أبراهام سرفاتي بعيون حفيده ثيو
عمر بنعطية
يُمثل كتاب “أبراهام سرفاتي.. جدي“، وثيقة تاريخية وإنسانية استثنائية تعيد صياغة الذاكرة السياسية المغربية من منظور جيل الأحفاد. لا يكتفي تيو بسرد وقائع نضالية جافة، بل يغوص في أعماق الهوية المغربية المتعددة، محاولاً فك شفرات “الأسطورة” التي كان يمثلها جده، الملقب بـ “مانديلا المغرب“، وتحويلها إلى كائن إنساني نابض بالحياة، يجمع بين صلابة الموقف السياسي ورقة المشاعر الإنسانية.
تبدأ رحلة ثيو سرفاتي من مفارقة الانتماء، فهو الحفيد الذي نشأ في فرنسا، في بيئة ثقافية بعيدة جغرافياً عن سجن “القنيطرة” وسنوات الجمر والرصاص، لكنه وجد نفسه محاطاً بإرث رجل غيّر ملامح المعارضة المغربية. في حواره التلفزيوني مع قناة TV5 Monde في 29 ديسمبر 2025، يوضح تيو أن الدافع وراء كتابه كان الرغبة في “اللقاء المتأخر” مع جده، ليس كزعيم لمنظمة “إلى الأمام” الماركسية اللينينية، بل كجدٍّ يمتلك ذاكرة حميمية. لقد كان ثيو يبحث عن “أبراهام” الذي يضحك، ويحب الموسيقى الأندلسية، ويشعر بالشوق للتراب المغربي، محاولاً بذلك “أنسنة الرمز” وتجريده من الطابع القدسي الذي قد يحجبه عن الأجيال الجديدة.
في صلب هذا السرد، تبرز قضية “الهوية المغربية اليهودية” كحجر زاوية في فكر أبراهام سرفاتي. يشدد ثيو في كتابه وحواره على أن جده كان يرفض صرامة التصنيفات الضيقة، فقد كان يرى نفسه “يهودياً مغربياً عربياً” في آن واحد. هذه الهوية المركبة لم تكن مجرد شعار، بل كانت عقيدة نضالية جعلته من أشرس المناهضين للصهيونية، معتبراً إياها حركة استعمارية غريبة عن جوهر “تمغربيت” التي تقوم على التعايش والتعدد. يروي ثيو بكثير من الاعتزاز كيف أن جده ظل يدافع عن القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني وكرامة إنسانية، وهو ما دفع الحفيد إلى إعادة نشر وتعميم كتابات جده حول فلسطين، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة في عام 2025، مؤكداً أن رؤية سرفاتي للسلام القائم على العدالة لا تزال راهنة وأكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ينتقل السرد بنا إلى محطة السجن، حيث قضى أبراهام سرفاتي 17 عاماً من حياته. هنا، يكتشف تيو عبر الرسائل والوثائق العائلية وجهاً آخر للصمود، فهو ليس صموداً مبنياً على الكراهية، بل على الأمل المفرط. يصف ثيو كيف كان جده يحول زنزانته إلى فضاء للحرية الفكرية، وكيف كان يخرج منها كل يوم أكثر إيماناً بمستقبل المغرب الديمقراطي.
في هذا السياق، ينصف الكتاب والحوار شخصية كريستين دور-سرفاتي، الزوجة الفرنسية التي تحولت إلى مناضلة مغربية بامتياز. يصورها تيو كـ “الرئة” التي كان يتنفس بها أبراهام، فهي التي أدارت حملات التضامن الدولية، وهي التي حافظت على صوت سرفاتي عالياً خلف الأسوار. إن قصة أبراهام وكريستين، كما يرويها الحفيد، هي ملحمة حب ولدت من رحم المعاناة السياسية، وأصبحت رمزاً للتلاحم بين النضال الوطني والقيم الكونية.
عندما يتحدث ثيو عن عودة جده إلى المغرب في عام 1999، يصفها بأنها لم تكن مجرد عودة لاجئ سياسي، بل كانت “تصالحاً تاريخياً” بين المناضل ووطنه. يركز ثيو في حواره على أن جده، في سنواته الأخيرة، تحول إلى “مرجع أخلاقي” وحكيم يلتف حوله الشباب. هذه المحطة تبرز قدرة سرفاتي على التطور الفكري، فالمناضل الراديكالي أصبح منادياً بـ “التناوب الديمقراطي” وبالإصلاح من داخل المؤسسات، دون أن يتخلى عن مبادئه الجوهرية في الدفاع عن المقهورين.
إحدى أقوى النقاط التي أثارها ثيو سرفاتي في لقائه مع TV5 Monde هي فكرة “انتقال الشعلة”. هو يرى نفسه اليوم ليس مجرد حارس للذاكرة، بل وسيطاً ثقافياً يربط الماضي بالحاضر. فمن خلال إعادة نشر كتابات جده، يحاول ثيو تقديم إجابات لأسئلة الشباب في عام 2026 حول الكرامة، والعدالة، والالتزام. يؤكد ثيو أن إرث سرفاتي هو إرث حي، فمواقف جده من الاستعمار، وحقوق الإنسان، والهوية المختلطة (الإسبانية، المغربية، الفرنسية، والروسية) هي أدوات تحليلية يحتاجها العالم اليوم لمواجهة التطرف والإقصاء.
يبرز الحوار والكتاب صورة ثيو سرفاتي كمثقف ملتزم بذاكرة عائلته ووطنه المغرب. إنه يرفض أن يظل جده مجرد “أيقونة” صامتة، بل يريده صوتاً محفزاً للنقاش.
إن قصة أبراهام سرفاتي كما صاغها حفيده، هي مرافعة من أجل “المغربية المتعددة”، ومثال حي على أن النضال السياسي لا ينفصل عن الرقي الأخلاقي. وبذلك، يلتقي ثيو سرفاتي مع جيل من المثقفين المغاربة، في مشروع مشترك يهدف إلى حماية الذاكرة الوطنية من النسيان، وتحويل تجارب “سنوات الرصاص” إلى دروس في الصمود والبناء الديمقراطي. إنها رحلة من “مانديلا المغرب” إلى أحفاده، رحلة تؤكد أن الكلمات الصادقة والمواقف الشجاعة لا تموت، بل تعاد كتابتها بكل اللغات وبكل الوسائل الممكنة لتظل منارة للأجيال القادمة.
