يحدث الآن في أوكرانيا؟

يحدث الآن في أوكرانيا؟

د. زياد منصور

           قدّم أندريه يرماك، رئيس مكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، استقالته رسميًا، وهو ما أكّده زيلينسكي في رسالةٍ مصوّرة بثّها عبر منصة تيليغرام في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر. وأعلن الرئيس الأوكراني أنّ هذه الخطوة ستُتبع بـ«إعادة هيكلة شاملة للمكتب» بهدف تنظيم عمله خلال المرحلة المقبلة.

وأضاف زيلينسكي في رسالته:” لقد تقدّم رئيس مكتب الرئيس، أندريه يرماك، بطلب استقالته. أودّ أن أتجنّب أي شائعات أو تأويلات غير دقيقة. وغدًا سأباشر مشاوراتي مع الشخصيات المرشّحة لتولّي قيادة هذه المؤسّسة”.

وأعرب زيلينسكي عن شكره ليَرماك على دوره في تمثيل الموقف الأوكراني في مسار المفاوضات المتعلّقة بتسوية النزاع مع روسيا. وقد جاءت استقالة يرماك في خضم النقاشات الدائرة حول «خطة ترامب للسلام»، وبعد مفاوضات أميركية–أوكرانية في جنيف، ومشاورات بين الولايات المتحدة وروسيا في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وأشار زيلينسكي إلى أنّ تمثيل أوكرانيا في المفاوضات سيُسند، بعد استقالة يرماك، إلى هيئة الأركان العامة، وممثّلي وزارة الخارجية، وأمين مجلس الأمن القومي والدفاع، إضافة إلى الأجهزة الاستخبارية، مؤكدًا:
“عندما نواجه تحدّيًا خارجيًا بهذا الحجم، ينبغي أن نُظهر متانة داخلية أكبر”.

وبعد فترة وجيزة، نشر الموقع الرسمي للرئاسة الأوكرانية بيانًا يؤكد أنّ الرئيس زيلينسكي صادق على طلب الاستقالة الذي قدّمه يرماك.

وفقًا لما يراه عدد من الباحثين والمراقبين فإنّ استقالة أندريه يرماك تعكس تراجعًا واضحًا في نفوذه، بعدما ظلّ موقعه محصّنًا لسنوات طويلة داخل المؤسسة الرئاسية الأوكرانية. ويرى هؤلاء أنّ هذا التراجع أصبح كبيرًا إلى الحدّ الذي سمح بإطاحته تحت ضغط مباشر من الهيئات الأوكرانية المستقلة لمكافحة الفساد، وهي الهيئات التي تحظى بدعمٍ ورعاية غربية.

قضيتا “ميداس” و“علي بابا

جاءت الاستقالة مباشرةً بعد عمليات تفتيش نفّذها صباح الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر عناصرُ المكتب الوطني لمكافحة الفساد في أوكرانيا (NABU) ومكتب المدّعي المتخصص في مكافحة الفساد (SAPO) في منزل يرماك. وقد نشرت صحيفة أوكرينسكايا برافدا هذه المعلومات أوّلًا، ثمّ أكّدها نائب البرلمان ياروسلاف جيليزنياك من حزب غولوس، فضلًا عن المكتب الوطني لمكافحة الفساد نفسه.

وأقرّ يرماك بوقوع عمليات التفتيش، موضحًا أنّ NABU وSAPO ينفّذان بالفعل «إجراءات قانونية في منزلي»، وأنّ المحقّقين «لا يواجهون أيّ عوائق». وبعد ذلك، أفاد البرلماني أوليكسي هونتشارينكو، من حزب التضامن الأوروبي الذي ينتمي إليه الرئيس الأوكراني السابق بيترو بوروشينكو، بأنّ NABU يستعد لإصدار إشعار بالاشتباه بحق يرماك، ضمن إطار قضية المجمّع السكني “ديناستي” بالقرب من كييف. ويرتبط مشروع «ديناستي» — وفق مصادر في صحيفة زيركالو نيديلي — بنائب رئيس الوزراء السابق أوليكسي تشيرنيشوف، الذي أُلقي القبض عليه في الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر.

وعلى صعيدٍ موازٍ، ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز أنّ عمليات التفتيش ترتبط بتحقيق يُعرف باسم «ميداس»، يكشف عن شبكة فساد تورّط فيها تيمور مينديتش، الشريك في ملكية استوديو «كفارتال–95». ووفق الادعاء الصادر عن NABU في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر، فإنّ مينديتش وأفرادًا آخرين من امن هذه المجموعة الاجرامية وفق تعبيرها كانوا يطالبون برشاوى تصل إلى خمسة عشر بالمائة من قيمة العقود من مقاولي شركة إنيرغوأتوم الحكومية، تحت تهديد تجميد المدفوعات وإلغاء صفة المورّد. وتشير معلومات نقلها جيليزنياك سابقًا إلى أنّ يرماك متورّط في هذه القضية تحت الاسم الحركي «علي بابا».

دعا عددٌ من أعضاء البرلمان الأوكراني وسياسيّي المعارضة الرئيسَ فولوديمير زيلينسكي إلى إقالة أندريه يرماك، غير أنّ الرئيس رفض الاستجابة لهذه الدعوات. ووفق تقريرٍ لوكالة أسوشيتد برس بتاريخ العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، سعى يرماك — في ظلّ تفاقم فضيحة الفساد — إلى تعزيز موقعه داخل منظومة الحكم من خلال لقاء السفير الأوكراني في لندن، والقائد العام السّابق للقوات المسلّحة الأوكرانية فاليري زالوجني، إلا أنّ طلب اللقاء قوبل بالرفض. في هذتا السياق يرى مراقبون أنّ سقوط يرماك لم يكن ليحدث من دون تأثيرٍ أو موافقةٍ بريطانيّة.

وفي سياقٍ موازٍ، ذكرت صحيفة أوكرينسكايا برافدا أنّه بعد التسريب الأوّل لـ«أشرطة مينديتش»، أصدر يرماك تعليماتٍ إلى مكتب المدّعي العام وإلى جهاز الأمن الأوكراني (SBU) بفتح تحقيق ضدّ رئيس جهاز الأمن الأوكراني ألكساندر كليمنكو. غير أنّ كليمنكو ويرماك لم يُبلَّغا بأيّ إشعار بالاشتباه. ووفق صحف محلية، فإنّ التُهَم كانت قيد الإعداد بحقّ كليمنكو، لكنّ سير المحاكمة جُمِّد، ويُقال إنّ السبب يعود إلى خشية الجهات المعنية من المضيّ قدمًا في هذه الإجراءات، على خلفية ارتباط محتمل بين كليمنكو وملفّ فساد مينديتش.

وتضيف صحيفة زيركالو نديلي أنّه في شهر تموز/يوليو، أبلغ رئيس المكتب الوطني لمكافحة الفساد (NABU) سيميّون كريفونوس، ورئيس مكتب المدّعي المتخصص في مكافحة الفساد (SAPO) ألكساندر كليمنكو، الرئيسَ زيلينسكي بأنّ لديهم «موادّ مكتملة» لتوجيه اتهامات بحقّ كلٍّ من يرماك ورستم عمروف، أمين مجلس الأمن القومي والدّفاع (NSDC)، والمسؤول عن ملفّ المفاوضات مع روسيا. ويُقال إنّ هذا التطوّر جاء على خلفيّة محاولة فاشلة من القيادة الأوكرانية لـ تقويض استقلالية هيئتَي NABU وSAPO، وهي محاولةٌ تراجع عنها زيلينسكي بعد احتجاجات شعبيّة واسعة وضغوطٍ واضحة من الاتحاد الأوروبي.

لا يُبدي الاتحاد الأوروبي معارضة للتحقيقات المرتبطة بأندريه يرماك، بل يُظهر ميلًا واضحًا لدعمها. فقد أعربت البيروقراطية الأوروبية عن ارتياحها لعمليات تفتيش منزل يرماك، إذ صرّحت المتحدّثة باسم المفوّضية الأوروبية، باولا بينهو، خلال إحاطة إعلامية عُقدت في بروكسل بتاريخ الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، بأنّ «التحقيقات جارية، ونحن نُبدي احترامًا كبيرًا لها»، مؤكّدةً أنّ هذه الإجراءات «تُظهر أنّ هيئات مكافحة الفساد في أوكرانيا تقوم بعملها».

وفي الاتجاه نفسه، شدّد غيوم ميرسييه، الممثّل عن سياسة التوسّع في المفوّضية الأوروبية، على أنّ عمليات التفتيش التي طالت منزل يرماك تُثبت أنّ «هيئات مكافحة الفساد قائمة وتعمل بفعالية». وأوضح ميرسييه أنّ مكافحة الفساد تُعدّ شرطًا أساسيًا لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، مضيفًا: “يتطلّب الأمر جهودًا متواصلة وصلاحيات قويّة. وهذا عنصرٌ جوهري، وقد أشرنا إليه في تقرير التوسّع الذي نُشر قبل بضعة أسابيع”.

وقدّم المفوّض الأوروبي للعدل، مايكل ماكغراث، موقفًا أكثر صراحة في مقابلة مع صحيفة بوليتيكو. فبحسب قوله، إذا كانت أوكرانيا تسعى فعلًا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فعليها «اقتلاع الفساد من مؤسّساتها». وفي سياق التعليق على التطوّرات الجارية، صرّح وزير الدفاع البولندي فلاديسلاف كوسينياك–كاميش قائلًا: «ننتظر توضيحًا». وأضاف أنّ دعم وارسو لأوكرانيا في كفاحها المسلّح ضد روسيا يبقى ثابتًا، لكنّ الشفافية في مكافحة الفساد شرط لا غنى عنه لعملية الاندماج الأوروبي، مؤكدًا: «لا يمكن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من دون شفافية في سياسة مكافحة الفساد».

ما الذي يحدث فعليًّا؟

كان يرماك “الذراع اليمنى” لزيلينسكي، ومع استقالته، “ينهار الهيكل الذي أبقى زيلينسكي في السلطة بأكمله”.

وبذلك، سيتعين على أوكرانيا التفاوض لايجاد مخرج من الصراع. فالتحقيق الموسع والواسع النطاق الذي أجرته هيئات مكافحة الفساد الأوكرانية في 10 نوفمبر/تشرين الثاني. أدى فعليا إلى تفاقم التوترات في المجتمع والبرلمان الأوكراني وداخل حزب زيلينسكي.

ماذا نتوقّع من فضيحة الفساد؟

لا ش فإن فضائح الفساد ستُؤثّر تأثيرًا مباشرًا في صورتها على الساحة الدولية، وقد تُبطئ كذلك عملية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. بالطبع قد تُبطئ هذه التطوّرات مسار الانضمام إذا قدر لأوكرانيا ذلك. فكل دولة تسعى إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي مُلزَمة بالامتثال لحزمة من المعايير الصارمة، ومن أبرزها مكافحة الفساد بفاعلية، ووجود مؤسّسات مستقرة تكفل سيادة القانون، بالإضافة إلى شفافية المشتريات الحكومية، ومكافحة غسل الأموال، وسائر الإصلاحات الضرورية.

يُعتَقد كذلك أنّ المكتب الوطني لمكافحة الفساد (NABU) يخضع لنفوذٍ غير رسمي من الولايات المتحدة. وقد بدأ التوتّر بين المكتب والسلطة في كييف في صيف عام 2025، حين حاول الرئيس فولوديمير زيلينسكي سلب المكتب الوطني لمكافحة الفساد (NABU) ومكتب المدّعي المتخصّص بمكافحة الفساد (SAPO) استقلاليتهما. وقد أثار ذلك ردًّا قويًّا في الغرب، ولا سيّما في واشنطن، فانتهى الأمر باستعادة الوكالتين لصلاحيّاتهما الكاملة.

يذكر إلى أنه منذ بداية حملته الانتخابية، كان ترامب يؤكّد أنّ أوكرانيا دولةٌ فاسدة. والآن، لفتَ انتباه المجتمع الدولي بأسره إلى هذه المسألة، لكنّه يفعل ذلك خدمةً لأهدافه السياسية الداخلية، من خلال إظهار قدرته على التعامل مع نزاعٍ بالغ التعقيد كالنزاع الأوكراني.

ويُعدّ إصرار زيلينسكي على المفاوضات في واشنطن إحدى النقاط الخلافية الأساسية في العلاقات الأوكرانية–الأمريكية. ففي صيف العام الماضي، عبّر الرئيس دونالد ترامب علنًا عن استيائه من موقف زيلينسكي وحلفائه الأوروبيين، واتّهمهم بفرض شروطٍ «مبالغ فيها وغير واقعية» أدّت إلى تعطيل العملية التفاوضية بالكامل.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قدّم ترامب مبادرةً من 28 بندًا لحلّ النزاع الأوكراني، تضمّنت تنازلاتٍ إقليمية وسياسية واسعة من جانب كييف. وقد أثارت هذه البنود ردودًا غاضبة في بانكوفا (مكتب الرئيس الأوكراني)، التي اعتبرتها «دعوة صريحة للتنازل عن الأراضي لصالح موسكو». لكن بعد سلسلة من المشاورات المكثّفة في جنيف، جرى تعديل الخطة بشكل جوهري، وخُفّضت إلى 22 بندًا بحلول 23 تشرين الثاني، وفق تقارير إعلامية متعدّدة. وكان من المقرّر أن يصل وزير الجيش الأمريكي دانيال دريسكول إلى كييف خلال الأيام اللاحقة لمناقشة خطة السلام.

وفي 28 تشرين الثاني، أعلن زيلينسكي أنّ رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية، وأمين مجلس الأمن القومي والدفاع، ومسؤولين من وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات سيمثّلون أوكرانيا في المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ تفتيش منزل أندريه يرماك جرى في اليوم التالي مباشرةً لإعلان زيلينسكي رفضه تقديم أي تنازلاتٍ إقليمية. إذ قال الرئيس الأوكراني:” ما دمتُ في منصبي، فلا ينبغي لأحد أن يتوقّع مِنّا التنازل عن أراضٍ. لن أوقّع مطلقًا على أي اتفاقٍ يتضمّن نقل أراضٍ”.

الآن، يبدو أن الولايات المتحدة مصممةٌ حرفيًا على إثبات أنه على القيادة الأوكرانية مضطرة للتوقيع اتفاقية على سلام.

ويتوقع مراقبون: أن عمليات كشف المجرمين والمرتشين ستستمر طالما أن الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق النتيجة التي تصبو إليها”. “ما هي العواقب؟ من الواضح أنها سلبية للغاية. لكنني أحدًا لا يستطيع التنبؤ بدقة بما ستكون عليه هذه العواقب في الوقت الحالي”. ويمكن أن تدفع هذه الشبهات الأمور باتجاه حدوث سيناريوهات غير متوقعة في أوكرانيا الآن.

ولا شك فإن هذه الفضيحة ستؤثر أيضًا على النخبة الأوروبية الداعمة لأوكرانيا. ومن المحتمل أيضًا حدوث انقلاب في أوكرانيا. لكن فضيحة فساد ستُسرّع على أي حال من الانتخابات الرئاسية”.

أخيرا لا بد من التذكير بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرح في 27 تشرين الثاني، أن موسكو لا ترى جدوى من توقيع أي اتفاقيات مع القيادة الأوكرانية الحالية نظرًا لعدم شرعية زيلينسكي. وأكد أن كييف “ارتكبت خطأ استراتيجيا” برفضها إجراء الانتخابات.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!