الذاكرة السياسية وإشكالات التدبير الإداري
مصطفى المتوكل الساحلي
إن الذاكرة السياسية الوطنية للشعب والدولة توثق الأفعال والقرارات الرسمية، كما تسجل بمقاربات ومرجعيات مختلفة مسارات الأحداث والتحولات في علاقتها بالتدافع السياسي بين الحكومة وأحزاب وقوى الموالاة من جهة، والشعب والأحزاب والمنظمات التي تتقاسم المبادئ والأهداف فيما بينها من جهة أخرى؛ لأنها نتاج لضرورات مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تتسبب فيها الحكومات التي لا تعدل لضبط سرعات التنمية، حتى يستوي ركب الشعب بتملكه الميداني لآليات التنمية المحققة لتمتعه اليومي بالعيش الكريم وتملكه لمفاتيح العلم والمعرفة.
إن من العيوب المدمرة والمعطلة لكل ما هو جميل وصالح، اعتماد سياسات رسمية لم تستطع أن تعدل بين أبناء الوطن، وبين طبقاته وبين مناطقه. إن العقلية البيروقراطية والتسلط والاستخفاف بكرامة المواطنين والمواطنات الذين لا سند لهم ينصفهم، ولا ملجأ يحميهم ويرفع عنهم المظالم والتعسفات التي تواجههم كلما تقدموا لقضاء حاجياتهم وطالبوا بحقوقهم، تترتب عليها أحياناً -بسبب طرق معالجة الوضعية- تظلمات أخرى تطال الأفراد والأسر، أو “الدواوير” أو المنطقة أو المجال.
إن مختلف تسميات الإدارات وأنواع المرافق العمومية، لا شك أن قواعد تدبيرها وتأسيسها فيها إيجابيات ينص عليها الدستور، وتضبطها القوانين والتشريعات المؤطرة والأنظمة الداخلية التي تحتاج إلى التجديد والإصلاح والتحيين بما يتلاءم والالتزام السليم مع مصالح المرتفقين والمرتفقات خاصة، والمواطنين والمواطنات بصفة عامة. لكن الإشكالات والسلبيات الناجمة عن التجاوزات والعقليات التي تتلبس بسلوكات بعض المسؤولين وبعض الموظفين وبعض المستخدمين، ينضاف إليهم الوسطاء و”الشناقة” ومنتهزو الفرص الذين يتسببون بإلحاق أضرار تمس بالشعب وبسمعة الوطن والمؤسسات في عدة مستويات: حقوقية وإنسانية وتنموية وخدماتية، تؤدي حتماً إلى هدر أزمنة الناس والمؤسسات وتؤثر سلباً على درجاتنا في مختلف مجالات التنمية البشرية عالمياً.
تخليق الحياة العامة: السياقات والواقع
فموضوع الحديث عن تخليق الحياة العامة يعايش الناس حقائق أموره بسياقات منها:
– تخليق الحياة الإدارية: وميادين تنزيلها داخل المكاتب وبالشوارع والأسواق.. إلخ.
– عقلنة العمل الحقوقي وأنسنة الخرجات الميدانية: المتعلقة -على سبيل المثال- بهدم البناء “العشوائي”، وتحرير احتلال الأملاك العامة، وعند وضع المخططات العمرانية الحضرية والقروية وما تتطلبه من تنفيذ أو تهيئة للمجالات التي تختلف في توصيفها وواقعها وإكراهاتها ومدد وتاريخ عيش الساكنة بها؛ هل هي قديمة أصيلة؟ أم مستحدثة قبل إحداث التشريعات الجديدة المنظمة للتعمير والمجالات العمرانية؟ وهل هي تدخلات آنية؟
وفي علاقة بالموضوع، يسجل ظهور “إعلامي” متباين بين موضوع التواصل الميداني ومستوى الكلام الذي ينطق به المسؤول الرئيسي للجنة أو الخلية، والذي ينشر في قنوات التواصل؛ مما قد يقلب الحالة من توصيف لموضوع الحملة إلى توجيه اتهام يستهدف فرداً أو أسرة أو جماعة، مع العلم أنه في غالب الأحيان يتم التصوير دون إعلام أو موافقة المستهدف في المعاينة أو الخرجة، مما يمس بخصوصيات مشاكل الناس والتشويش على أسرهم، حيث يقدم الأمر إخبارياً على قاعدة أن الإدارات على صواب حيث يتحولون إلى “أبطال”، في مقابل خلق انطباع سلبي عن المواطن أو المواطنة. وعين العقل هو التواصل ومعالجة المشاكل والخروقات مع المعنيين المباشرين، دون توظيف للإعلام إلا لضرورات تضبط قانونياً عمليات التدخل، خاصة وأن الإشكال قد يعرض على السلطات الأعلى للتي قامت بالتدخل أو على القضاء الذي قد يكون له رأي مغاير.
إشكالات وملاحظات ومعيقات محورية
إن المتتبعين للتغطيات التي تُبث بمواقع التواصل الاجتماعي المواكبة لتحركات السلطات وكذا المؤسسات المنتخبة، تثير تساؤلات وملاحظات لا شك أن الجهات المختصة بالمراقبة والتتبع من الإدارات المركزية تقيم ما يبلغ إلى علمها وما تراه مما ينشر ويطلع عليه الرأي العام المحلي والإقليمي والجهوي والوطني وحتى العالمي، وكذا المتتبعين لشؤون المجتمع من علماء الاجتماع إلى مكاتب دراسات السياسات العمومية والمدنية إلى القوى السياسية الديمقراطية والمنظمات الحقوقية. ومن هذه الإشكالات:
- تكريس تباين السرعات: سواء عن علم أو عدم فهم في علاقة بالأفعال والتدخلات الميدانية، ينجم عنه -في غياب معلوم لحلول وبدائل معقولة تلائم ساكنة المناطق التي يتم التدخل فيها- مشاكل تتعلق بالتهجير أو الترحيل أو التعويض، أو إقامة مساكن لا تلائم نمط عيش ساكنة العالم القروي والجبلي خاصة، التي تكون فيها المساكن جماعية للأسر الموحدة، وتضم جناح الضيوف وأماكن المواشي ومستودعات تخزين الحبوب والتبن.
- التلازم بين الإعداد القانوني والميداني: ضرورة الربط بين الإعداد القانوني والميداني للتدخل المؤدي للتغيير والهدم الجزئي أو الكلي للأحياء أو الدواوير، الذي يفترض عدم تنفيذه إلا بعد جاهزية البدائل لإعادة الإيواء أو التوطين؛ وهذا يهم أيضاً شق الطرق وبناء السدود ونزع الأملاك للمصلحة العامة، خاصة بالمدن أو المناطق الحديثة التي سيستفيد منها سكان جدد، مع ترحيل السكان الأصليين إلى مناطق قد لا تلائمهم ولا تنصفهم.
- أهمية التكوين والحكامة: ضرورة تدريس الدستور المغربي وحقوق الإنسان وعلم وآداب التواصل والحكامة بضوابطها، لمعالجة الأزمات وتصحيح الأخطاء في كل المؤسسات التي تؤطر المسيرين الترابيين والإداريين والتقنيين، لتجنب السقوط في التصادم عند تنفيذ الأوامر، مما يؤدي إلى تعطيل ترافع الأغيار عن حقوقهم الأصلية والمكتسبة.
- خطورة التنمر السياسوي: الذي حطم الأرقام القياسية منذ 2011 إلى نهاية سنة 2025، حيث طال الأفراد والأحزاب والمنظمات والطبقات الضعيفة، وأصبح منهجاً لا أخلاقياً يستهدف تضليل الناس ونشر الأضاليل عند غير المحصنين من العامة وأشباه المثقفين.
- رفض البيروقراطية والتعالي: لا جدوى من استمرار التعالي والبيروقراطية وتعدد المساطر بين القطاعات العمومية؛ فلا مصلحة تتحقق بتعثر الخدمات المطلوبة وتسببها في هشاشة التنمية، والغرق في متاهات التخلف واللاعدالة الاقتصادية والاجتماعية.
