ظل إبستين في المغرب.. حين يلتقي “وحش آنفا” بثغرات السياحة والنفوذ

ظل إبستين في المغرب.. حين يلتقي “وحش آنفا” بثغرات السياحة والنفوذ

إعداد: عتيقة كنون ويحيى بدر الدين 

♦♦ هل كان المغرب مجرد محطة عابرة في حياة جيفري إبستين، أم كان بيئة لوجستية مختارة بعناية؟يكشف تقريرنا الاستقصائي عن الوجه المسكوت عنه في علاقة الملياردير الأمريكي بالمملكة. فخلف جدران الفلل الراقية في الدار البيضاء وصالونات مراكش المخملية، لم يكن إبستين يبحث عن الاستجمام فحسب، بل كان يستغل ثغرات السيادة وهشاشة الرقابة على الاستثمارات الأجنبية. في هذا التقرير، نكتشف كيف حول إبستين وشريكه الفرنسي برونيل المغرب إلى ساحة خلفية لاستدراج الضحايا تحت غطاء وكالات الموضة؟ وكيف استُغلت صورة المغرب كوجهة للسياحة المنفتحة لتوفير حصانة غير معلنة لنخب غربية عابرة للحدود؟ ما وراء ورود أسماء مغربية في أجندة جيفري إبستين؟ وهل كفت المرآة القاسية لتنبيه النخبة السياسية من مخاطر الشركاء الغامضين؟إن قضية إبستين في المغرب ليست مجرد فضيحة جنسية، بل هي صرخة لإنهاء حقبة التساهل البنيوي مع نفوذ المال الغربي الذي يرى في كرامة شعوب الجنوب مجرد سلعة للمقايضة القصة الكاملة للاختراق الذي هز الحي الراقي “آنفا” في الدار البيضاء ولم توفره رياح مراكش..

 لم تكن فضيحة الملياردير الأمريكي جيفري إبستين مجرد قضية جنائية في أروقة محاكم نيويورك، بل كانت زلزالاً كشف عن جغرافيا قتامة تمتد خيوطها إلى قلب العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية. بين فيلا حي آنفا الراقي وصالونات مراكش المخملية، تبرز قصة استغلال بشع لمكانة المغرب السياحية، حيث تقاطعت هندسة المال الغربي مع هشاشة المنظومة الرقابية، لترسم صورة صادمة عن كيفية تحول “أرض الضيافة” إلى ملاذ خلفي لواحدة من أخطر شبكات الاتجار بالبشر في العصر الحديث.

 لم يدخل إبستين المغرب بصفته مجرماً، بل بصفته مستثمراً عالمياً، مستغلاً ترسانة من الثغرات القانونية التي سمحت له ببناء جدار عازل بين هويته الحقيقية وممتلكاته:

اعتمد إبستين على تسجيل ممتلكاته في الدار البيضاء عبر شركات ذات مسؤولية محدودة (SARL) تابعة لهياكل “أوفشور” في ملاذات ضريبية. هذا النظام سمح له بإخفاء المستفيد الحقيقي والتحرك خلف واجهات قانونية محلية يديرها وكلاء ومحامون.

– أيضا استغل إبستين سياسة تشجيع الاستثمارات الأجنبية، حيث كانت تدفقاته المالية تمر تحت بند الاستثمار العقاري أو تدبير الممتلكات، مما منحه وضعية المستثمر المحمي الذي لا تخضع تحركاته لرقابة أمنية دقيقة ما دام يضخ العملة الصعبة.

المغرب في استراتيجية إبستين: نقطة جذب للسياحة الجنسية

تتقاطع فضيحة إبستين بشكل مباشر مع الفرضية المؤلمة حول انتشار السياحة الجنسية في مدن مثل مراكش وأكادير والدار البيضاء. لقد وجد إبستين وشريكه الفرنسي جان لوس برونيل في المغرب بيئة مثالية لعدة أسباب، منها استغلال الهشاشة الاجتماعية، إذ اعتمدت الشبكة على استدراج فتيات قاصرات من أوساط فقيرة طامحة للنجومية أو الثراء، تحت غطاء وكالات عروض الأزياء الوهمية التي كان يديرها برونيل. إضافة إلى تساهل مع نخبة الغرب، حيث كشفت الفضيحة عن نوع من التساهل البنيوي مع الأثرياء القادمين من الغرب. فالسلطات في سعيها للحفاظ على صورة المغرب كقبلة للمشاهير، وفرت نوعاً من الخصوصية المفرطة في الفلل والرياضات المغلقة، وهي الخصوصية التي تحولت في حالة إبستين إلى درع حصانة مكنه من ممارسة أنشطته بعيداً عن أعين الرقابة الأخلاقية.

“الدينامو” الميداني في المغرب

إذا كان إبستين يمثل العقل المدبر والتمويل، فإن برونيل كان المقاول الميداني في المغرب. استغل الأخير صلاته بعالم الموضة الفرنسي ليتغلغل في النسيج الاجتماعي المغربي، محولاً جلسات التصوير والمناسبات الاجتماعية إلى شباك لاستيدراج الضحايا. الفضيحة لم تخلق واقعاً جديداً، بل فضحت كيف يمكن للسياحة الراقية أن تتحول إلى غطاء للاتجار بالبشر، حيث يُعامل البشر كسلع لتلبية رغبات نخب عالمية عابرة للحدود.

 بين الكتاب الأسود والواقع الدستوري

أثار ورود أسماء مغربية وازنة، مثل المستشار الملكي الطيب الفاسي الفهري، في الكتاب الأسود لإبستين تساؤلات مشروعة. ومع ذلك، أثبتت التحقيقات الرسمية حتى عام 2026 أن ورد هذه الأسماء كان في سياق ما يسمى: “قاعدة بيانات الاتصالات”، التي كان إبستين يجمعها لتعزيز نفوذه الدبلوماسي. رغم غياب الأدلة الجنائية ضد المسؤولين المغاربة، إلا أن الفضيحة وضعت المثقف الملتزم والسياسي المغربي أمام مرآة قاسية حول طبيعة العلاقات مع نخب الغرب الغامضة.

صمت المؤسسات 

تميز تعامل الإعلام الرسمي المغربي بالتحفظ الشديد، تجنباً للمس بصورة البلاد أو الدخول في صراعات دبلوماسية. لكن هذا الصمت لم يمنع الصحافة الاستقصائية المستقلة، مثل: موقع لكم 2، ولو ديسك، وتيل كيل، من النبش في سجلات العقار والشركات القابضة.

غير أن الدولة المغربية أدركت ولو متأخراً خطورة هذه المناطق الرمادية، فباشرت عقب اندلاع الفضيحة بتشديد قوانين مكافحة الاتجار بالبشر وتدقيق الرقابة على ممتلكات الأجانب، في اعتراف ضمني بأن المنظومة السابقة كانت تسمح بمثل هذه الاختراقات.

تظل قضية إبستين في المغرب درساً في السيادة الأخلاقية. لقد أثبتت أن الانفتاح السياحي والترحيب بالأثرياء الغربيين لا يجب أن يكون على حساب كرامة المواطنين وحماية القاصرين. إن “فيلا تيدَّاس” التي تم تصفيتها قضائياً لتعويض الضحايا، تقف اليوم كشاهد على نهاية حقبة كان فيها المال قادراً على شراء الصمت.

المغرب اليوم، وهو يواجه إرث هذه الفضيحة، مطالب بالانتقال من سياحة المتعة التي قد تجذب وحوشاً مثل إبستين، إلى سياحة المسؤولية التي تحفظ للبلاد هيبتها ولأطفالها براءتهم، بعيداً عن استعلاء النفوذ الغربي الذي يرى في دول الجنوب مجرد ملاعب خلفية لنزواته القاتلة.

 *تنويه: تم إعداد هذا التقرير بناءً على تقاطع الوثائق القضائية المسربة والتحقيقات الصحفية الميدانية، مع استحضار روح الفصل 31 من الدستور المغربي الذي يجعل من الحماية الاجتماعية وصون الكرامة الإنسانية وحماية الناشئة حقوقاً أساسية لا تقبل المساومة.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!