وداعًا طارق بويدار.. رحيل “الريشة العنيدة” التي سخرت من التكنولوجيا والسياسة
غياب:
ودّعت الساحة الإعلامية والفنية بالمغرب، ليلة الخميس 9 يناير 2026، واحدا من ألمع فرسان الريشة الساخرة، الفنان طارق بويدار، الذي وافته المنية في إحدى مصحات الدار البيضاء بعد صراع مرير مع مرض عضال.
رحل “ريك” و”كارلوس” عن عمر يناهز 50 عاما، تاركا خلفه حزنا في مشهد الكاريكاتير المغربي، وإرثا بصريا سيظل محفورا في ذاكرة الأجيال.
ولد طارق بويدار في 16 يوليوز 1975 بمدينة الدار البيضاء. في هذه المدينة التي تضج بالصخب، كبرت شخصيته الفنية متأثرة بحركية الشارع المغربي. ورغم أن البعض خلط بينه وبين الرسامين الأجانب بسبب توقيعه المختصر (Rick)، إلا أنه كان مغربيا قحا، صقل موهبته الفطرية بالتكوين الأكاديمي، حيث تخرج من المدرسة العليا للتواصل والإشهار (Com Sup)، ليدخل سوق العمل مجهزا بالمعرفة الفنية والأدوات المهنية.
بدأت رحلته مع أسبوعية “لاغازيت دو ماروك” عام 1997، لكن بصمته الحقيقية ترسخت في يومية “ليكونوميست” منذ مايو 2001، وموقع “Le360” بتوقيعه الشهير “كارلوس”. كانت رسوماته اليومية بمثابة افتتاحية بصرية ينتظرها الزملاء في هيئات التحرير قبل القراء، إذ كان يمتلك قدرة نادرة على انتزاع الابتسامة ودفع القارئ نحو التأمل في آن واحد، محولا أعقد الملفات السياسية والاقتصادية إلى لوحات بصرية ممتعة ونافذة.
ما ميز طارق عن أبناء جيله هو عناده الفني الجميل، ففي زمن الثورة الرقمية، ظل وفيا لورقه وحبره، رافضا استعمال الحاسوب في الرسم. كان يؤمن بأن نبض الرسام لا يمر إلا عبر الريشة، وهو ما منح خطوطه بصمة فريدة “Le dessin de Carlos”، خطوط حادة، مشبعة بالإنسانية، ويسهل التعرف عليها حتى لو خلت من التوقيع.
لم يكن طارق مجرد رسام، بل كان محللا سياسيا بلمسة فنية. وفي واقعة شهيرة بالمعهد العالي للإعلام والاتصال عام 2003، حين سُئل عن القيمة المضافة للكاريكاتير، أجاب بثقة: “لو لم تكن رسوماتي تجلب قيمة مضافة لما ترددت ليكونوميست في طردي”. كان يدرك ضيق هوامش الحرية أحيانا، لكنه كان مهندسا في التحايل الذكي لتمرير المواقف والرسائل، مواجها بجرأة انتقادات بعض الشخصيات العامة التي لم يرقها نقد ريشته اللاذع.
بقدر ما كانت ريشته حادة وجريئة، كان طارق بويدار في حياته الشخصية مثالا للوداعة والتواضع وخفة الظل. لم تغره الأضواء يوما، بل ظل ذلك الفنان القريب من انشغالات المواطن البسيط، معبرا عن آلامه وآماله بلمسة ساخرة وراقية في آن واحد..
غادرنا طارق تاركا وراءه صدى ضحكته وبراعة ريشته التي خلدها الكاتب والصحفي بوشعيب الضبار في كتابه “السخرية والحرية“.
رحل طارق بويدار بجسده، لكن رسوماته ستبقى شاهد عصر ومرجعا ملهما للأجيال القادمة في فن الكاريكاتير الهادف الذي يجمع بين السخرية والحرية.
ع.ت.
