فصول من مذكرات سيلفيا كريستل: أيقونة السينما في سبعينيات القرن الماضي (8)
رضا الأعرجي
لقد نما جسدي، لكنني لست امرأة. هذا يناسبني تماماً. أنا في السابعة عشرة من عمري، وما زلت أملك بعض أسناني اللبنية. أبدو وكأنني كبرت. أشاهد نفسي في المرايا أكثر فأكثر، ألعب، وأحرك عدة مرايا لأخلق انعكاسات لا نهائية لنفسي. يقول الناس إنني جميلة، وأنا أتحقق من صحة ذلك. ما معنى أن تكون جميلاً؟
ينال جسدي المزيد والمزيد من الإطراءات. يوقفني الناس في الشارع، يحدقون بي، ويصفّرون. لقد عدت إلى عوالم تلك الطاقة التي ربطت بين الرجال والنساء في بار الفندق. أشعر برغبة الآخرين، ولكن ليس برغبتي. جذب الرغبة قوة على الآخر.
أكتشف قوتي. أنا أخيراً مركز اهتمام قوي ولكنه ناعم، يجلس عليّ كالحرير، لا يشكل عبئاً أبداً. يدفئني ثم يحلق عالياً كطائرة ورقية، وأنا أمسك الخيوط. الاتصال موجود، ولن أفقده.
تقول أمي في كثير من الأحيان: “لا أعرف أحداً يحب نفسه بقدرك”، وهي مفتونة بهذه الفتاة الصغيرة الأنانية المختلفة تماماً عن نفسها.
ـ أنا لا أحب نفسي، بل أكتشفها. لا يمكن للمرء أن يحب نفسه، بل يحب الآخرين.
ـ ربما، ولكن أعتقد أنك الاستثناء.
***
التحقتُ بكلية بروتستانتية لتدريب المعلمين. لا تثير الفصول الدراسية اهتمامي. التخصصات كثيرة ومتنوعة ومتناقضة: الأدب، والرياضيات، والتاريخ، والأحياء… ذهني في مكان آخر. أحدق بثبات في الكرة الأرضية التي يرسمها أساتذتي بأيديهم، تسافر في ذهني. ألتقي بعيون من ينظرون إليّ في الصف. أتفحص شكل الشابة الجميلة الجالسة أمامي، التي تُشبه غريتا غاربو تماماً. أرد على نظرة صبي الملحة بإغماض عيني. أنا أنتظر.
ـ ولكن أين العذراء؟ سألت مندهشة
يختنق الأستاذ ثم يوبخني.
ـ آنسة سيلفيا كريستل، ليس هناك عذراء مقدسة، فقط أم يسوع.
ـ حسناً، ولكن أين هي؟
ـ عزيزتي، أعتقد أنه من الأفضل لكِ أن تتعلمي المبادئ الأساسية للبروتستانتية قبل العودة إلى مدرسة الأحد هذه. انصرفي، من فضلكِ.
أغادر الفصل الدراسي دون أن أقول كلمة.
أجد الفصل مملاً، والرجل حزيناً وصارماً. أحتاج إلى صور. أحبّ طريقة تصوير مريم، وجهها النقيّ الحزين قليلاً، أثوابها الزرقاء والذهبية والبيضاء المُنسدلة بأناقة، يديها المتشابكتين، وطيبتها.
يبدو كل شيء تجريدياً للغاية بدون هذه الصورة، هذه الأم المقدسة. أحب الأيقونة الأنثوية التي تجعل كل شيء يبدو أكثر هدوءاً وسكينة.
***
لقد عادت والدتي إلى دورتها الجهنمية من العمل والشرب.
إنها تحب عملها. لديها صديقة جديدة، امرأة لطيفة وداعمة ستبقى معها طوال حياتها.
ماريان ونيكولاس يتشاجران أكثر فأكثر. ماريان تتذمر وهي تنظفه. نيكولاس يشكو من الطعام، ليس لديه ما يكفي من اللحوم والأسماك، فجسمه النامي يحتاج إلى لحوم. إنها طريقته في لوم أمي على انفصال لا يقوى أحدنا على تحمله. يجب أن يدفع أحدهم الثمن.
أفتقد والدي. أتخيله ضحية، ضعيفاً كما ادعى. كانت كلماته الأخيرة: “خذي المزهرية” رقيقة، شجاعة، وغير عادية. ربما أستطيع مساعدته، وأحاول إقناعه مجدداً. أمي تتدهور تدريجياً. التقت ببائع أجهزة فيليبس، يقضي وقتاً أطول في منزلنا. إنه وحيد، لطيف، ودائماً ما يجلب لها الزهور. لكنها لا تريده، تُعامله معاملة سيئة، مُكتفيةً بتشتيته، والشعور الذي فقدته بأنها كائن حي، نافع، ومرغوب فيه.
أنا أكبر، شابة، أتمرد على امرأة أخرى لا أرغب في اتباع مثالها. لم أعد أستطيع تحمل هذا الوضع. أريد أن أتجاوزه، أن أجعله ينفجر. يجب أن تتغير الأمور؛ وأنا كذلك. هذا البؤس ليس من نصيبي.
“لو مارست الجنس أكثر قليلاً، لكان أبي قد بقي معنا“
شربت أمي بضع كؤوس، لكنها ما زالت تستقبل كل كلمة بصمتٍ كأنها ضربة. قسوتي انعكاسٌ لمعاناتي. تبتلع محتوى الكأس الصغيرة الملتصقة بأصابعها، وتقف أمامي. أرفع رأسي عالياً، مواجهاً إياها، غير متراجعة عما قلته. تتقدم نحوي، ثم تتوقف فجأةً أمام وجهي. تضربني نفحةٌ دافئة من الكحول والتبغ. أمي مجروحة. تشبثت بذراعي، وغرزت أظافرها فيّ، وهزتني محاولةً أن أفهم. أقاوم، وما زلتُ أحدق في عينيها. فجأةً، تتركني أمي، وتصرخ: “اخرجي . اخرجي فحسب“
إنه وقت متأخر من الليل. غادرتُ فوراً، سأغادر، هذه ليست حياتي. أين سأنام الليلة؟ في منزل ذلك الشاب اللطيف الذي يتغير لونه بمجرد أن يلفت نظري؟ لا، هذا لم ينتهِ بعد. في منزل والدي في الفندق، في غرفتي. عندما وصلتُ، كان ضوء الطابق الأول مضاءً. رأيتُ ظلالاً تتحرك. طرقتُ باب الاستقبال وصرختُ: “أبي.. أبي. أنا سيلفيا“
واثقٌة من نفسي، متشوقٌة لرؤية أبي مجدداً. تنطفئ الأنوار واحداً تلو الآخر. فجأةً، يغمر الظلام غرفة النوم، ويسود الصمت كل شيء. أنتظر.
أبي أنا. سيلفيا. رأيتك. افتح لي الباب..
لا كلمة، ولا إشارة. لا شيء. لا بد أنه هناك، لا بد أنها حذرته، وطلبت منه ألا يتحرك، لا بد أنه يطيعها بضعف. ماذا أفعل؟ أبي هناك، صامت، خلف هذا الباب، ولن يفتحه. أنا لستُ موجودة. فجأةً صرختُ: “إن لم تفتح الباب، فسأكسره، هل تسمعني؟ سأكسره“.
يضيء الضوء. أسمع أصواتاً مرتفعة. ثم تأتي المرأة وتحدثني طويلاً. حاولت إقناعي بالمغادرة، حرصاً على الجميع، لكنني رفضت.
ـ إلى أين أذهب؟
ـ إذا بقيتي، فسوف تدفعين أجرة غرفتك مثل أي شخص آخر.
ـ نعم
سعر غرفتي القديمة، التي تتسع لـ ٢١ شخصاً، هو مئة فلورين. سأعمل لدفع الإيجار، ويمكنني العمل كنادلة في مركز المعارض. لطالما شاهدتُ الناس يخدمون. أمي، عماتي، الموظفين. سيكون الأمر أشبه بفطرة ثانية، موهبة اكتسبتها منذ الصغر، من خلال المشاهدة.
يقضي والدي أيامه في العلية. أراه أيام السبت، عندما تذهب إلى مصفف الشعر لساعة كاملة لتمشيط شعرها للخلف. يسعده رؤيتي هذه الساعة أسبوعياً. لو لم تكن مهووسة بتصفيف شعرها على طريقة كعكة الزفاف لتبدو أطول بكعبها العالي، لما رآني وحدي أبداً.
أحياناً أراقبها دون أن تدري، محاولة فهم انجذاب والدي لها. صحيح أنها تتمتع بجسد جميل، رشيق، بأجزاء أنثوية متناسقة. ربما يكفي هذا. إنها تُملي وتُنظم كل شيء بصوت مُهدد ورتيب. ربما كان والدي بحاجة إلى التوبيخ والتثقيف والتقييد، فالرجال يضيعون في حريتهم.
لقد تغير كل شيء هنا. كنت أعرف ذلك مُسبقاً. طُردت العمة أليس، وادّعت أنها كانت تسرق. وفي إحدى الأمسيات أهانتها.
ـ افتحي حقيبتك..
وجدت فيها قطعة جبن وقليلاً من القهوة. أقنعت والدي بأن عمتي أليس تسرق كثيراً. لم يقل أبي شيئاً. غادرت عمتي أليس وهي تشعر بالخزي.
ثارت عمتي ماري، هذه المرة بشكل سيء. لم تستطع تحمل التغييرات. أنهت حياتها الهادئة للغاية في فترة النقاهة، وغادرت إلى إيطاليا في سيارة مجهولة، بلا أمتعة. ظنت أنها هربت. أنفقت ثروة. ثم عادت، قائلة إنها رأت الجنة، واكتشفت بلداً حيث كل شيء كان غناءً وبريقاً. وهبت نفسها لأحد السكان المحليين في نوبة حماس مماثلة. بعد أن ظنت أنها عاقر، حملت في سن الأربعين. وضع بطنها المنتفخ ابتسامة دائمة على وجهها. قررت إكمال عزلة والدي بطرد عمتي ماري بدعوى الفجور. تحدث عن القدر الأسود. اكتشفت أنها قابلت والدي في حانة سيئة السمعة حيث عملت مضيفة مؤقتة. كانت محاسبة في النهار، وفي الليل تصطاد فريسة، ولم تكن من النوع الذي يعود إلى المنزل خالي الوفاض.
لم تُرزق بطفل قط. ربما لم تستطع. كانت تكره الطفولة.
***
لقد سئمت من هذه المرأة وهي تنتقد والدتي بصوت عالٍ بما يكفي لأتأكد من أنني على دراية بحملتها اليومية لتشويه سمعتي وسحرها المستمر لأبي. دخلت عليّ اليوم وهي تضحك. لا بد أن الأمر كان فوق طاقتها.
ـ إما سيلفيا أو أنا.. قالت له.
هناك حديث عن وضعي مع عائلة حاضنة.
اتصل بأمي وأنا أبكي، فترد: عودي، قهوتك في انتظارك.
لم تستطع قول “أنا أنتظر”. اختبأت أمي وراء عبارات جاهزة. قهوتها ساخنة، قوية، ودائمة التحضير. كان ذلك اهتمامها، دفئها.
عدت بعد ستة أشهر من اقامتي في الفندق.
عندما فتحت أمي الباب فتحت شفتيها أيضاً، مما منحني ابتسامة واسعة غير مألوفة.
ـ أنا سعيدة بعودتك..
كان هذا اكتشافاً لا يُصدق بالنسبة لي. كان دليلاً، ذرة حبٍّ مُقدّمة في سن الثامنة عشرة تقريباً، مُحفّزاً. أعادت ابتسامة أمي إحياء رغبتي في تحقيق أحلامي، في أخذها بعيداً عن هذا العالم الكئيب، عن العمل والإرهاق.
***
كان هناك دم على فخذيّ هذا الصباح. كنتُ أنتظره، فالوضع لم يحتمل. أنا امرأة. أتخيل هذا الدم قادماً من جرحٍ خفيّ عميق في بطني. أراه يتدفق، راسماً خطاً سميكاً على ساقيّ. أرسلتُ بطاقةً للأخت ماري إماكولاتا، التي ردّت عليّ بعدة صفحات تُعبّر فيها عن ارتياحها وتُقدّم النصائح.
أتغيب عن الحصص الدراسية إن كنت متعبة أو في مزاج سيء. لديّ صديق اسمه برنارد، أشقر الشعر ولطيف المعشر، ذو ابتسامة دافئة لطيفة. والده قس. نشرب الكوكا كولا، وندخن لفائف التبغ، ونستكشف ملمس ورطوبة شفاه بعضنا البعض. نحن دائماً نتبادل القبلات. أشعر وكأنني شخص ناضج.
في المساء، أعمل نادلة في مطعم. أكسب مصروفي، لكن بدون جيوب، فالقواعد صارمة. البقشيش ممنوع إلا إذا أضيف إلى الفاتورة. زيّنا الرسمي خال من الجيوب عمداً. بعض الزبائن يتركون نقوداً بانتظام على الطاولة، يجب أن أعيدها إلى الصندوق. يا له من إهدار! في أحد الأيام، قررت الاحتفاظ بهذه النقود المخصصة لي وحدي. أطوي الأوراق النقدية إلى أربعة أجزاء وأضعها تحت كعبيّ. في الأمسيات الجميلة، بالكاد يتسع حذائي لقدميّ. المشي صعب، لكنني أفعله، فخورة، أفكر في النقود. أقول للزبائن بتكتم ولكن بحزم: “ممنوع إدخال العملات المعدنية، من فضلك“.
لقد أخبرت والدتي عن مشاكل قدمي.
إنها تضحك وتخيط جيباً سرياً صغيراً في كم فستاني، مما يمنحني الراحة والثراء.
أساعد أمي قدر استطاعتي. أدفع جزءاً من فاتورة طعامنا. ما زالت تعمل بجد.
أجهزة تلفزيون جديدة مذهلة معروضة للبيع. يُعدّ التلفزيون الملون ثورة في أوتريخت. تراقب أمي هذه الأجهزة خلسةً في واجهات العرض. إنها باهظة الثمن، لا تناسب إلا الأغنياء، وهو ما لا ينطبق علينا هذه الأيام.
مدير الكلية يتصل بي بسبب التغيب عن المدرسة.
ـ آنسة كريستل، قد تأسفين لغياب العذراء مريم عن الطقوس البروتستانتية، لكننا نأسف لغيابكِ تماماً. هل لديكِ أي اهتمام بمواصلة تعاوننا هذا؟ هل لديكِ أدنى عذر لغيابكِ؟
ـ كلا..
التحقتُ بمدرسة رقص في أمستردام. لديّ حبيب جديد، جان، وهو حنون ووسيم للغاية. إنه صحفي، ويقود سيارة ألفا روميو. يُقال إنه زير نساء. يُشجعني جان في مساعيي الفنية الجديدة. يرى فيّ جمالاً، كما يراه جميع العشاق.
أعشق الرقص. أتعلم حركات جديدة رشيقة لمختلف أنواع الإيقاعات. ألتزم بهذا النظام، وأُخضع جسدي للتمارين المطلوبة. الموسيقى تُغنيني. أشعر بالبهجة والنشاط.
***
لقد طُردت من المطعم. خطأ مؤسف. أفلتت سمكة مونيير من يدي وأنا أقطعها. أنا شخصية لطيفة ومتعاونة، لكني أُشتت انتباهي بسهولة: “جميلة لكن خرقاء” كما كانت تقول الأخت ماري إماكولاتا.
سقطت السمكة مع رشة من الكريمة على تنورة زبونة فظّة وغير متهاونة. صرخت الزبونة غاضبة: “هذا غير مقبول. لا يُطاق” صرحت بسعر تنورتها. أنا آسفة. اعتذرت، وأخذت منديلاً نظيفاً وانحنيت لأمسح الفوضى. دفعتني بعيداً. عندما نهضت، بقيت السمكة على تنورتها، كما لو أنها طُعمت بها. صُدمت من عناد هذه المتوحشة.
ضحكت. فقدت السيطرة على نفسي. أنا غبية. عندما قرر المالك، الذي كانت الزبونة تصرخ بوجهه من أجل أن يتدخل. اعتذر لها، وبفظاظة، أوقفني ثم أخذني بعيداً: ليست هذه المرة الأولى.
لقد لاحظ بالفعل قلة حيلتي، وهي سمة لا تتناسب مع هذه الوظيفة.
أتكئ على أريكة غرفة المعيشة، أراقب ذهاب وإياب أمي، وتعبها. عليّ أن أهرب من هذه الحياة المرهقة. أمي تحثّني على التصرف.
ـ إلى متى ستجلسين بلا عمل؟ «العمل الجاد يُبعد الشر»، كما كانت جدتك تقول.
أمي لا تمزح حقاً.
لم أقل شيئاً. نهضتُ، قبلتها، وانصرفتُ.
سأبحث عن وظيفة، سأُحقق شيئاً في حياتي، سأشتري لنفسي بعض الحرية.
***
لقد تم تعييني كسكرتيرة في شركة استيراد وتصدير المعادن.
ـ هل تعرفين حقاً كيفية الطباع؟ تسألني أمي
ـ بالتأكيد. تعلمناها في المدرسة الداخلية.
تطمئن….
ـ ممتاز، هذا هو الشيء الأكثر أهمية…
في الواقع، ليس كذلك. أعلم جيداً أن رئيسي وظّفني ليس لمهاراتي التي لم يراجعها قط، بل لمتعته الشخصية. لمتعة النظر إليّ كما فعل خلال المقابلة، من رأسي إلى أخمص قدميّ، ثم إلى أعلى، متوقفًا هنا وهناك، ووجهه مسترخٍ وسعيد. لم يكن يستمع. كان بإمكاني الردّ بكلمات أغنية فاحشة، ولن يلاحظ. بدا وكأن لا شيء يصرفه عن تأملاته. لم يكن فظاً، ولم تكن نظراته مُلحّة. كان مفتوناً فحسب. إنه رجل هادئ ومسالم.
في نهاية حديثي، الذي شرحتُ فيه تجربتي الفندقية، وشغفي المتنامي بالرقص، وأمي المطلقة، ولغتي الإنجليزية الممتازة، طلب مني رفع سماعة الهاتف وتقديم نفسي لعميل وهمي. رفعتُ سماعة الهاتف، ونطقتُ اسمي ثم أتبعته باسم الشركة، “مرحبًا”. وجملة ودية مثل “كيف يمكنني مساعدتك؟” بصوت معسول وعالي النبرة ومتكلف إلى حد ما.
ـ أنا معجب بكِ يا آنسة كريستل. قال المدير. يمكنكِ البدء متى شئتِ.
لقد قمت بأول تجربة لي في مجال علم المعادن في اليوم التالي مباشرة، مقتنعة بأنني سأضيف بعض الحلاوة إلى هذا العالم الصناعي.
***
ما اسمك؟ هل أنتِ من ضمن المجموعة؟ أنتِ جميلة جداً.
ـ لا، أنا هنا فقط مع صديقي
ـ يا للعار …!
احمرّت وجنتي ونظرتُ إلى الأرض. ابتعد الشاب، لكنه سرعان ما استدار ليتأكد إن كنتُ لا أزال أنظر إليه. انبهرتُ بهذا الشاب الوسيم بغمزته اللطيفة.
ـ هذا هو جاك شارييه، الزوج السابق لبريجيت باردو، وهو رئيس لجنة التحكيم، كما يوضح صديقي جان.
مهرجان أوتريخت السينمائي في أوج عطائه. الجديد هذا العام هو اختيار ملكة جمال السينما، وقد كرّس جاك شارييه نفسه لهذه القضية. ينتقل من فتاة لأخرى، يغمز بعينه، حتى أنه يلامس خدود بعضهن دون أن يرف لهن جفن. يضحكن ضحكات خفيفة ويميلن رؤوسهن. أراقب كل هذا. اختار بريجيت باردو، وهو يعتقد أنني “جميلة جدًاً” فجأةً، يقشعرّ جسدي.
ـ هل تعتقد أنني جميلة؟
ـ بالطبع، يقول جان بصراحة.
ـ جميلة مثلهن؟
ـنعم، جميلة حقاً..
ـ جميلة جداً، أجملهن على الإطلاق، يقاطع جاك شارييه، الذي انتهى من جولاته.
ـ أنت تبالغ يا سيدي. أرد عليه
صدقيني، إذا كان هناك شيء واحد أنا جيد فيه، فهو التعرف على الجمال الأنثوي.
انفجرت ضاحكة. أخذني من ذراعي على الرغم من وجود جان، وقادني بعيداً.
ـ اسمحي لي أن أقدم لك مشروباً..
إنه شجاع ويتمتع بسحر فرنسي ويتحدث اللغة الإنجليزية.
ـ نعم، بكل سرور. أجبت بنفس الطريقة.
أخبرته بكل شيء عن حياتي الصغيرة. كان بإمكاني أن أصبح معلمة، لكن ذلك أصابني بالملل، أتعلم الرقص لمتعتي الخاصة، وأعمل سكرتيرة لإسعاد أمي. باختصار، أنا قلقة.
ـ ينبغي أن تكون ممثلة..
ـ في السينما؟
ـ بالطبع.
إنها الوظيفة الرائعة التي كنت أبحث عنها: نجمة سينمائية. ليست مُرهقة، بل مُرضية وممتعة. ربما تُمكن هذه الفتاة الحالمة الآخرين من تحقيق أحلامهم.
جاك شارييه منتج، كما أخبرني، ويعمل حالياً على فيلم ضخم بعنوان “الستائر المغلقة” مع صديقه جان كلود بريالي. يجري حالياً اختيار الممثلين، ويرغب بشدة في أن أشارك في تجربة الأداء.
ـ تعالي إلى باريس. يجب أن تأتي إلى باريس.
هل يمكنني أن أدعو صديقي؟
ـ بالتأكيد. ستكونا ضيفييّ، وسأعتني بكل شيء.
“يجب أن تكوني ممثلة…” كانت هذه الكلمات الهامسة قيلت باللغة الإنجليزية بلكنة فرنسية. وعد حلو، الشيء الذي كنت أنتظره.
أشعر وكأنني مدعوة إلى رحلتي الخاصة. أنا مليئة بالأحلام، أعيش في عالمي الخيالي، عالم بريء، حلو، لامع، مُحب.
باريس… الأفلام…السينما.. النجومية. أنه يؤمن بي…
