مجلس ترامب لغزة.. أو انبعاث الاستعمار من جديد

مجلس ترامب لغزة.. أو انبعاث الاستعمار من جديد

رنجان سولومون

     في معجم الجيوسياسة الحديثة، نادراً ما تُستخدم الكلمات لوصف الواقع، بل تُستخدم في أغلب الأحيان لتمويهه. إن ظهور مقترحات مثل “مجلس سلام غزة” يجسد تحولاً لغوياً بارعاً، يؤشر على الانتقال من العنف الأعمى للاحتلال العسكري إلى القمع البيروقراطي لإعادة الاستعمار. ومن خلال تقديم إدارة غزة كمبادرة لـ “استعادة السلام”، يحاول مروجوها إحياء نظام “الانتداب” الذي ساد أوائل القرن العشرين، مما يحرم السكان فعلياً من حقوقهم تحت غطاء “الضرورات الإنسانية” المزعومة.

رنجان سولومون
رنجان سولومون

ولفهم خطورة مثل هذا الإجراء، يجب تحليله لا كإجراء أمني مؤقت، بل كتمظهر متعمد للاستعمار الجديد وهجوم مباشر على أي مشروع لإنهاء الاستعمار.

المهمة الحضارية” ومنطق الانتداب

تتجذر الأسس النظرية لأي “مجلس سلام” فيما سماه المنظر السياسي “فرانتس فانون” بـ “المهمة الحضارية” الاستعمارية. وينطلق هذا المنطق من فرضية أن الذات المُستعمرة “غير مؤهلة” جوهرياً لتقرير المصير. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى غزة ككيان سياسي سيادي، بل كـ “مساحة إشكالية” تتطلب إدارة خارجية.

تجسد هذه الانتدابات النظام الذي وضعته “عصبة الأمم”، لا سيما انتدابات الفئة (أ) التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى، والتي قامت على قناعة بأن بعض الشعوب لم تصل بعد إلى القدرة على مواجهة تحديات العالم الحديث بمفردها. ومن خلال اقتراح مجلس إشراف خارجي، قد يتألف من قوى غربية أو ممثلين إقليميين لها، يحاول المجتمع الدولي إعادة إرساء نظام “الوصاية”. هذا التراجع الجوهري يستبدل الحق القانوني في تقرير المصير بوجود “خاضع للإشراف” ومشروط، حيث يُعرّف “السلام” بكونه غياب المقاومة للنظام السائد.

الاستعمار الجديد و”إدارة” غزة

بينما كان استعمار القرن التاسع عشر يهدف إلى الاستخراج المباشر للموارد، يعتمد الاستعمار الجديد على التحكم في البنية التحتية، والحدود، والشرعية السياسية. وبذلك، سيعمل “مجلس سلام غزة” كأداة نهائية للاستعمار الجديد.

من خلال تدويل إدارة غزة، تستطيع قوة الاحتلال وحلفاؤها “تعهيد” (Outsourcing) التداعيات الأخلاقية واللوجستية للسيطرة، مما يخلق “جداراً من الشرعية”. فإذا كان المجلس يتألف من عدة دول، تذوب المسؤولية المحددة للمستعمر في “مسؤولية دولية” غامضة. ويصف “أشيل مبيمبي” هذه العملية بـ “السياسة المميتة” (Necropolitics): وهي ممارسة السيادة عبر سلطة إملاء من يحق له العيش ومن يجب أن يموت، والتي تدار الآن من قبل لجنة “معقمة” من الخبراء و”حفظة السلام“.

يتحول المجلس حينها إلى آلية تسمح بـ:

نزع التسييس عن الصراع: عبر اختزال نضال جوهري من أجل التحرر الوطني إلى سلسلة من “التحديات التقنية” (مثل إدارة النفايات، السعرات الحرارية، ولوجستيات الحدود).

تفتيت الهوية: من خلال التعامل مع غزة كوحذة إدارية منفصلة عن بقية الأراضي الفلسطينية، مما يعزز الاستراتيجية الاستعمارية “فرق تسد”، ويعيق إقامة دولة فلسطينية موحدة.

الأسس العرقية لإطار “السلام

من المستحيل مناقشة إعادة الاستعمار دون التطرق إلى العنصرية التي تغذيه. يعتمد “مجلس السلام” في الواقع على تراتبية عرقية للسيادة، تنطلق من فرضية أن حياة الفلسطينيين لا يمكن “حكمها” إلا من خلال تدخل قسري خارجي.

تندرج هذه الرؤية ضمن استمرارية “الاستشراق” لدى إدوارد سعيد، حيث يُصوَّر “الشرق” كمساحة فوضوية وغير عقلانية بشكل دائم، تتطلب تدخل “الغرب العقلاني” لاستعادة النظام والحفاظ عليه. إن رفض السماح للفلسطينيين بقيادة عملية إعادة الإعمار الخاصة بهم أو إدارة حدودهم هو إعلان عن “الريبة العرقية”؛ إذ يوحي بأن السكان الأصليين لا يمكن تزويدهم بأدوات الحداثة – كالمطارات أو الموانئ أو قوات الشرطة الدائمة – لأن “طبيعتهم” مهددة بطبيعتها. وتبرر هذه “العرْقنة” الطبيعة “المؤقتة الدائمة” للاحتلال، حيث يتم تغيير معايير “الجاهزية للاستقلال” باستمرار.

النضال من أجل إنهاء الاستعمار

في مواجهة هذا الانحراف الإمبريالي الجديد، يقدم مفهوم “مناهضة الاستعمارية” (Decoloniality) بديلاً جذرياً. لا يقتصر هذا المفهوم على “تصفية الاستعمار” (انسحاب القوات)، بل يهدف إلى تفكيك “استعمارية القوة”، أي الهياكل الكامنة للتفكير والحكم التي تكرس التراتبيات الإمبريالية.

إن أي نهج مناهض للاستعمار تجاه قضية غزة سيرفض أي مجلس أو لجنة أو انتداب لا ينبع من الإرادة العضوية للشعب الفلسطيني، ويؤكد على أن:

السيادة حق لا يتجزأ: ولا يمكن “اكتسابها” من خلال إثبات حسن السلوك لمجلس مكون من أسياد استعماريين سابقين.

التعويضات تسبق الإدارة: بدلاً من “مجلس سلام” مكلف بإدارة الفقر، يتطلب الإطار المناهض للاستعمار تعويضات عن عقود من التدمير المنهجي للاقتصاد والبنية التحتية في غزة.

التحرر المعرفي: يجب على العالم أن يكف عن رؤية غزة من منظور “التهديدات الأمنية” ويبدأ في رؤيتها من منظور “حقوق الإنسان والتحرر الوطني“.

خطر إعادة الاستعمار “الإنساني

يكمن الجانب الأكثر خبثاً في “مجلس سلام غزة” في مظهره الإنساني. فمن خلال التركيز على إيصال المساعدات وإعادة بناء المستشفيات، يسعى لانتزاع “موافقة” السكان عبر تزويدهم بسبل العيش الأساسية.

ومع ذلك، وكما يشير الفيلسوف “جورجيو أغامبين”، عندما يُختزل البشر إلى “الحياة العارية” — أي مجرد وجود بيولوجي بلا حقوق سياسية — يصبحون معرضين للخطر بشكل خاص. إن المجلس الذي يطعم شعباً بينما يحرمه من حق التصويت، أو التنقل بحرية، أو التعبير عن مستقبله، ليس منظمة إنسانية، بل إدارة قمعية. إنه يحول قطاع غزة إلى حظيرة خاضعة للسيطرة، أو “مدينة ريادية” عالية التقنية حيث المجتمع ليس سوى كونسورتيوم (تحالف) من القوى العالمية.

رفض “إعادة الضبط” الإمبريالية

سيكون اقتراح “مجلس سلام لغزة” اختباراً حاسماً للقرن الحادي والعشرين. فهل سنسمح بعودة عصر “الانتداب”، حيث تتقاسم الأمم القوية حقوق الأمم “الأضعف” في غرف اجتماعات فاخرة؟ أم سندافع عن المبادئ التي انتُزعت بصعوبة بعد الحرب، والتي تؤكد أن لجميع الشعوب الحق في تقرير المصير؟

إن قبول إعادة استعمار غزة يعني قبول عالم يفعل فيه الأقوياء ما يحلو لهم ويخضع فيه الضعفاء لمصيرهم، بينما يصيغ “مجلس السلام” محاضر مداولاته. إن النضال من أجل غزة يمثل الجبهة الأولى في الكفاح العالمي من أجل إنهاء الاستعمار. وهو يتطلب منا الكف عن “إدارة” المظلومين والبدء في مهاجمة أنظمة الظلم. وأي حل لا يشمل السيادة الكاملة لا يمكن وصفه بالسلام، بل هو في أقصى تقدير “إذعان المُستعمَر“.

* الكاتب رنجان سولومون: معلق سياسي ومدافع عن حقوق الإنسان من الهند. له التزام طويل الأمد بقيم التعددية الثقافية والوئام بين الأديان والعدالة الاجتماعية. يركز في عمله على حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن السرديات المهيمنة. يمكن التواصل معه عبر البريد الإلكتروني: ranjan.solomon@gmail.com.

___________________________________

المصدر: (revue de presse : juancole.com avec Middle East Monitor – 19 janvier 2026)

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!