خاص بالشيوخ والمتقاعدين
عبد الرحمان الغندور
كل أبناء وبنات جيلي شيوخ محالون على التقاعد أو المعاش، بل كثير من تلامذتنا هم أيضا أعضاء في نادي المتقاعدين. وأرى العديد منهم ومنهن استسلموا واستسلمن لهذه المرحلة من العمر بشكل تغرقه الانهزامية والشعور بنهاية الحياة، الشيء الذي يحز في النفس ويبعث على الألم، وهو الأمر الذي يدعوني لمشاركتهم خلاصة تجربتي مع الشيخوخة والتقاعد وأنا أعيش السنة السادسة والسبعين من العمر.
فبعد مسيرة لا تخلو من درجة معينة من العطاء، وجميع الممارسات التي صنعناها وصنعتناـ تأتينا مرحلة جديدة من الحياة، مرحلة يعتقد الكثيرون خطأً أنها نهاية المطاف، بينما هي في حقيقتها محطةُ نقلةٍ جديدة نحو حياةٍ أكثر عمقاً وإنتاجا وهدوءاً. إن جوهر العيش في سنّ متقدمة لا يكمن في الاستسلام لزمنٍ مضى، أو استحضاره بنوع من الأسى والندم، بل في القدرة على تقدير جمال الوجود بلحظاته البسيطة والممكنة والعميقة. فسنوات العمر ليست عداً تنازلياً، بل هي طريقٌ للنمو الشخصي، ولاكتشاف الذات من جديد، ولإنجاز ما قد يكون الأجمل وهو العيش بفرحٍ، رغم ما تحبل به الوقت من مظاهر البؤس والرداءة والتفاهة.
إن السرّ يكمن في اختيار النظرة التي نرى بها الوجود والحياة والناس. فبدلاً من حصر الاهتمام بما فات، والانغلاق في الماضي بكل إيجابياته وسلبياته، وأفراحه ومآسيه، يمكن توجيه الاهتمام لكل ما هو حاضر كالصحة التي لا تزال تسمح بالاستمتاع بصباحٍ هادئ، ولذكرى جميلة تطلّ برأسها، ولوجه إبن أو بنت أو حفيدٍ يبعثون البهجة في القلب. فالامتنان هو الباب الأول تجاه حياة يملؤها الرضى والارتياح. وهو ما يقودنا إلى ضرورة الحفاظ على العقل متقداً، لأنه جوهرة ثمينة تحتاج إلى صقلٍ دائم بالقراءة، والتعلّم المستمر، والانخراط في حوارات ونقاشات محفزة مع الأحباب والأصدقاء والصديقات والرفاق والرفيقات وعموم الناس، فكل هذا وقودٌ يبقي الذهن متيقظاً ومتصلًا بعجلة الحياة.
وفي هذا السياق، يأتي الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقلالية كتعبيرٍ عن الكرامة الذاتية. إن القدرة على تدبير شؤون الذات النفسية والجسمية، ولو في أبسط صورها، تمنح شعوراً لا يُقدّر بثمن بالاستقلال والاحترام. وهذا لا يعني الانعزال، بل على العكس تماماً، فالحياة تكتسب طعماً أجمل عندما يملؤها التشارك والتقاسم مع الآخرين، فالحفاظ على جسور التواصل مع العائلة والأصدقاء والصديقات والرفاق والرفيقات القدامى، وبناء صداقات جديدة، هو بمثابة شبكة الأمان الوجداني والعقلي التي تحمينا من برودة الوحدة وتذكرنا بأننا لسنا وحدنا أبداً.
ولا يغيب عن هذه الصورة الجسد السليم، الذي هو وعاء الروح والنشاط. إن الحفاظ على الحركة، ولو بنشاط بدني خفيف ومنتظم، ليس مجرّد واجب صحي، بل هو مصدر للطاقة والحيوية. إنه يطلق هرمونات السعادة، ويحسّن المزاج، ويجعل الجسد أكثر استعداداً لاستقبال متع الحياة اليومية. وهذا الاهتمام بالجسد هو جزء من وضع الاعتناء بالذات في المقام الأول، وهو ليس أنانية، بل هو مسؤوليةٌ تجاه من يحيطون بنا ويهمهم سلامتنا.
وهذه المرحلة هي أيضاً الوقت الأمثل لاستئناف كل الاهتمامات المؤجلة، وكل أنواع الشغف التي لم نمنحها ما يكفي من وقتنا. كالقراءة والكتابة والرسم والموسيقى والبستنة والانخراط في العمل الجمعوي والإنساني والأشغال اليدوية….الخ، فمرحلة الشيخوخة والتقاعد هي أحسن زمن للاستمتاع بهذه الهوايات التي تضفي على الحياة معنى خاصاً ومتعةً لا توصف. وحتى لا ننقطع عن العالم، يمكن للتكنولوجيا أن تكون حليفاً وليس عدواً. فتعلم استخدامها للتواصل مع الجميع أو لاستكشاف المعرفة التي نحتاجها يفتح آفاقاً جديدة ويبقينا على اتصالٍ بمن نحب وبالعالم من حولنا.
وفي كل الأحوال، فإن كل هذه الخطوات من استقلال، وعلاقات، ونشاط جسدي وذهن يقظ، وشغف، وهوايات، واعتناء بالذات – تتلخص في خيطٍ واحدٍ رئيسي: هو اختيار السعادة كل يوم. إنها قرارٌ واعي نصنعه كل صباح. فليس عدد السنوات التي نعيشها هو الأهم، بل الحياة التي نملأ بها هذه السنوات. فبعد الستين أو السبعين، نحن لا نبحث عن النجاة فقط، بل علينا أن نسعى نحو الازدهار. فنحن ننجح حين نصنع حياة على مقاس متغيرات العمر، فنجد السعادة بطريقتنا الفريدة والمتميزة، لنؤكد أن الشيخوخة يمكن أن تكون أجمل فصول الحياة إذا عشناها بقلبٍ ممتن وراضٍ وعقلٍ منفتحٍ وروحٍ لا تعرف الاستسلام.
لكن أهم طاقة وأقواها في خريف العمر، حين تهدأ الأصوات ويتراجع الزحام، يبقى هو الحب باعتباره النبع الوحيد الذي لا يجب أن ينضب. فهو ليس مجرد عاطفة، بل وقود الأرواح الذي يشعل شمعة الأمل في أقاصي الظلام. هو الخيط الذهبي الذي ينسج من الذكريات غداً جديداً، ويحول لحظات الوحدة إلى مساحة للقاء الروح بالروح. فخفقان القلب بالحبّ دليل على أن الحياة ما زالت تستحق أن تُعاش. وأنها بالحب تتجدد بإيقاع هادئ وحكيم وعميق، كالنهر الهادئ الذي يحمل في أعماقه أسرار الخلود. وأن القلب بالحب لا يشيخ. فالحب ليس ضرباً من الخرف، بل هو نضج عاطفي تختفي فيه التمثيليات وتظهر فيه الحقائق.
إنه سعيٌ نحو اكتمالٍ تحتاجه الروح. ففي مواجهة الوحدة، لا يكون الحب هروباً من الواقع، بل شجاعة للعثور على دفء يملأ فراغاً لا يفهمه إلا من عاش بالحب طول عمره.
إنه قرار بالاستمرار، بإثبات أن الحياة لا تنتهي عند حدّ معين، وأن الاحتياج العاطفي ليس عيباً، بل هو شهادة على إنسانيتنا التي تظل حية تنبض حتى اللحظة الأخيرة. الحب في الشيخوخة هو الوجه الأصيل لكرامة الإنسان الرافض للانكسار، والباحث عن امتلاءٍ يليق بتجربة عمر بأكمله.
