الأمن الهوياتي المغربي: السيادة في مواجهة مشاريع المسخ والعزل
عبد الرحمان الغندور
يكمن وراء صخب الملاعب والمشاحنات البليدة، العدوانية والعدائية والاستعدائية، التي ملأت وسائل التواصل الرقمية، من يريد للمغربي أن يكره محيطه الإفريقي والعربي وحتى الاسلامي، وأن ينعزل عن جذوره التي تمتد لقرون.
لماذا الآن؟ لأن عزل المغرب عن عمقه “الأمازيغي، العربي، الإسلامي، والإفريقي” هو الخطوة الأولى لتفكيك شخصيته التاريخية، وتسهيل ذوبانها في مشاريع هجينة (كالدين الإبراهيمي الجديد) التي تهدف إلى مسخ هويتنا وجعلنا بلا انتماء.
لنتذكر دائماً:
إفريقيا والوطن العربي/ الاسلامي: هما فضاؤنا الجيوسياسي ومصيرنا المشترك، والعداء معهما هو انتحار استراتيجي يخدم أعداء وحدتنا الترابية.
العنصرية والكراهية: ليست من شيمنا، بل هي أدوات “مستوردة” لضرب صورتنا كبلد رائد وجسر بين الثقافات.
قوتنا في تنوعنا: نحن مغاربة.. بجذورنا الإفريقية، ولساننا الأمازيغي والعربي، وعقيدتنا الإسلامية الوسطية.
فلنحذر من أن نكون أداة في مخطط “العزل” و”التدمير الهوياتي” ونحن لا تشعر. لندافع عن مغربيتنا برقيّ، ولنحتضن انتماءنا الإفريقي والعربي/الاسلامي بفخر.
فمخطط إشعال مشاعر الحقد والكراهية لدى المغاربة، ولا سيما “مثقفيهم” وجماهير الشباب يحمل أبعاداً جيوستراتيجية ونفسية عميقة، إذ تنطلق من قراءة تتجاوز الانفعال الكروي اللحظي لتصل إلى مستوى “الأمن الهوياتي” للمغرب. فالاندفاع نحو خطاب الكراهية تجاه الأفارقة جنوب الصحراء أو الجيران في الجزائر ومصر، تحت غطاء المشاحنات الرياضية التي أفرزتها كاس إفريقيا، لا يُعد مجرد تعبير عن غضب عابر، بل يمثل، حسب هذا المنظور، انزلاقاً نحو فخ يتم إعداده بدقة لعزل المغرب عن امتداداته الطبيعية والتاريخية. إن هذا “المخطط بعيد المدى” يعتمد على استراتيجية “تفكيك الارتباط”، حيث يؤدي تضخيم العداء مع المحيط الإفريقي والعربي إلى خلق حالة من العزلة الوجدانية والسياسية، مما يجعل المجتمع المغربي أكثر عرضة للانسلاخ من ثوابته التي تشكلت عبر القرون.
وفي هذا السياق، تبرز خطورة الربط بين هذا الانعزال وبين ما يُعرف بـ”منظومة الدين الإبراهيمي”، وهي المنظومة التي يراها أصحاب هذا الطرح كأداة لإعادة صهر الهويات المحلية في بوتقة عالمية هجينة تفتقر إلى الخصوصية، وتهدف أساساً إلى تمييع الفوارق العقائدية والتاريخية. إن التخلي عن “العروبة” و”الأمازيغية” و”الإسلام” و”الانتماء الإفريقي” ليس مجرد تغيير في الاصطلاحات، بل هو تدمير للبنية التحتية للهوية المغربية التي تقوم على التعددية المتناغمة. فالمغربي حين يخاصم إفريقيا وعمقه العربي، فإنه يقطع الشرايين التي تغذي شخصيته الحضارية، مما يسهل عملية إلحاقه بمنظومات فكرية وسياسية غريبة عن وجدانه، تخدم أجندات تهدف في النهاية إلى جعل المغرب كياناً وظيفياً معزولاً، فاقداً لبوصلته التاريخية وقدرته على التأثير في محيطه الاستراتيجي. لذا، فإن مواجهة هذا المد من الكراهية تصبح، وفق هذا التحليل، ضرورة وطنية لحماية الكيان المغربي من “التغريب الهوياتي” وضمان استمرارية توازنه بين أبعاده المتعددة.
لقد تأسست الدولة المغربية عبر العصور على مفهوم “الدولة الجسر”، حيث لم يكن المغرب يوماً جزيرة معزولة، بل كان ملتقىً حيوياً تتقاطع فيه الهوية الأمازيغية الأصيلة بالعمق العربي الإسلامي والامتداد الإفريقي جنوب الصحراء. فمن الناحية التاريخية، شكلت المسالك التجارية الرابطة بين فاس ومراكش وبين تمبكتو وسجلماسة شريان الحياة الذي نقل الإسلام والثقافة والعلوم، وجعل من سلاطين المغرب حماةً لهذا الفضاء الجيوسياسي الواسع. هذا الترابط ليس مجرد أرشيف من الماضي، بل هو صمام أمان جيواستراتيجي؛ فالمغرب يستمد قوته التفاوضية ومكانته الدولية من كونه فاعلاً أساسياً في القارة السمراء وركيزة في العالم العربي، وأي تخلخل في هذه الروابط يعني فقدان أوراق ضغط حيوية في ملفات كبرى، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية.
إن محاولات الدفع نحو “القطيعة الوجدانية” مع المحيط الإقليمي –سواء عبر استغلال سياقات رياضية أو أزمات ديبلوماسية عابرة– تخدم بشكل مباشر فكرة “تفتيت الكتل”، حيث يُراد للمغرب أن ينكفئ على ذاته، ويقطع صلاته الروحية والثقافية مع جيرانه، ليجد نفسه في مواجهة مباشرة مع منظومات عولمية تريد إعادة صياغة الوعي الجمعي وفق مقاييس “الدين الإبراهيمي” الجديد، الذي يفرغ الهوية من محتواها النضالي والقيمي. إن الوعي بهذا العمق التاريخي يكشف أن الدفاع عن الانتماء الإفريقي والعربي والأمازيغي ليس ترفاً، بل هو دفاع عن “السيادة الهوياتية” التي تمنع ذوبان المجتمع في قوالب جاهزة تهدف إلى تحويله من فاعل حضاري إلى تابع فاقد للجذور.
وها نحن نواجه هذا الخطر الداهم من خلال ما نعاينه في منصات التواصل الاجتماعي والخطاب الرياضي حيث تحول السياق إلى “ميدان معركة” مكشوف، جعل من هذه الأدوات معولاً لهدم الروابط التاريخية. إن استغلال الشغف الكروي كقوة ناعمة يتطلب الانتقال من رد الفعل العاطفي المتشنج إلى الفعل الاستراتيجي الواعي؛ فالرياضة، وبخاصة كرة القدم في القارة الإفريقية، لم تعد مجرد لعبة، بل هي لغة ديبلوماسية قادرة على اختراق الشعوب وتجاوز الخلافات السياسية الرسمية. عندما يتبنى الجمهور المغربي ووسائل إعلامه خطاباً يثمن “الأخوة الإفريقية” ويحتفي بالقيم المشتركة، فإنه يجهض محاولات العزل في مهدها، ويؤكد أن الانتماء للقارة هو اختيار وجودي ومصيري، وليس مجرد مصلحة عابرة مرتبطة بنتيجة مباراة.
من هنا، يصبح الوعي الرقمي ضرورة قصوى لتحويل “الترند” من أداة للتنابذ والفرقة إلى منصة لتعزيز التلاحم؛ وذلك من خلال تسليط الضوء على المشتركات الثقافية، والاحتفاء بالنجاحات المشتركة، وتفنيد خطابات الكراهية التي تُغذيها حسابات مجهولة قد تكون جزءاً من “الذباب الإلكتروني” الموجه لخدمة أجندات التفكيك. إن تقديم المغرب كنموذج للانفتاح والقيادة داخل أسرته الإفريقية والعربية/الاسلامية عبر المحتوى الرقمي الجذاب، يساهم في بناء “جدار صد” هوياتي متين، يجعل من الصعب على أي مخطط عزلِ المغرب عن محيطه أو تذويب خصوصيته الإسلامية والأمازيغية في قوالب دخيلة. إنها معركة وعي بامتياز، تُكسب ليس فقط في الملاعب، بل في العقول والقلوب التي تدرك أن قوة المغرب في امتداده، وأن عزلته هي بداية اضعافه.
لذلك نحن مطالبون اليوم بمواجهة خطابات الكراهية بفهم أهدافها و آلآليات “الاستقطاب الرقمي” التي تحول الشباب من فاعلين في بناء الوطن إلى أدوات غير واعية في مخططات عزله. ولذلك علينا أن نبني مخططا تواصليا تتبناه المؤسسات التعليمية، والجمعيات المدنية، والمؤثرون الرقميون، بهدف تحصين “الكتلة الوجدانية” للمغاربة. وينطلق هذا المسار من ترسيخ فكرة أن “الوطنية لا تعني العنصرية”، وأن الاعتزاز بالذات المغربية يكتمل بانفتاحها على محيطها، حيث يُقاس نضج الشعوب بقدرتها على تدبير الاختلاف مع الجيران والأشقاء دون السقوط في فخ الشيطنة التي تمهد الطريق لتفكيك الهوية.
إن المبادرة التوعوية الناجحة هي التي تعيد للشباب المغربي الثقة في “النموذج الحضاري المغربي” كونه نموذجاً قائماً على التعايش والوسطية، لا على الانعزال والعداء. يجب أن تركز هذه المبادرات على إنتاج محتوى رقمي بديل، يستخدم لغة العصر والوسائط البصرية الجذابة، لتفكيك السرديات التي تربط الهوية المغربية بمنظومات هجينة مثل “الدين الإبراهيمي”، وتوضيح كيف أن هذا الطرح يسعى لقطع الصلة بالمرجعية الإسلامية والامتداد الإفريقي والعربي والأمازيغي. إن تمكين الشباب من أدوات “التحليل النقدي” للمحتوى الذي يستهلكونه، سيجعلهم قادرين على تمييز الخطابات الموجهة التي تسعى لضرب استقرار المغرب الهوياتي، وبدلاً من أن يكون “الهاشتاغ” وسيلة للهجوم، يصبح أداة لترسيخ “الديبلوماسية الشعبية” التي تعزز مكانة المغرب كقوة ناعمة رائدة في قارتها وأمتها.
