مقاومة السقوط: أسمى مراتب الوفاء

مقاومة السقوط: أسمى مراتب الوفاء

عبد الرحمان الغندور

           بين تجاويف الذاكرة المنهكة وصخب الحاضر المتآكل، تمتد حكاية شعب ظل يطارد طيف الحرية، لكنه كلما مد يده ليمسك بشمسها لم يجن سوى ليالٍ طويلة تتجدد بأقنعة مختلفة. خرج الناس في زمن مضى بصدور عارية يطلبون رحيل المستعمر، فرحل الغريب ليحل محله قريب يرتدي ثوبه، أشد بأساً وفتكاً، يزرع الاستبداد والاستغلال والاستلاب في التربة التي سقيت بدماء الشهداء. فسقط الشعب وبقي الاستعمار في ثوبه الجديد، يرعاه من يتحدثون بلساننا ويعيشون بيننا. ولم تثنِ هذه الغصة الفئة التي آمنت بالديمقراطية سبيلاً للخلاص، فخرجت تنشد إسقاط رموز التبعية، فما كان من القدر إلا أن أسقط المناضلين في غياهب السجون والمنافي، بينما ظل ” السادة الجدد ” يتربعون على كراسي القرار.

كان المجتمع يتحرك في البداية ككتلة صلبة مدفوعة بوعي وطني جامع، لكن التحول الأخطر حدث عندما انكسرت هذه الكتلة وتشرذمت، فتحولت الصراعات من مواجهة ضد “الآخر” إلى انكسار أمام “الذات”. ثم جاء الربيع الذي توهمنا فيه الفجر، ليكون خديعة بصرية، فتلاحمت الأجيال؛ من عاصروا الجمر والرصاص مع شباب يحلمون بالعدالة، ورفعوا أصواتهم بإسقاط الفساد والاستبداد. غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي السجون، فاستأسد القبح تحت غطاء صناديق الاقتراع “النزيهة”، وصار القهر نظاماً، وأصبح شعار السحق جواباً لكل حالم.

يكشف المسار عن تحول بنيوي في مفهوم السلطة؛ فبدلاً من القمع الخشن لسنوات الجمر، انتقلت المنظومة إلى “القمع الناعم” عبر آليات الديمقراطية الشكلية، وهو ما يمكن وصفه بـ “صناعة الموافقة”. فقد استخدمت صناديق الاقتراع ليس للتغيير، بل لإعادة إنتاج النخب الفاسدة بمنحها شرعية شعبية، محولة الفعل السياسي من أداة تحرر إلى وسيلة استرزاق. هذا النوع من “التدجين” هو ما أسقط النخب المثقفة والأكاديمية في فخ الارتهان للمؤسسة، فتساقطت القلاع الواحدة تلو الأخرى من منتخبين ومسؤولين إلى مثقفين وأكاديميين وجمعويين وفنانين.

وصلنا إلى لحظة فارقة لم يعد فيها ما يُسقط، فكأن المعركة قد استدارت لتسقط الإنسان فينا. وهذا ما نراه اليوم في خريطتنا البشرية المحطمة؛ حيث “الساقطون” أكثر من الصامدين، ليس بفعل الرصاص هذه المرة، بل بفعل فيروس التفاهة المتحور الذي ينخر العقول والقلوب. لقد انتقلنا إلى مرحلة “فيروس التفاهة” كتحول اجتماعي أعمق، حيث لم يعد المجتمع يُقاد بالمنع، بل بـ “الإلهاء”. إن سيطرة المحتويات التافهة عبر الفضاء الرقمي ليست صدفة، بل هي حالة من “التجهيل المنظم” تهدف إلى تسطيح الوعي الجمعي. في هذه المرحلة يسقط المجتمع من تلقاء نفسه لأنه يفقد المعايير، حيث يصبح التافه نموذجاً يُحتذى، ويصبح المثقف غريباً أو منبطحاً. هذا السقوط الحر يعبر عن حالة “الأنومي” أو فقدان المعايير، حيث تنهار القيم الأخلاقية أمام بريق الإغراء السريع والشهرة الزائفة.

إننا لا نواجه قمعاً مباشراً بقدر ما نواجه آليات ناعمة من الترويض والتدجين، حولت المجتمع إلى ساحة للانبطاح والانتهازية. لقد تهاوت القلاع وصولاً إلى جيوش من رواد الفضاء الرقمي الذين يقتاتون على الرداءة والضحالة. إنه زمن السقوط الحر الذي لا يحتاج إلى يد تدفعه، بل هو انحدار تلقائي نحو القاع حيث يلد السقوط سقوطاً آخر. وفي هذا التيه الجماعي، لم يعد النضال يكمن في إسقاط الأنظمة، بل في مقاومة السقوط الشخصي؛ أن يحرص المرء على ألا يبتلعه مستنقع السفاهة، وأن يحافظ على جذوة الوعي في زمن التجهيل. لقد تحول النضال من طموح “تغيير العالم” إلى “الحفاظ على الذات من التلوث”، وهو تحول يشير إلى انحسار الفضاء العام وتحول المقاومة إلى فعل أخلاقي فردي. عندما يصبح المجتمع غارقاً في الرداءة، يصبح الامتناع عن الانخراط في “القطيع الرقمي” أو “الانتهازية السياسية” هو الشكل الأسمى للمواطنة، ومحاولة أخيرة لترميم الهوية الفردية في مواجهة الانهيار الشامل. فذاك هو أضعف الإيمان، وأقصى ما تبقى من مراتب الصمود في رحلة العمر، حيث يصبح مجرد “عدم السقوط” في مستنقع الابتذال هو أسمى آيات المقاومة وأطهر مراتب الوفاء.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحمان الغندور

كاتب وناشط سياسي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!