المرافعة الأخيرة لعبد الرحيم برادة.. أو وصية الفارس النبيل

المرافعة الأخيرة لعبد الرحيم برادة.. أو وصية الفارس النبيل

 جواد امديدش

          تُعد مذكرات المحامي الراحل عبد الرحيم برادة، الصادرة تحت عنوان كلمات حرة للتاريخ (Paroles libres pour l’Histoire) – 602 صفحة، ثمرة عقدين من الاشتغال والبوح المتقطع. وفي هذا العمل الضخم، الذي صاغه عبر حوارات عميقة ومكثفة مع الكاتب والمؤرخ “ديديه فولياس”، يستعرض برادة – أحد أبرز الوجوه القانونية التي بصمت المحاكمات السياسية الكبرى في المغرب – صرامته المعهودة كحقوقي، وثقافته الموسوعية، وشجاعته النادرة في الجهر بالحقيقة، متمسكاً بقيم إنسانية عابرة للحدود ظل يذود عنها حتى رمقه الأخير.

الأستاذ عبد الرحيم برادة خلال المحاكمة السياسية الأولى لما عُرف بالجبهويين، (الماركسيون اللينينيون)عام 1973 بالدار البيضاء
الأستاذ عبد الرحيم برادة خلال المحاكمة السياسية الأولى للجبهويين، (الماركسيون اللينينيون) عام 1973 بالدار البيضاء

عبر ستة فصول حادة موزعة على ستمائة صفحة، يستأنف برادة مرافعته الأخيرة ضد الظلم والاستبداد والتعسف، مندداً بالخلل أينما وجد، وفي مقدمته واقع بلده المغرب. إن هذا الكتاب ينساب كوصية تاريخية أورثها للأجيال الحاضرة والقادمة قبل رحيله في 20 فبراير 2022، وكأن القدر أراد لوفاته أن تتزامن مع ذكرى انطلاق “حراك 20 فبراير” بالمغرب، ليرحل في صمت مهيب، تاركاً وراءه فراغاً مهولاً في ساحات القضاء التي افتقدت صوتاً حراً، جسوراً، زعزع طوال أربعة عقود طمأنينة القضاة والنيابة العامة بصوت الحق.

التكوين الفكري: تقديس الشك ونبذ الدوغمائية

صقل برادة معدنه الفكري في باريس أواخر الخمسينيات، حين كان طالباً للحقوق. هناك، انغمس في قراءات متنوعة بعيدة عن القوالب الجاهزة، ورسم لنفسه بورتريه يمنع أي خلط: “أنا ممن يقدسون الشك ويعيشونه. كنت أقرأ لخصومي قبل أصدقائي، ورغم انتمائي لليسار، إلا أنني كنت أنصت لخطاب اليمين باهتمام”. لقد كان عدوه اللدود هو الأيديولوجيا الضيقة والدوغمائية، التي اعتبرها “المحضن الوبائي الذي تفرخت فيه القومية الشوفينية والتعصب الديني الأعمى“.

لقد كان ريمون آرون، المنبوذ من يساريي باريس آنذاك، هو من فتح عينيه على ضرورة مراجعة اليقينيات. آمن برادة بالتعددية ورفض كل أشكال العنف، مؤكداً أن أي “ثورة” في المغرب يجب أن تكون سلمية بالضرورة. ويتذكر برادة بامتعاض كيف دافع بعض رفاقه في فرع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بباريس عن خيار “الحزب الوحيد”، مؤكداً أن المهدي بنبركة وعمر بنجلون لم يتبنيا يوماً هذا الطرح الاستبدادي. بنبركة، الذي اختُطف في باريس عام 1965 ولم يظهر له أثر، وبنجلون الذي اغتيل بطعنات الغدر عام 1975، كانا يمثلان في نظره “الاختيار الثوري” بمعناه المتمدن: أي الانتقال الإرادي والمنهجي من الدولة الإقطاعية إلى دولة حديثة، ديمقراطية واشتراكية. أما العنف، فكان في فكر بنبركة مجرد “دفاع مشروع” لا يُلجأ إليه إلا إذا واجه القصر الإصلاحات الهيكلية بـ “عنف الدولة“.

العودة إلى المغرب: ممارسة المحاماة كسلطة مضادة

في عام 1963، غادر برادة العمل الحزبي المباشر ليوهب حياته للمحاماة، متتلمذاً على يد كبار النقباء في باريس. وفي عام 1966، اتخذ قراره الانتحاري بالعودة إلى المغرب، ملبياً نداءً داخلياً يقول: “فرنسا لا تحتاجني، لكن المغرب يحتاج لكل أبنائه.. سأعود لأحارب، لأمنح لحياتي معنى”. عاد في سياق قاتم اتسم باختطاف بنبركة، وأحداث مارس 1965 الدامية، وإعلان “حالة الاستثناء” من طرف الحسن الثاني. ترك خلفه أضواء باريس وقصور عدلها الشامخة ليعانق القلق المهني في بلد يتحسس طريقه وسط الألغام.

وبدعم من رفيقة حياته “مونيك بيكي”، التي كانت سنداً لا يلين في وجه المخز”، خاض برادة معاركه القانونية ضد ملكية تتحسس من أي معارضة، مستخدماً سلاحاً وحيداً: نصوص القانون التي كان النظام نفسه يدعي احترامها. على مدى أربعة عقود من حكم الحسن الثاني، لم تخلُ محاكمة سياسية من بصمة برادة. دافع عن الجميع: ماركسيين، لينينيين، ماويين، نقابيين، وصحفيين، دون أن يطلب درهماً واحداً كأتعاب. كان يؤمن بـ “المسافة” الضرورية بين قناعات المحامي وقناعات موكله، محذراً من المحامي الذي يستلب إرادة المتهم أو يفر من واجب الدفاع لأسباب سياسية.

وهنا، ينتقد برادة بمرارة الزعيم عبد الرحيم بوعبيد، الذي رفض الدفاع عن أبراهام السرفاتي في محاكمة 1977 التاريخية بسبب موقف الأخير من قضية الصحراء. يقول برادة: “لقد تصرف بوعبيد كسياسي حصرياً، ونسي أنه محامٍ.. وهو أمر ظللت أتأسف له للتاريخ”. في تلك المحاكمة، واجه برادة محكمة “تتلقى الأوامر”، ودفع الثمن غالياً: تنصت على الهاتف، حراسة بوليسية أمام بيته، ووضع جواز سفره تحت الحجز لمدة خمسة عشر عاماً. ولم يستعد جوازه إلا في 1992 بعد ضغط دولي قاده المحامي هنري لوكلير والصحفي ستيفن سميث، الذي أحرج الحسن الثاني في حوار شهير بباريس، مما دفع الملك للدخول في نوبة غضب عارمة انتهت بإطلاق سراح جواز سفر برادة.

خيبة الأمل في “التناوب”: خطايا اليوسفي الخمس

مع نهاية عهد الحسن الثاني ومجيء حكومة “التناوب التوافقي” برئاسة عبد الرحمان اليوسفي عام 1998، كان برادة يتوقع تصفية “الإرث الوحشي” لانتهاكات حقوق الإنسان. لكنه صُدم بـ “فتور مخجل” من جانب اليوسفي. يسرد برادة خمس خطايا كبرى لليوسفي:

1- قضية السرفاتي: رفض اليوسفي التوقيع على مرسوم يلغي طرده التعسفي، وانتظر السرفاتي حتى مجيء محمد السادس ليعود بقرار ملكي “سياسي” محض.

2- قمع الصحافة: إغلاق ثلاث صحف كبرى عام 2000 بقرار من حكومة “اشتراكية“.

3- قضية النقيب أديب: الذي سُجن وعُزل من الجيش لأنه كشف عن فساد مالي، في محاكمة وصفها برادة بـ “الرذيلة“.

4- الحريات العامة: التراجع عن المكتسبات في ممارسة حرية التعبير.

5- اغتيال الرموز: فشل اليوسفي في إجبار الدولة على الاعتراف بمسؤوليتها في اغتيال بنبركة وبنجلون.

يرى برادة أن اليوسفي أخطأ حين اعتمد “التواضع” في مفاوضاته مع ملك (الحسن الثاني) كان يتصرف كـ “نصف إله”. وفي بداية عهد محمد السادس، لاح في الأفق بصيص أمل (تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة، عودة السرفاتي، انفراج نسبي في الصحافة). لكن برادة، بحدسه القانوني الثاقب، رأى أن الأمل في “قطيعة حقيقية” بدأ يتلاشى، فالمحاكمات السياسية لم تتوقف، والاعتقالات استمرت، والدستور الجديد لعام 2011 – في نظره – “يدعي الديمقراطية زيفاً” بينما يكرس غياب الفصل الحقيقي بين السلطات.

كلمات حرة في زمن الصمت

يختم عبد الرحيم برادة مذكراته بالتأكيد على أن الملكية في المغرب لا تزال “مطلقة بموجب الحق الإلهي”، حيث لا يمكن لأي سلطة قضائية أو تشريعية أن تعقب على قرارات الملك. إن كتاب “كلمات حرة للتاريخ” ليس مجرد سيرة ذاتية، بل هو وثيقة اتهام صارخة وشهادة حية على زمن الرصاص وما تلاه من تعثرات. لقد رحل برادة، لكن صوته سيظل يتردد في ردهات المحاكم، مذكراً بأن “المحامي هو السلطة المضادة”، وأن العدالة لا تُمنح كصدقة، بل تُنتزع بالصمود والكلمة الحرة التي لا تقبل المساومة.

شارك هذا الموضوع

جواد امديدش

صحافي وكاتب. من بين مؤلفاته: "الغرفة السوداء أو درب مولاي الشريف"، الذي قدم له أبراهام السرفاتي، وصدر عن دار نشر 'إيديف' (Eddif) عام 2000. أما أحدث أعماله فهو كتاب: "هروب في الأطلس الكبير"، الصادر عن دار نشر 'الفنك' (Le Fennec) بالدار البيضاء عام 2025.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!