صُورَةُ المْدينةِ الْغَرْبِيَّة في السِّينما المْغرِبيَّة
♦ رُؤْيةٌ جَماليَّةٌ في فيلم « كاتِب في باريس » لنور الدين محقق ♦
د. عبد الجبار العَلَمي
على سبيلِ التَّقديم
يقدم لنا الكاتب والسينمائي المغربي نور الدين محقق فيلماً قصيرا جدا لكنه جميل جدا أيضا عن باريس. في فيلمه هذا عن مدينة الأنوار ، بعد فيلم سابق آخر عن هذه المدينة الساحرة يحمل عنوان «نهاية أسبوع في باريس». كم كنا نحب من صاحب الفيلم ـ وهو العالم بأسرار هذه المدينة ـ أن يصور لنا الحيَّ اللاَّتيني وحيَّ سانْ جِرمان وأزقتَهما ومَقْهى « مونْبَرْناس»، لنُحْييَ ذكرى من عاشُوا هنالكَ من الأدباء العرب الكبار سواء المشارقة منهم أو المغاربة: طه حسين وتوفيق الحكيم وسُهيل إدريس وإبراهيم السُّولامي ومحمد برادة. ولا أنسى فضاء كاتدرائية نوتردام العريق في رواية فكتور هوغو « أحدب نوتردام»، وهو ما يزال خاضعا للترميم بعض الحريق الذي تعرض له في 15 أبريل 2019. تلك الأجواء لن ننساها وقد قرأناها في كتابات هؤلاء الكتاب وغيرهم. وأذكر أن الأستاذ إبراهيم السُّولامي وهو يتحدث في مقال له بعنوان « سين وجيم مع ليلى بعلبكي» في كتابه « شُعْلة الرَّماد» (ص:87) عن لقائه في مقهى « الحي اللاتيني» بالكاتبة اللبنانية المشهورة آنذاك ليلى بعلبكي صاحبة رواية ” أنا أحيا “، وهي في عنفوان شبابها وحماسها الأدبي..
1 ـ عتبة الفيلم: صورة الأفيش:
إن هذه العتبة تدخلنا إلى الجمالية التي يتسربل بها الفيلم، فالأفيش يأخذ بتلابيبك بجمال صوره وألوانه الذهبية المشرقة وأنواره التي تغمر فضاء صورة الأفيش. يظهر الكاتب في الأمام، وقد استخدمت الكاميرا في تصويره تقنية « اللقطة الكاملة» التي تشمل الجسم الإنساني كاملاً، وخلفه مباشرة سور نهر السين، وفي الخلفية يبدو برج إيفل المضيء بعيداً جداً استخدم فيها مصور الفيلم «اللقطة البعيدة جداً» التي تؤخذ من مسافة بعيدة، ويبدو البرج المتلألئ من بعيد كأنه حليةٌ ذهبيةٌ ثمينَة، تتزين بها مدينة باريس في سهرتها الليلية، وأضواؤه تنعكسُ على مياه نهر السين الهادئة، وتبدو البيوت الباريسية تحت أقدام البرج العملاق ضئيلة، لكنها تصدر منها الأنوار الساطعة التي تفصح عن وجودها، فتزيد الفضاء نوراً وضياءً. أما السور الذي يقع خلف الكاتب، فهو ذهبي اللون ولا يخلو من لمعان مثل شعرِ الفتياتِ الباريسياتِ اللواتي يملأنَ شارع الشانزلزيه ومقاهيهِ بالجمالِ والفتنة. إن مُصوِّرَ الأفيش يمزج في هذه العتبة بين عنصرين جماليين أساسيين: الأضواء والألوان. أما عنوان الفيلم، فقد اختار له المصور أو مصممُ صورة الأفيش أعلى فضاء الصورة، ومن الجدير بالملاحظة أنه مواز لقمة « تور إيفل» ربما للدلالة على مكانة الكاتب السامية في المجتمع خاصة في الغرب، وأنه ينبغي أن يحتل المكان الأسمى والمنزلة الرفيعة جزاءَ ما ينهض به من أعمال جليلة تعالج هموم الناس سواء على مستوى المحلي أو على مستوى الإنسان بشكل عام. أما اسم مؤلف الفيلم، فيقع في وسط الأفيش وقريب من صورة الكاتب، فثمة علاقة حميمة بين الكاتب وفيلمه أو بين المبدع وإبداعه. كتب عنوان الفيلم واسم صاحبه باللغة الفرنسية باللون الأحمر في أرضية سوداء تشير إلى زمن التقاط الصورة ـ الأفيش( الليل). والمعروف أن اللون الأحمر يتناغم مع اللون الأسود. إن عتبة صورة الأفيش توحي إلينا بأننا سنلج عالما مفعماً بالجمال وسحر المكان : باريس مدينة الأنوار.
2 – الكاتب وفضاءات باريس
شاهدت فيلم ” كاتب في باريس” على قناة “آداب وفنون” للكاتب والسينمائي المغربي نور الدين محقق ، حيث رصدتْ الكاميرا فيه العناصر الأساسية التالية :1- الأرضية التي تلوح لمصور الفيلم من نافذة القطار السريع وهي تمر بسرعة فائقة بجانبه / 2 – نهر السين: الكاتب وقد نزل من القطار السريع واتجه مباشرة نحو نهر السين في ضوء النهار، وعلامات البِشْر على محيَّاه، وذلك بعد أن نزل من القطار متعبا ، باحثا عن نسمة صاعدة من مويجات نهر السين تريحه من عناء السفر يملأ صدره بها ، ويريح بصره بزرقة المياه التي تحيي النفوس الظمأى إلى الراحة والحرية والجمال. والجدير بالملاحظة أن مصور الفيلم استخدم « اللقطة الكبيرة» التي ركزت على وجه الكاتب الذي بدا مشرقا بالبهجة، وعلى عينيه المتطلعتين بشوق إلى ما حوله نظارتان يغلب على ظنِّ المشاهدِ أنهما نظارتان طبيتان، يحتاجهما الكاتب في قراءاته وكتاباته، كما تركز الكاميرا على قبعته المائلة إلى السواد، تقيه في الغالب من برد باريس خاصةً في الليل. يبدو في الخلفية قريبا برج إيفل والكاتب يغذّ السير في طريقه. وهنا أيضا يعتمد المصور على «اللقطة الكبيرة»، ليبرز لنا تعبيرات وجه الكاتب المنطلق إلى هدفه، نستشف من خلالها توقَ الكاتبِ إلى التجوال في كل أنحاء باريس الحضارة والثقافة والجمال، مدينةالأنوار بحق. / 3 – مشاهد بانورامية لباريس في الليل المنير المشرق بأنواره في كل المشاهد التي اعتمدت على « اللقطات البعيدة جدا» حتى لتبدو كل مكوناتها متناهية في الصغر حتى برج إيفل السامق، يبدو كأنه لعبة أطفال أو تذكار باريسي يقتنيهِ المسافرُ إلى باريس ليُهديه إلى شخص عزيز في وطنه / 4 – العنصر الرابع المبأر في الفيلم هو البرج الشامخ الذي، وإن كان يبدو بعيدا على أساس أنه التقط لقطة بعيدة جدا ، إلا أنه ينشر نورَه الوضَّاء بعيدا (ضوء الليزر) من خلال الفنار في قمة البرج العملاق على الجهات الأربع من باريس المتلألئة كسوار من ذهب رفيع وماس ثمين ، قد وضعته صاحبته الجميلة على منضدة زينتها لتعود إليه لكي تضعه حول عنقها لتزهو به في أجمل حلة في حفل باريسي ساهر كالحفلات التي كانت تحظى بالسهر فيها ( إيما ) في رواية مدام بوفاري لغوستاف فلوبير بعد حرمان طويل .
3 – باريس بين النهار والليل
إننا يمكن أن نقسم فيلم « كاتب في باريس» للكاتب والسينمائي نور الدين محقق إلى قسمين متكاملين ومتتابعين:
ـ القسم الأول: يقع في النهار والشمس مشرقة ومياه نهر السين تظهر للرائي في وضوح، وذلك بعد وصول الكاتب في القطار السريع إلى باريس قصد التجول والتفسح والاستفادة من ثقافة هذا البلد. لذلك ركز مؤلف الفيلم في عنوانه على الكاتب. إنها رحلة كاتب إلى بلد فولتير وغوستاف فلوبير وفكتور هوغو وشارل بود لير وجان بول سارتر وأرتير رامبو..
مدينة باريس: مدينة الجامعات التي تخرج منها كبار كتابنا وأدبائنا العرب جامعات السربون، مدينة المتاحف العالمية وأشهرها متحف اللوفر.
ـ القسم الثاني: يتم تصويره في الليل، ليل باريس المشع بالأنوار، وبطله الرئيس هو برج إيفل الذي يقع في وسط السوار الممدد على طول أرضية المدينة وعرضها، كأنه عريس أسطوري يمج من فيه النور الوهاج، لكي يسربل المدينة بأضواء الحرية والجمال والمحبة والأخوة بين الشعوب والأعراق. إنه يبدو في جماله وكأنه طاووس أسطوري يتبختر بالجمال كي يغري المدينة في الوقوع في حبه.
على سبيل الختام
هكذا، وكما بدا لنا وظهر ونحن نشاهد هذا الفيلم السينمائي القصير جدا، لكن الممتع والمؤنس على حد تعبير الفيلسوف أبي حيان التوحيدي، أنه يمثل رحلة الباحث عن الحرية والمساواة والأخوة الإنسانية حيث كانت فرنسا هي المنادية بها في ثورتها المعروفة. إن العنوان، عنوان الفيلم ” كاتب في باريس” له دلالته الواضحة والمقصودة، ولم يضعه صاحب الفيلم، الكاتب والسينمائي المغربي نور الدين محقق، بشكل اعتباطي. إن سفر مؤلف الفيلم إلى باريس، ليس هو سفر أي شخص، يسافر للفسحة والتسوق في متاجر شارع الشانزيليزيه، بل هو سفر كاتب يتوق إلى متعة القلب والعقل.
