حين ينادي الوطن
أحمد لعيوني
كان أواخر شتنبر يضغط على الحسين بثقلٍ مزدوج: جسدٌ أنهكه العمل المتواصل في مطعم الفندق بفيغيراس، ونفسٌ بدأت تستعيد توازنها لأن قرار العودة صار ممكناً أخيراً. لم يكن ما جمعه من مال مجرّد ثمن لتذكرة سفر، وإنما ثمن عبورٍ آخر، أكثر خفاءً، من مرحلة إلى أخرى. كانت الدراسة تلوح من بعيد، والجامعة تنتظر اسمه، فيما ظلّ المغرب صامتاً خلف المسافات، بلا هاتفٍ يشدّ الخيط بينه وبين أهله، في زمنٍ لم تكن فيه الأصوات تُستدعى متى نشاء.
في محطة القطار، اشترى تذكرة طويلة المسار، كأنها ورقة عبور مؤقتة في دفاتر الزمن. لم يكن القطار وسيلة نقل فحسب، بل هيئة أخرى للعمر حين يُساق على سكة واحدة: بطيئاً، ثقيل الظل، يفرض إيقاعه على الأجساد، ويُكره الرؤوس على الانحناء داخل أقفاص الأفكار.
صعد إلى العربة، ثم عاد، بلا سببٍ واضح، ليطلّ من الباب. كان في الخارج شيءٌ يشبه النداء، أو بقايا مدينة لم تُغلق فيه بعد. في اللحظة التي ارتجف فيها الحديد إيذاناً بالرحيل، انطبق الباب الأوتوماتيكي، ورأسه عالقٌ بين جهتين : الداخل الذي لم يطمئن إليه بعد، والخارج الذي لم يعد يملكه. جسده في الداخل، ورأسه في الخارج، وروحه في تلك المسافة الضيقة بين صفحتين من قدرٍ متردّد.
لولا يدان غليظتان امتدّتا من العدم، وأوقفتا فم الباب قبل أن يبتلعه، لتحوّل اسمه إلى رقم، ورحلته إلى خبرٍ صغير في هامش يومٍ أوروبيّ بارد. أُعيد الرأس إلى مكانه، كما تُعاد فكرةٌ شاردة إلى قطيع المعقول، وجلس يجرّ أنفاسه من قاع صدره، كمن نجا لا لأنه يستحق، بل لأن المصادفة لم تكن يقِظة بما يكفي. كانت نجاته كاملة، نعم، لكنها مثقلة بذلك الارتجاف الذي يتركه الموت حين يمرّ بمحاذاة الكتف.
***
في مطلع السبعينيات، كان القطار الإسباني يمضي كشيخٍ يعرف أن الوصول حيلة لغوية لا أكثر. عبر برشلونة دون أن يلتفت كثيراً إلى أسمائها، ثم اندسّ بين المنحدرات والمرتفعات، حيث ارتفعت سييرا نيفادا مثل ذاكرةٍ حجرية، صامتة، تراقب العابرين وهي على يقينٍ بأن الثبات، لا الحركة، هو الشكل الأصدق للزمن.
عند غرناطة، انقطع الخطّ مؤقتاً، كما لو أنّ الرحلة اختارت أن تلتقط أنفاسها. كان لا بدّ من تغيير القطار، وكأن الجنوب لا يُمنَح إلا لمن يقبل الانتظار. حلّ الليل، وبدا الحسين، لوهلة، معلّقاً بين مكانين. في أزقّة المدينة العتيقة، قادته الصدفة إلى بيتٍ إسباني يفتح غرفه للغرباء. كانت الغرفة بسيطة، شبه عارية، لكنها حملت دفئاً صامتاً؛ دفء الأمكنة التي لا تسأل كثيراً عن العابرين لأنها اعتادتهم.
مع الفجر، عاد إلى القطار. في العربة، اختلطت الوجوه كما تختلط المصائر مؤقتاً : عمّال زراعة أنهوا موسمهم، مغاربة وإسبان تجمعهم عودة مؤجّلة إلى بيوتٍ متفرقة. كان القطار يمضي بهم جميعاً، لكنه لا يأخذهم إلى الوجهة نفسها. الأحاديث عن الشقاء والأجر لم تكن سوى محاولات لتخفيف وطأة الصمت، ذلك الصمت الذي يفضح الفوارق العميقة بين ضفتي المتوسّط.
وسط هذه الحركة البطيئة، ظهر الفتى الإسباني رامون. لم يكن مجرّد مسافر، بل حضوراً قلقاً، زائداً عن السياق. في السادسة عشرة، كان يتحرّك بالكلام أكثر مما يتحرّك بالجسد، كأن الثرثرة وسيلته الوحيدة لتأجيل الخوف. حكى عن المال الذي أخذه من أمّه، عن دراجةٍ نارية تخيّلها خلاصاً، وعن هروبٍ من حضن الوالدين بلا أوراق ولا خطة. كان يريد مالقة، وعملاً مجهولاً، وحياةً يتصوّرها أبسط ممّا هي عليه. وحين طلب من الحسين أن يضمنه لدى فندق، لم يكن يطلب مساعدة فحسب، بل اعترافاً بخياره.
أنصت الحسين طويلاً. وفي وجه الفتى لمح احتمالاً لم يختره : طريقاً موازياً، أكثر تهوّراً، وأقلّ وضوحاً. أدرك أن القطار لا يحمل الجميع إلى النتيجة نفسها، وأن بعض الركّاب يهربون من شيء، فيما آخرون يعودون إلى شيء. اعتذر بلطف. لم يكن الرفض قسوة، وإنما اختياراً. وحين أدار الفتى وجهه نحو النافذة، وبقي يتأمّل الحقول المنسحبة، بدا كمن يراقب حلمه وهو يتراجع مع المشهد.
***
عند الجزيرة الخضراء، توقّف القطار نهائياً، كما لو أنه بلغ حدوده الطبيعية. هناك بدأ البحر. لم يكن امتداداً للطريق، بل قطيعة معها. صعد الحسين إلى الباخرة ووقف على سطحها. الهواء المالح لم يكن مجرّد نسيم، وإنما هو اختبارٌ أوّلي للعبور. أمامه خطّ أزرق يفصل عالمين، وخلفه سكة حديد انتهى دورها. في تلك اللحظة، لم يكن يعبر مضيقاً فحسب، لكنه كمن يعبر فكرة الاستقرار المؤقّت.
حين لاحت طنجة، لم تظهر كمدينة، وإنما كاستعادة. شيءٌ مألوف يعود إلى مكانه الطبيعي. في الميناء سبقته رائحة الوطن : خليط البحر والدخان وأصوات الحياة اليومية. اللهجة، الكلمات البسيطة، النظرات العابرة، كلّها أعادت ترتيب إحساسه بذاته. كان الوصول عبوراً صامتاً بين نظامين للعيش : ضفّة تحكمها الصرامة والوقت، وأخرى تتنفّس بالعلاقات والدفء.
لم يسمح للحنين أن يكتمل. كان عليه أن يلحق بالحافلة نحو الدار البيضاء. بدا الطريق البرّي امتداداً أخيراً للعبور، لكن بلا قلق هذه المرّة. بعد أن أخبر عائلته بقرب وصوله، صار الزمن حليفاً له. المشاهد خلف زجاج الحافلة لم تعد غريبة؛ كانت تستعيد أسماءها القديمة في ذاكرته.
عند محطة الدار البيضاء، انتهت الحركة. وفي حضن الوالدين، سقطت فكرة السفر كلّها، وبقي المعنى. لم يعد القطار سوى ذكرى، ولا البحر سوى حدٍّ تمّ تجاوزه، ولا الفتى الهارب سوى صورة لذاتٍ محتملة لم تتحقّق.
***
في تلك اللحظة، فهم الحسين أن الرحلة لم تكن انتقالاً جغرافياً، لكنها اختبار للاتجاه. وأن العودة، في جوهرها، ليست نقيض السفر، بل نتيجته.
فالقطار علّمه بطءَ التحوّل، والبحر علّمه معنى العبور، والفتى الهارب علّمه قيمة الاختيار.
وهكذا أدرك، وهو المقبل على الدراسة الجامعية، أن التجربة الإنسانية لا تُختصر في ما يُكتسب من الكتب أو داخل الأطر المؤسسية، بل تتكوّن أيضاً ـ وربما أساساً ـ من الحركة والمغامرة والاحتكاك المباشر بالواقع. فالسفر والترحال وخوض المجازفات، وحتى التنقّل اعتماداً على الأوتوستوب، تتحوّل إلى وسائل حقيقية للتعلّم.
وفي هذا السياق، تبدو المقولة المتداولة: ” تحرّك، وستُوفَّر لك السبل”، وكذلك القول الشائع: “من رأى كثيراً، حفظ كثيراً“، وجهين لفلسفة واحدة، مفادها أن الفعل يسبق المعرفة، وأن التجربة تُنضج الحكمة. ومن ثمّ، تصبح الحركة مدرسة مفتوحة، لا جدران لها، ولا شهادات، لكنها تمنح الإنسان أعمق ما يمكن أن يُكتسب: معرفة نفسه في العالم.
