غرينلاند: رقعة الشطرنج الجيوسياسية بين روسيا والولايات المتحدة
د. زياد منصور
هل تعلم أن روسيا قد تفكر في غرينلاند؟
قد يبدو هذا مفاجئاً للبعض، لكن التحركات الأخيرة والمواقف الدولية تشير إلى أن روسيا تنظر إلى هذا الإقليم الاستراتيجي بعين القوة والمصلحة. الرئيس الأمريكي نفسه ألمح ضمنياً إلى هذا الاحتمال، ولا يمكن تجاهل ما يقوله القادة الأمريكيون؛ فالتاريخ يذكرنا بأن تصريحات مماثلة سابقاً حول أوكرانيا تحققت على أرض الواقع.
الصراع على أوكرانيا: مقدمة لفهم الديناميكيات
منذ سنوات، بذلت الولايات المتحدة والغرب كل ما في وسعهم لدفع القوات الروسية إلى غزو أوكرانيا. روسيا حاولت ممارسة الصداقة واتِّباع الدبلوماسية، بدءاً من إرسال الأموال، وتقديم القروض، وتوريد الموارد بأسعار منخفضة، لكن الجميع حاولوا خلق الشقاق والعداء. الهجمات الرمزية على روسيا لم تتوقف، بدءاً من الصرخات المهينة في الساحات، مروراً بـ “الميدان” (ساحة العاصمة كييف حيث اندلعت الثورة الملونة)، وانتهاءً بمحاولات تحييد روسيا عن دورها الطبيعي في المنطقة.
حتى في تلك المرحلة، حاولت روسيا حماية حقوق المواطنين في أوكرانيا، وضمان مساواتهم مع مواطني الغرب، بما في ذلك حقهم في الإيمان الذي يريدون، واللغة، والتمتع بحقوقهم ضمن الدولة. ومع ذلك، دعم الاتحاد الأوروبي أوكرانيا بالسلاح، وأخَّر تنفيذ اتفاقيات “مينسك”؛ مؤكداً أن الهدف كان خلق خصم ضد روسيا لا شريك صادق.
“الميدان” وزيلينسكي: تحطيم السياسات المعتدلة
شكل ظهور زيلينسكي أملًا بوقف النزاع ومكافحة الفساد، إلا أن ضغوط القوى الغربية وواقع النفوذ القوي أجبرته على التراجع عن مواقفه. الشعب الأوكراني والمواطنون الروس الذين تعاطفوا معه لاحظوا انهيار المواقف السياسية، ما كشف حقيقة أن القوى الكبرى تحكم العالم بالقوة، وليس بالقوانين أو المبادئ. فالحالات السابقة، مثل غزو جورجيا لـ “تسخينفال”، وسياسات الغرب في كوسوفو، تشير إلى أنَّ القوة هي المعيار الفعلي في العلاقات الدولية اليوم؛ إذ يمكن أخذ الأراضي بالقوة، واختطاف رؤساء الدول، والسيطرة على السفن والطائرات خارج المياه الإقليمية، إذا كانت القوة متاحة. الضعفاء يصمتون أو يُجبرون على الخضوع، والقوي يفرض إرادته.
أرمينيا والاتحاد الأوروبي: نفس الفخ التاريخي
اليوم، نرى أن أرمينيا قد تسير على خطى أوكرانيا، محاولةً الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو تبني سياسات مشابهة، رغم أن التجارب السابقة أثبتت أن ذلك يؤدي إلى النزاعات مع جيرانها وفقدان الأراضي المتنازع عليها. هذا يعكس نموذجاً ثابتاً: الاتحاد الأوروبي يستخدم الدول كأدوات لإضعاف روسيا، والصين، وأحياناً الاتحاد الأوروبي نفسه، دون تقديم أي فائدة حقيقية للدول المعنية.
غرينلاند: حجر الزاوية الجيوستراتيجي
الآن نصل إلى السؤال الأساسي: هل تحتاج روسيا غرينلاند؟ تقع غرينلاند عند مدخل المحيط الأطلسي الشمالي، مما يجعلها بوابة طبيعية للممرات البحرية والجوية بين أمريكا الشمالية وأوروبا. هذا الموقع لا يقتصر على ميزة جيوسياسية فحسب، بل يشكّل نقطة ارتكاز في أنظمة الدفاع الصاروخية والرادارية التي تمتد بين واشنطن وموسكو. بالنسبة للولايات المتحدة، فهي تدير قاعدة “بيتوفيك” (سابقاً ثولي الجوية) في شمال غرينلاند، والتي أصبحت مركزاً أساسياً لأنظمة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية القادمة من اتجاه القطب الشمالي، وتعمل كنقطة رصد لصواريخ العدو قبل وصولها إلى الأراضي الأميركية أو الأوروبية.
ومع تطوير أنظمة الرادار والدفاع الصاروخي، تسعى واشنطن إلى توسيع قدرتها على الكشف والاعتراض قبل أن تصبح الصواريخ تهديداً مباشراً. وطرح مشروع نظام الدفاع الصاروخي “Golden Dome” يعزز هذا الدور، إذ تعتبر غرينلاند موقعاً مثالياً لوضع أنظمة اعتراض الصواريخ والحد من تأثير قدرات روسيا النووية. كما لا يقتصر الدور العسكري لغرينلاند على الأرض؛ فالموقع القطبي القريب من حزام الأقمار الصناعية ذو المدار المنخفض يجعل الجزيرة مركزاً مثالياً لإنشاء محطات استقبال بيانات فضائية وأنظمة مراقبة اتصالات حيوية، مما يعزز من قيمة غرينلاند في سباق السيادة الفضائية والمراقبة الاستراتيجية.
الفرص الاقتصادية والاستراتيجية غير العسكرية
- الثروات الطبيعية وطرق الملاحة الجديدة: مع ذوبان الجليد نتيجة التغير المناخي، أصبحت غرينلاند أكثر قدرة على استغلال المعادن الأرضية النادرة، والنفط والغاز والموارد الطبيعية الأخرى، ما يجعلها هدفاً جاذباً للاستثمارات والخطط الصناعية المستقبلية. كما تفتح الطرق البحرية الجديدة عبر القطب الشمالي آفاقاً تجارية متقدمة، ما يقلل المسافات بين أوروبا وآسيا ويغيّر قواعد التجارة العالمية بطرق جذرية.
- نقطة مراقبة لتنافس القوى الكبرى: وجود القوى الكبرى في القطب الشمالي لا يقتصر على روسيا والولايات المتحدة فقط؛ فالصين أيضاً تستثمر في بنية تحتية ومشاريع طاقة في المناطق القطبية، ما يضيف بعداً جديداً للتنافس. غرينلاند، في هذا السياق، قد تصبح مركزاً للتنافس متعدد الأبعاد بين القوى العظمى.
الفرص والمخاطر لروسيا والولايات المتحدة
رغم التركيز الغربي على غرينلاند، فإن موسكو ترى في القطب الشمالي مجالاً حيوياً لتوسيع تواجدها العسكري والتجاري، خاصة في مضيق بيرينغ وشمال الأطلسي، ما يعزز من قدراتها البحرية والجوية في مواجهة حلف الناتو. فالأهمية الاستراتيجية لمراقبة تحركات الناتو من خلال نقاط مثل غرينلاند تجعل روسيا تجد في تطوير أسطولها القوي لكاسحات الجليد وغيرها من وحداتها البحرية ميزة نسبية في المنطقة.
ورغم ذلك، هناك مجموعة من المخاطر بالنسبة لروسيا؛ وهي أن زيادة الوجود العسكري والنشاط الاستخباراتي لحلف الناتو في غرينلاند يضع روسيا تحت مراقبة أدق وفي نطاق أقصر، ما يقلل من حرية المناورة الاستراتيجية الروسية. فالتنافس المتصاعد في القطب الشمالي قد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تعزيز تحالفاتهم العسكرية على حدود القطب الروسي، ما يزيد من الضغط الاستراتيجي على موسكو.
بهذا، فإن غرينلاند تُعتبر موقعاً استراتيجياً مهماً من الناحيتين العسكرية والاقتصادية؛ فهي توفر نقطة انطلاق لمراقبة المحيط الأطلسي، وتعزز القوة النووية والبحرية الروسية في المنطقة، وتضمن الوصول إلى الموارد الطبيعية الهائلة، بما في ذلك المعادن النادرة والطاقة.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فالحاجة لغرينلاند أقل من الناحية الموضوعية؛ إذ تمثل غرينلاند بالنسبة لأمريكا موقعاً إضافياً، لكنها ليست عامل قوة حاسم مقابل روسيا أو الصين. وجودها تحت النفوذ الأمريكي يحمي المصالح، ولكنه ليس مركزياً للسياسات الأمريكية في المحيط الأطلسي أو القطب الشمالي. ورغم أن احتلال موقع قوي في غرينلاند يعزز قدرات واشنطن الدفاعية والتنبؤية ضد أي تهديد نووي أو صاروخي، ويسمح للولايات المتحدة بالتحكم في بوابة الدخول الشمالي لأوروبا، ويقوّي دورها في مراقبة نشاطات الصين؛ إلا أن هناك مجموعة من المخاطر لواشنطن. فمحاولات ضم غرينلاند أو تغيير وضعها القانوني أثارت وتثير ردود فعل أوروبية قوية، مما يهدد وحدة العلاقات مع حلف شمال الأطلسي ويضع واشنطن في مواجهة دبلوماسية مع حلفائها. كما أنَّ الاعتماد على وجود طويل الأمد في غرينلاند قد يُثير انتقادات دولية حول مشروعية العمل العسكري والاقتصادي، وقد يؤثر سلباً على الميزانية العسكرية الأمريكية.
باختصار: روسيا ترى في غرينلاند فرصة لتعزيز سيادتها وحضورها الاستراتيجي، بينما الولايات المتحدة تراها مجرد أداة ضمن شبكة نفوذ أوسع، وليست هدفاً حيوياً للسياسة الوطنية.
