمار القرى والبلدات المدمرة، والتصدي لكل التحديات والأطماع الإسرائيلية ضد لبنان.
ولعل هذا الخيار هو الأسلم، لتجنب تبعات التهديدات الإسرائيلية المتواصلة ضد الحزب، ولإفشال مخططات إسرائيل باستمرار احتلالها وعدوانها على لبنان.
لا يمكن الاستهانة بما يواجه لبنان من تحديات ومخاطر جراء استمرار حزب الله بمعارضة قرار نزع سلاحه، والاعتراض على قرارات الدولة، بعدما تم ربط مساعدة الدولة وحل الأزمة المالية من الدول المانحة، بضرورة إغلاق ملف نزع سلاح الحزب بالكامل، وهناك أكثر من ناقوس للخطر يدق أبوابه، ليل نهار، في حين أصبح الحل الوحيد والمتاح للخروج من هذه الدوامة الخطرة، ملاقاة الحزب لمبادرة رئيس الجمهورية جوزف عون في عيد الاستقلال والتعاطي معها بانفتاح وإيجابية.
حيث كان لافتاً طرح رئيس الجمهورية مبادرة خماسية للحل والتفاوض مع إسرائيل، وقد تضمنت المبادرة:
استعداد كامل لتسلّم الجيش كافة المناطق المحتلة في الجنوب اللبناني.
وسيطرة الدولة وحدها على كامل تراب منطقة الجنوب اللبناني، والتأكيد على حصرية الدولة في إدارة الأمن على الحدود.
وجهوزية الدولة للدخول بمفاوضات مع إسرائيل برعاية أممية أو أميركية أو مشتركة لا فرق .
دعوة واضحة للدول الشقيقة والصديقة لمساندة لبنان في إعادة الإعمار، ووضع آلية وجدول زمني لمساعدة الجيش، وذلك ضمن خطة وطنية لاحتواء السلاح على كافة الأراضي اللبنانية.
كل ذلك يأتي في إطار وضع رؤية جديدة واضحة لفتح الباب أمام تسوية دائمة تضمن الاستقرار في المنطقة.
لقد رحب كل اللبنانيين بالمبادرة الخماسية للحل والدخول بمفاوضات مع إسرائيل لخلق تسوية دائمة، إلّا أن قلّة قليلة منهم راحت تشكّك بها واعتبارها غير كافية، وكعادته راح هذا البعض يذهب إلى حد التشكيك بالجيش اللبناني وقدراته في بسط الأمن واعتباره مقصراً لا سيما في موضوع بسط سلطة الدولة وتنفيذ حصرية السلاح. هذا وبعد أن كان الجيش يشكّل خطاً أحمر لا يجرؤ أحد على تخطيه أو المس به، أصبح في نظر البعض مادة عادية للسجال السياسي بغية تسجيل النقاط وأداة لإرضاء الخارج، ولم تتوانَ بعض المطابخ السياسية المعروفة الأهواء والاتجاهات، والتي تتماهى معظم أهدافها مع توجهات وسرديات العدو الإسرائيلي من اعتماد أسلوب النميمة والوشاية بحق لبنان في الخارج، ولا سيما بحق الجيش اللبناني. ولقد انعكس عمل هؤلاء الوشاة سلباً لتفخيخ وتعطيل زيارة قائد الجيش إلى واشنطن، مما اضطر رئاسة الجمهورية إلى الإشارة علناً إلى الأعمال التخريبية لهؤلاء، وإذا كان رئيس الجمهورية قد امتنع من الدلالة على الواشين بالاسم، فإن الجميع بات يعرفهم ويُشار إليهم بالبنان، وكما يقال في الدارج “ولاد الجاروفة معروفة”، ومن شب على مهاجمة الدولة وجيشها لن يتحوّل بين ليلة وضحاها إلى مدافع عنها.
في المقابل، رتَّب اغتيال الطبطبائي على الحكومة اللبنانية، ضغوطا مزدوجة اضافية، أولها الاستمرار بتنفيذ قرار حصر السلاح بيدها، بالرغم من كل الصعوبات والضغوط القائمة، بوتيرة سريعة وضمن التعهدات المقطوعة في البيان الوزاري وخطاب القسم، لتأكيد جديّة الحكومة في تنفيذ التزاماتها داخليا أمام الشعب اللبناني بعد سلسلة من التشكيك والتشاؤم، ورفض الحزب التجاوب والانصياع لقرار نزع السلاح…
وثانيا، التأكيد للخارج بإصرار الحكومة على نزع كل السلاح غير الشرعي من لبنان، وتشديدها على بسط سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية، ولقطع الطريق أمام كل المشككين بصدقية الدولة بتنفيذ قراراتها، وإسقاط الذرائع الإسرائيلية للاستمرار بالاعتداء على لبنان بحجة احتفاظ الحزب بسلاحه، ورفضه المطلق لنزعه.
وبعد اتهام بعض الوشاة للدولة والجيش بالتقصير، جاء دور العدو الإسرائيلي ليزيد الطين بلّة، ويقوم بتخطي مرة أخرى كل الخطوط الحمر والقيام باستهداف ضاحية بيروت الجنوبية، واغتيال أحد قادة حزب الله باعتبار أنه موجود على لوائح الإرهاب الأميركية، والذي تم رصد خمسة ملايين دولار من الإدارة الأميركية لمن يدلي بمعلومات حوله. هكذا فإن جيش العدو يقوم بالقصف والاغتيال، وكأنه يؤدي خدمة للأميركيين، ولكن المقصود من هذا العمل العسكري هو نسف مبادرة لبنان والرد بالحديد والنار على طلب رئاسة الجمهورية بفتح باب الحوار بغية الوصول إلى تسوية للصراع الحاصل بين لبنان وإسرائيل. وهكذا فالدولة العبرية التي تنادي بالحوار مع لبنان إلّا أنها تقوم بكل شيء كي لا يتمكن الجيش اللبناني من إتمام عملية حصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل تراب الوطن. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الوشاة بدأ يطالب الحزب بالرد بالقول خلي يفرجونا شو بدهم يعملوا. وهكذا يتناغم الموقف الإسرائيلي مع بعض الداخل المتآمر وذلك بغية جر البلد، ولا سيما حزب الله، إلى حرب غير متكافئة مع جيش الاحتلال، مما قد يعطي الذريعة للعدو بشن اعتداءات واسعة على لبنان.
ختامًا.. لبنان حتى اللحظة لا يعرف ما هي شروط إسرائيل للتفاوض وموضوعها الأساسي. وتعتبر بيروت أن الطريق إلى أي حوار يبدأ حصرا من احترام وتنفيذ الاتفاقات السابقة، وعندها يمكن الانتقال إلى ملفات أخرى. أما استمرار إسرائيل في التصعيد الميداني وتجاهل الالتزامات الدولية، فيعني أنها لا تبحث عن السلام، بل تكرس واقع القوة الذي لم ينتج يوما سوى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
