الحسن اللحية.. “المحارب المتعب” الذي أهدى كتبه ورحل في صمت

الحسن اللحية.. “المحارب المتعب” الذي أهدى كتبه ورحل في صمت

عمر بنعطية

          يرحل الكبار أحيانا في صمتٍ يشبه صخب أفكارهم. رحيل الأستاذ الحسن اللحية لم يكن مجرد غياب لجسد، بل كان فصلاً أخيراً في تراجيديا مثقف مغربي عاش وفياً للمدرسة العمومية، ومات وهو ينظر في وجه الموت بعين فلسفية كليلة، مثقلاً بكآبة وجودية ونقدية لا يدرك كنهها إلا من عاش مرارة السؤال.

عُرف الفقيد بكونه مدافعا شرسا عن المدرسة العمومية المغربية. لم يكن يراها مجرد جدران وأقسام، بل كان يراها قلعة للمساواة وتكافؤ الفرص. خاض في سبيلها معارك شرسة ضد تسليع التربية، وظل متمسكاً بقدسية التعليم العمومي كحقّ لا يقبل البيع أو المقايضة، محذراً من تحويل المدرسة إلى مقاولة والبحث عن الربح في عقول الناشئة.

في مشهد يفيض بالرمزية والوفاء، ظهر الراحل في أيامه الأخيرة وهو يقتطع من روحه ويهدي جزءاً من مكتبته الخاصة لتأسيس خزانة كتب بأحد فروع الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وكأنه أراد أن يقول إن المعرفة سلاح يجب أن يبقى في يد الطبقة العاملة والمنظمات المناضلة. لم يورث عقارات، بل أورث كتبا هي عصارة فكره، لتستمر المعركة في غيابه.

بعد وفاته راجت فيديوهات هزت وجدان محبيه، ظهر فيها وهو يودع الدنيا برصانة واضحة، ينتظر الموت بيقين حزين. كان يعيش كآبة حادة، هي كآبة المثقف الذي يرى تآكل القيم وانهيار المشاريع الكبرى. وقبل أن يرحل، اختار أن يحسم مواقفه مع أطره النضالية التي قضى فيها عمره: مع النقابة والتنسيقية، حيث كان صوتا يغلب المبدأ على الحسابات الضيقة. ومع الحزب (فيدرالية اليسار الديمقراطي)، حيث ظل وفيا لخطه الفكري، محاولاً جسر الهوة بين النظرية والواقع.

بشكلٍ يثير الكثير من الشجن، شُيع جثمانه بمقبرة حي النهضة بالرباط في موكب جنائزي بقلة حضور وغني بمعانيه. غاب رسميو المنصات وحضر خلصاء الوفاء، قلة من الأصدقاء والجيران الذين شاطروه الجوار والود. هذا الغياب الرسمي في جنازة رجل أفنى عمره في خدمة قضايا التربية الوطنية، هو صرخة أخرى تضاف إلى صرخاته النقدية حول واقع الاعتراف في هذا الوطن.

لقد مات الحسن اللحية وهو واقف، لم ينحن للعواصف ولم يهادن في قناعاته. رحل بمرارة في القلب، لكنه ترك خلفه خريطة طريق لكل من يريد إصلاحا حقيقيا للتربية. مات الرجل الذي علّم الأجيال كيف تسأل، ومضى إلى ربه تاركا مكتبته في حضن المناضلين، وصوته يتردد في ردهات المدارس التي دافع عنها حتى النفس الأخير.

 الكتابة كآخر قلاع المقاومة

في آخر ظهور له، بدا الأستاذ الحسن اللحية كمن يُصفي حساباته مع الزمن، ليس بمرارة المنكسر، بل بوقار الفيلسوف الذي أنهى مهمته. قوله إنه يعكف على إتمام كتبه الأخيرة قبل الرحيل، يكشف عن إخلاص قلّ نظيره، فالموت بالنسبة له لم يكن عائقا، بل كان موعدا مؤجلاً حتى يكتمل النص.

الأمانة المعلقة في أعناق الرفاق إن الكتب التي أشار إليها الراحل هي الثروة الحقيقية التي لا تزال تنبض في أدراجه. وإخراج هذه المخطوطات إلى النور ليس مجرد فعل نشر، بل هو تحرير لروح الراحل وتحقيق لوصيته الأخيرة. هي أمانة في عنق أصدقائه الأكاديميين، والمؤسسات الثقافية، ورفاقه في الحزب والنقابة، لضمان ألا تضيع هذه الجذاذات الأخيرة وسط غبار النسيان.

كبرياء المثقف كلماته القاسية والصادقة بأنه “سيرحل غير راغب أو متشبث بالدنيا أو حالما بالأبدية” تعكس ذروة الكآبة النقدية. لقد وصل اللحية إلى قناعة بأن قيمة الإنسان تكمن في أثره لا في بقائه المادي. رفض الحلم بالأبدية هو موقف”نيتشوي بامتياز، يعبر عن شخص فكك كل الأوهام، ولم يبقَ لديه سوى الحقيقة والورق.

لم يهدأ قلبه عن القلق التربوي حتى في أصعب لحظات مرضه. إن ما ذكره الراحل الحسن اللحية في وصاياه الأخيرة ليس مجرد استسلام للقدر، بل هو استعلاء فلسفي على الموت، حيث جعل من إتمام كتبه شرطا للرحيل، محولاً فعل الكتابة إلى تذكرة عبور بكرامة. 

إذا كان موكب دفنه قد عرف غيابا رسميا مؤلما، فإن الإنصاف الحقيقي للراحل يبدأ الآن من خلال لجنة علمية تتولى جرد مخطوطاته الأخيرة وتنقيحها. وتخليد ذكراه، ليس بالرثاء الباكي، بل بتحويل طروحاته حول “المدرسة العمومية” إلى مادة للنقاش العمومي المستمر.

لقد رحل الحسن اللحية وهو يظن أنه سيغادر “غير حالم بالأبدية”، لكنه لا يعلم أن إخلاصه للمدرسة العمومية وللكلمة الحرة قد منحاه سلفا أبدية من نوع خاص، أبدية لا تُنال بالعيش الطويل، بل بالبقاء في عقول وضمائر كل من آمنوا بأن “التعليم هو بوابة الحرية”.

رحم الله الأستاذ الحسن اللحية، وعسى أن تجد مخطوطاته طريقها إلى المطابع قريبا، لتكتمل الرسالة التي بدأها بصمت وختمها بكبرياء.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!