المسرح العربي بين جماليات المسرحيين واستبداديات الإداريين
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
تعقيباً على المقالة السابقة والتي كانت بعنوان (روح الاحتفالية بين مسارح مغلقة وملاعب رياضية مفتوحة)، يقول الأستاذ محمد محمد الغياط في سؤاله: “هل يمكن القول إن كرة القدم سرقت الاحتفالية من المسرح ففتحت الملاعب وأجلت فتح المسارح إلى إشعار آخر؟ تحياتي لمبدع المسرح الاحتفالي“.
وفي الجواب أقول ما يلي: إن الأمر لا يتعلق بالسرقة، ولكن برهانين مختلفين في كل شيء، أحدهما هو الرهان المسرحي الخاطئ، وأما الثاني فهو الرهان الرياضي الصحيح، وبأن الجمهور في الرهانين معاً يظل هو الورقة الرابحة، ويظل هو الذي يعطي لكل التظاهرات والملتقيات الثقافية معناها ومغزاها، ليس فقط في المسرح، ولكن في كل الفنون وفي كل الآداب وفي كل الصناعات الإبداعية المختلفة.
ولعل هذا هو ما توصل إليه “المايسترو بودشارت”، والذي فهم أن الجمهور لم يعد يريد أن يسمع المغني وهو يغني، وأن الأجمل هو أن يغني هذا الجمهور، وأن يعيش الحالة الطربية. وفي ملاعب كرة القدم، لا يتعلق الأمر بمباريات فيها رابح وخاسر فقط، وذلك لأن المدرجات تتحول إلى مسارح، وتتحول المباريات إلى مسرحيات.
الأصل إذن هو الطقس الاحتفالي، وهو اللحظة الحية في هذا الطقس، وبهذا فقد ربحت كرة القدم هذا الجمهور، وفي المقابل، فإن المسرح المغربي والعربي قد خسره، وبذلك فقد تحولت كثير من العروض المسرحية إلى مجرد صيحة في الخلاء وفي الخواء وفي الفراغ.
ففي الملاعب الرياضية يحضر كل شيء: الفن والرياضة والثقافة والتاريخ واللعب والأزياء والأقنعة والتمثيل والتهريج والألعاب البهلوانية، ويحس الجمهور بأنه حاضر فعلاً، وبأنه معني بجماليات اللعبة وبنتيجتها أيضاً، وأنه لا يتفرج بعينيه، ولكن بقلبه وبروحه وبوجدانه، وبهذا يصبح جزءاً أساسياً وحيوياً من أزمنة الملاعب.
وفي هذا المسرح الكروي يحضر الغناء والرقص والتمثيل والشعر والجنون والهذيان، مما يعني أن جملة “المسرح أبو الفنون” لم يعد لها معنى، وأن ملاعب كرة القدم هي التي أصبحت “أم الفنون”، لأنها راهنت على الاحتفالية، لدى اللاعبين ولدى الجمهور معاً، وذلك لأن هذه الاحتفالية هي روح كل الفنون، والتي ضيعها مسرح راهن على الفرجة البصرية على حساب الاحتفالية الحية.
بحثاً عن المسرح الحي في الزمن الاحتفالي الحي
وفي هذه البداية الثانية، أفترض في نفسي أنني لا أعرف هذا الذي نسميه المسرح، وأنني بصدق أريد أن أعرفه في مخبره الخفي، وليس في مظهره الظاهر فقط، ولهذا أجد نفسي مضطراً لأن أعيد على نفسي السؤال القديم–الجديد التالي: هذا المسرح.. ماذا يمكن أن يكون في جوهره؟
وبحسب علمي ومعرفتي واجتهادي، فهو حياة وحيوية، وهو حياة في جسد رمزي، باطنه الأفكار وعنوانه الجمال، وهو في جوهره الحقيقي احتفال واحتفالية، وهناك في الناس من يقول العكس، ولله في خلقه شؤون.
وهذا المسرح يمكن أن يكون كل شيء، وأن يكون لا شيء، وكل واحد يرى مسرحه الخاص في مرآته الخاصة، فهو بالنسبة للعقلاء حوار عقلي مفتوح، وهو بالنسبة للمعيّدين عيد، وهو بالنسبة للمأتميين مأتم وجنازة. ومن هذا الحوار العقلي، في المسرح العاقل، تهرب اليوم كثير من العقول الصغيرة، لأنها تخاف أن تهتز “حقيقتها” بالحقائق الأخرى ممكنة الوجود. ومن يرى بعين واحدة، فإنه لا يمكن أن يرى إلا حقيقة واحدة، وأما من يرى بنصف عين، فإنه لا يرى إلا نصف الحقيقة، أما النصف الآخر من هذه الحقيقة فإنه لا يمكن أن يكون إلا النصف الكاذب.
وهذا المسرح، مغربياً وعربياً، يمكن أن يلحقه كل ما يمكن أن يلحق الكائنات الحية من أمراض وأعطاب ونكسات وحالات ومقامات وأخطاء وأحلام وأوهام واختيارات صائبة أو خاطئة. وبالتأكيد، هناك اليوم خلل كبير وخطير في منظومة هذا المسرح العربي، وهذا الخلل هو مجرد مظهر صغير من مظاهر خلل كبير في بنية اجتماعية وسياسية وفكرية، كبيرة وعميقة جداً.
هذا المسرح له أعمار، وله درجات ومستويات، وله حالات يقظة وحالات نوم، وله حالات صحو وحالات سكر، وله حالات وعي وحالات غياب للوعي أو فقدان له. هذا التباين بين درجات وجود هذا المسرح، بين القوة والضعف وبين الحقيقة والزيف، هو ما يستدعي صياغة السؤال، وإعادة طرحه من جديد حول راهن هذا المسرح، والذي جعله يفقد الشيء الكثير من خصوبته وجديته وبريقه وحريته وجمهوره، ومن جاذبيته الفكرية والجمالية.
بين مسرح يبحث عن جمهوره وجمهور يبحث عن مسرحه
الأمر إذن أكبر وأخطر من أن يكون مجرد عطب عابر، ولعل هذا هو ما يجعل المفكر الاحتفالي يقول: “بأن هذا المسرح العربي ليس اليوم بخير”، لأنه بدلاً من أن يشبه نفسه، وأن يكون وفياً لفلسفته وثقافته، فإنه يشبه الأنظمة العربية الفاشلة في كل شيء، وبنيته هي نفس بنية هذه الأنظمة التي يؤثثها التحكم والاستبداد والاستعباد.
وتبقى روح المسرح غائبة ومغيبة في كثير من التجارب التي تدعي وصلاً بالمسرح، ويمكن أن تمضي الفرجة بانتهاء وقتها، ولكن يبقى الناس، وتبقى هموم وقضايا الناس، وتبقى أسئلة كل الناس، هي أصدق وأخطر ما ينقص هذا المسرح المغربي والعربي، والذي هو عيد الإنسان وعيد الإنسانية في التاريخ والجغرافيا.
وهذا المسرح لا نعيشه في المطلق، ولكن من خلال مؤسسات مسرحية، وفرق مسرحية، ومخططات مسرحية، واختيارات ومنهجيات وآداب وأخلاق مسرحية. ونحن عادة نكتفي بالمعلومات العامة ونقول “هذا هو المسرح، كل المسرح” ونمضي، وننسى التفاصيل التي يسكنها الشيطان. ونحن اليوم أمام مسرح فقير لحد البؤس، مسرح لا يعرف نفسه، ولا يعرف ضيفه الجمهور، ولا يعرف فكره وعلومه، فكيف يمكن أن يعرف لحظته التاريخية ويترجمها إلى لغة المسرح؟
وهو في تأكيده على الفرجة “الحافية”، يؤكد هذا المسرح على أنه يفتقر إلى الأهم، وهو عنصر الجدية أولاً وأخيراً، سواء في صياغة الرؤية أو في تبليغها. كما أن هذا المسرح ما زال يعاني من نقص شديد في “هرمون الفرح”، مع أن الأصل في فعل المسرح أن عنوانه الأكبر هو الجد والجدية، وهو الإقناع والإمتاع، وهو الفعل والتفاعل، والمشاركة واقتسام الفكرة الجميلة، بعيداً عن وجود فرجة بلا معنى، وعن وجود متفرج لا يهمه المعنى.
والمسرح الذي أخطأه المسرحي العربي هو بالضرورة مسرح حي، وتفاعل في اللحظة الاحتفالية الحية، وإذا كان ممكناً لهذا المسرح أن يكون صناعة، فإن هذه الصناعة لن تكون إلا صناعة البهجة والفرح، وهي صناعة الإنسان المدني أيضاً، وصناعة المستقبل والجمال والكمال، في الفكر والفن وفي العلاقات الإنسانية الجميلة والنبيلة.
وهذا المسرح يعاني اليوم من خلل في بنيته، فلا هو مسرح احترافي حقيقي، ولا هو مسرح تجاري حقيقي، ولا هو مسرح هواية واضحة، ولا هو مسرح أفكار جادة وجديدة، ولا هو مسرح مواقف مبدئية، ولا هو مسرح ضاحك بغباء، ولا هو مسرح باكٍ بذكاء. والنمطية فيه تغطي على التفرد الإبداعي، والموسمية تغطي على الحضور اليومي لهذا المسرح، وكل شيء في هذا المسرح يشبه كل شيء ولا يتميز عنه بأي شيء.
وهو مسرح في أنظمة سياسية استبدادية، وأخطر ما ينقصه هو “أكسجين الحرية”، وينقصه شيء كثير من مادة الاستقلالية، ولعل هذا هو ما يجرده من صدقه ومصداقيته، ومن حياته وحيويته، ويجعله في كثير من تجاربه يكون صدىً لا صوتاً، ويكون قناعاً بدل أن يكون وجهاً، وظلاً بدل أن يكون جسداً، وصورة مستنسخة بدل أن يكون تجربة وجودية حقيقية.
حقيقة المسرح من حقيقة مجتمعه
في مجال السياسة العربية، تصادفنا اليوم أنظمة سياسية غير ديمقراطية، وهل يمكن تأسيس فعل مسرح عربي حقيقي خارج مناخ الديمقراطية، وخارج وجود المدينة والمجتمع المدني؟ وكيف يمكن إقامة مسرح حر في مجتمعات غير حرة؟ وكيف يمكن إقامة مسرح بنزعة إنسانية ومدنية في أنظمة بوليسية وعسكرية؟ وهل جاء هذا المسرح ودخل حياة الناس إلا من أجل أن يكون برلمان الناس، وصوتهم ومرآة حياتهم اليومية الحقيقية؟
ونحن نعرف أنه في السياسة العربية اليوم قيادات ظالمة، وأنه في الفرق المسرحية قيادات مستبدة، وأنه في المهرجانات المسرحية قيادات فاشية، وأنه في الفضاء المسرحي مناخ غير صحي وغير ودي. نحن في هذا المناخ لا نحيا الحياة السليمة والسوية، ولكننا فقط نمثل، وان الذي يحضر في هذا المسرح هو التمثيل فقط، ولكن تغيب فيه وعنه المؤسسة المسرحية بكل أبعادها الفكرية والجمالية والأخلاقية والسياسية المتعددة والمتنوعة.
والمفروض في المسرح، وهو درجة الحقيقة، أن يكون هو المختبر الذي نتمرن فيه يومياً كيف نحيا أحسن، وكيف نرى العالم أحسن، وكيف تكون علاقاتنا الإنسانية أحسن، وكيف تكون مؤسساتنا الاجتماعية والسياسية والعلمية والفكرية أحسن.
وفي هذا المسرح العربي اليوم لا شيء في موقعه الحقيقي، ولا أحد من المتمسرحين في مكانه الحقيقي، ولا أحد في المسرح الوجودي والمسرح المسرحي يلعب دوره الحقيقي الذي أُعد له. وعليه، فقد أمكن أن نقول ما يلي: إن من كان من حقه أن يلعب دور الملك، نجده مجبراً على أن يلعب دور المهرج، وأن من كان مؤهلاً لدور القاضي، نجده في هذه الملهاة المأساوية يلعب دور الجلاد. لقد اختلت الأدوار والمعايير، ولم نعد نميز بين الدور الحقيقي والدور الكاذب، وبين الوجه والقناع.
ولهذا فقد كان من حقنا أن نسأل: من الذي ينطق في هذا المسرح العربي اليوم؟ أهو نحن الذين نكتب ونمثل ونفكر ونبدع؟ أم هي تلك الإدارة الصماء والبكماء والعمياء التي نشتغل عندها؟ نحن عبيد المسرح، وهي التي تخطط له وتضع حدوده، وذلك في غياب شبه تام لرجال ونساء هذا المسرح، وهي التي تدعمه في الحدود التي تخدم مقاصد الإدارة أكثر مما تخدم روح الفن وجوهر الفكر والقيم الإنسانية الجميلة والنبيلة.
وإذا كان جسد وروح هذا المسرح المغربي والعربي مريضاً، أفلا يستحق هذا المسرح أن نفكر له في العلاج؟ وأن نعالجه بالكي وبالصدمات الكهربائية وبالعمليات الجراحية لنستأصل منه أورامه الخبيثة؟
المبدعون في الفكر والفن والطغاة في السياسة
آفة المسرح العربي اليوم تتمثل أساساً في الإدارات والوزارات والمهرجانات ولجان التحكيم ولجان التخطيط السري، وفي صناعة الكلام الكثير عن المسرح بدل صناعة المسرح.
ومن أقوال “ونستون تشرشل” عن مثل هذا الوضع العبثي، يمكن أن نقرأ ما يلي:
“تصنعون من الحمقى قادة، وتسألون من أين يأتي الخراب؟“
وهذا هو حال المسرح العربي، يقوده الإداريون ولا يقوده المسرحيون. فهناك وزارات للثقافة، ومتى كانت الثقافة في حاجة إلى وزير؟ ونجد في هذه الوزارة إدارة يديرها مدير، ومتى كان الفنان الحر بحاجة إلى مدير؟
قدر المسرحي إذن هو أن يكون مبدعاً أولاً، وأن يكون صادقاً في إبداعه ثانياً، وأن يكون له موقع في الطليعة ثالثاً، وأن لا يأتمر بأمر أي أحد، وأن لا ينتظر أن تُفرض عليه وصاية من أي جهة من الجهات.
أما ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع، فإنه يقول:
“لو خيروني بين زوال الطغاة وزوال العبيد، لاخترت زوال العبيد، لأن الطغاة يصنعهم العبيد“.
ويوم يختفي العبيد في هذا المسرح العربي، ويوم يختفي المتسولون على أبواب وأعتاب الإدارات المسرحية، ويوم يختفي الذين يبيعون الخدمات المسرحية في مقابل الأجر أو في مقابل دعوة لمهرجان لا يساوي فلساً، ففي ذلك الوقت فقط سيستعيد هذا الذي نسميه المسرحي المغربي والعربي حقيقته، ويستعيد حريته وكرامته.
وفي نفس هذا المعنى، يسأل المصريون في المثل الشعبي فرعون، والذي يمكن أن يكون له أكثر من شبيه في مسرحنا: “مين فرعنك يا فرعون؟”، ليجيبهم: “ما لقيتش حد يلمني (أو يردني)“.
أما الشاعر المغربي الشعبي سيدي عبد الرحمن المجدوب، فقد قال في إحدى رباعياته ما يلي:
تْخوْضات ولا بْغات تْصفى .. ولْعب خْزها فوق ماها ريّاس من غير مرتبة .. هُما سباب خْلاها.
