مفارقة الردع: لماذا نمتلك أدوات الفناء لضمان البقاء؟
الدكتور عبد الواحد غيات
خلاصة
هل يمكن لأشد أدوات الدمار أن تكون ضمانة للسلام؟ وكيف تتحول آلة الحرب من وسيلة للفناء إلى أداة للردع، غايتها منع الصراع لا خوضه؟ هذه المفارقة تقف في قلب العلاقة المعقدة بين القوة العسكرية والأمن في النظام الدولي المعاصر، حيث لم تعد الحرب مجرد صدام إرادات، بل أصبحت لعبة استراتيجية دقيقة تحكمها السياسة، وتوازنات القوى، وحسابات الكلفة والجدوى. وفي ظل العصر النووي، باتت القوة تُقاس بقدرتها على منع استخدام العنف أكثر من قدرتها على توسيعه، وهو ما يجعل الردع أحد المفاهيم المؤسسة لفهم الأمن الدولي منذ الحرب الباردة حتى اليوم.
كلمات مفتاحية: الردع، الردع النووي، الردع غير المتماثل، معضلة الأمن، حروب الظل، السيادة، القوة الشاملة.
القوة العسكرية: أداة غير مستقرة
لطالما لعبت القوة العسكرية دورًا حاسمًا في رسم خرائط العالم وصناعة التحولات الكبرى، لكنها في الوقت نفسه كانت مصدرًا لكوارث إنسانية وسياسية واقتصادية هائلة. ومع ذلك، لا يجوز الخلط بين القوة العسكرية والحرب؛ فإحدى الوظائف الأساسية للقوة ليست إشعال الحرب، بل منعها. وغالبًا ما يعكس اندلاع الحرب فشل الردع أو عجز السياسة عن احتواء الصراع.
تظل القوة العسكرية، بوصفها أداة في يد الدولة، خاضعة للسلطة السياسية. وفي هذا المعنى، فإن الحرب ليست “منطقًا ذاتيًا” للقوة، بل قرار سياسي مشروط. وهو ما ينسجم مع المقولة الكلاسيكية لكلاوزفيتز التي ترى الحرب امتدادًا للسياسة بوسائل أخرى، وإن كان العصر النووي قد دفع هذه الصيغة إلى حدودها القصوى.
مفارقة الحرب في العصر النووي: من الانتصار إلى “توازن الرعب”
في العصر النووي، لم تعد الحرب وسيلة مضمونة لتحقيق الانتصار، بل غدت تهديدًا بالانتحار الجماعي. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: تضطر الدول إلى امتلاك أقصى أدوات الفناء، وبتكلفة عالية جدًا، فقط كي لا تُستخدم أبدًا. فالردع النووي يقوم على منطق التهديد لا التنفيذ، وعلى افتراض أن الاستخدام الفعلي للسلاح هو فشل استراتيجي شامل للدبلوماسية.
هذا المنطق عبّر عنه توماس شيلنغ بوصفه “فن الإكراه” عبر التهديد المصدَّق، حيث تصبح القيمة الاستراتيجية للقوة كامنة في القدرة على الإقناع بأنها ستُستخدم عند الضرورة، لا في استخدامها فعليًا. ومن هنا نشأ ما يُعرف بـ«توازن الرعب»، حيث يستند الاستقرار النسبي إلى قابلية التدمير المتبادل، لا إلى التفوق المطلق.
لهذا، فإن القوة العسكرية لا تُختزل في إطلاق النار، بل في القدرة على منع إطلاقه. وبهذا المعنى، تصبح القوة العسكرية، في أحد أوجهها، نقيض الحرب لا مرادفًا لها.
الدولة واحتكار العنف: تآكل السيادة وتحوّل الحرب
ترتبط القوة المسلحة تاريخيًا بوجود الدولة، باعتبارها الكيان الذي يحتكر العنف المشروع وفق صياغة ماكس فيبير الكلاسيكية. غير أن هذا الاحتكار بدأ يتآكل مع صعود الفاعلين غير الحكوميين، من ميليشيات وتنظيمات مسلحة، وصولًا إلى الشركات العسكرية والأمنية الخاصة.
هذا التحول لا يعكس مجرد تطور تقني، بل يمثل تحديًا بنيويًا لمنطق السيادة. كما يفتح المجال أمام “حروب رمادية” تقع في المنطقة الضبابية بين السلم والحرب، حيث تتراجع قواعد القانون الإنساني وتختلط المسؤوليات السياسية والقانونية. وفي هذا السياق، لم تعد القوة تُمارس فقط عبر الجيوش النظامية، بل عبر شبكات غير رسمية وأدوات هجينة تجمع بين العسكري، والاستخباراتي، والاقتصادي، والإعلامي.
المؤسسات الدولية وحدود القوة: الأمن الجماعي دون احتكار العنف
تُظهر تجربة المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، محدودية امتلاك قوة عسكرية مستقلة. فرغم خطاب الأمن الجماعي، تبقى القوة المسلحة في جوهرها وطنية، تخضع لحسابات الدول الأعضاء ومصالحها السيادية.
حتى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ورغم قيادته العسكرية المشتركة، يعمل بمنطق التحالف لا بمنطق الدولة؛ إذ تظل المشاركة في العمليات مرهونة بالإرادة الوطنية لكل عضو. وهذا يكشف حدود “المؤسسات” عندما تتعارض مع حسابات القوة الصلبة، ويؤكد أن النظام الدولي ما يزال، في جوهره، أقرب إلى منطق الواقعية السياسية منه إلى نموذج الحوكمة العالمية.
الولايات المتحدة: تفوق بلا حسم
تمثل الولايات المتحدة النموذج الأبرز للتفوق العسكري العالمي من حيث الميزانيات والانتشار والتكنولوجيا. بيد أن هذا التفوق، حين يُختبر ميدانيًا، لا يضمن بالضرورة الحسم أو الاستقرار.
فتجارب فيتنام، وأفغانستان، والعراق، أظهرت أن القوة العسكرية الساحقة قد تنجح في إسقاط أنظمة، لكنها تعجز عن بناء سلام مستدام أو فرض شرعية سياسية قابلة للحياة. وهو ما يعيد التذكير بالفارق بين “النصر العسكري والنصر السياسي”، وبأن القوة لا تتحول إلى نتائج إلا إذا اندمجت في استراتيجية سياسية متماسكة.
في المقابل، نجحت واشنطن في ترسيخ هيمنتها العالمية أساسًا عبر أدوات غير عسكرية: الاقتصاد، والدولار، والابتكار التكنولوجي، والقوة الثقافية. وهو ما ينسجم مع مفهوم “القوة الناعمة والقوة الذكية” كما صاغه جوزيف ناي، حيث تُقاس القوة بقدر الجذب كما تُقاس بقدر الردع.
ويبرز هذا المأزق بوضوح أكبر في أحد أكثر الملفات الدولية اشتعالًا اليوم، وهو التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران.
إيران والولايات المتحدة: الردع غير المتماثل وإدارة التصعيد
تُعدّ المواجهة غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة أحد أكثر الأمثلة تعبيرًا عن منطق الردع في النظام الدولي المعاصر. فعلى الرغم من التفوق العسكري الأمريكي الكاسح، تتجنب واشنطن منذ سنوات الانزلاق إلى حرب مباشرة مع طهران، ليس بسبب غياب القدرة، بل إدراكًا لكلفة الصدام وصعوبة ضبط نتائجه سياسيًا.
وفي المقابل، ورغم الفجوة الهائلة في موازين القوة التقليدية، نجحت إيران في بناء معادلة ردع غير متماثلة، تقوم على مزيج من القدرات الصاروخية، وحافة البرنامج النووي، وشبكة حلفاء إقليميين، ما يجعل أي مواجهة شاملة محفوفة بتداعيات إقليمية ودولية واسعة.
يتجلى هذا التوازن الهش فيما يُعرف بـ«حرب الظل»، حيث تتبادل الضربات المحدودة والعمليات غير المعلنة والرسائل العسكرية المحسوبة بدقة دون تجاوز العتبة التي قد تُفضي إلى حرب مفتوحة. هنا، لا تُستخدم القوة العسكرية للحسم، بل لإدارة التوتر وضبطه، في نموذج يعكس تحوّل وظيفة القوة من أداة للانتصار إلى وسيلة لمنع الانفجار.
وتكشف هذه الحالة أن الردع في القرن الحادي والعشرين لم يعد قائمًا فقط على امتلاك السلاح، بل على إدارة الغموض، والتحكم في إيقاع التصعيد، وترك منافذ مفتوحة للدبلوماسية حتى في ذروة المواجهة. فامتلاك القدرة على التدمير لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق نصر سياسي، بل قد يتحول إلى قيد استراتيجي يفرض على الأطراف ضبط استخدام القوة بدل إطلاقها.
القوة العسكرية كعبء: من معضلة الأمن إلى “فخ القوة”
لا تقتصر كلفة القوة العسكرية في النظام الدولي المعاصر على الأرقام الضخمة التي تظهر في ميزانيات الدفاع، رغم أن هذا الجانب وحده كافٍ لإثارة التساؤل حول جدوى سباقات تسلح مفتوحة لا تضمن حسمًا سياسيًا. فالدول لا تدفع ثمن السلاح عند شرائه فقط، بل تتحمل كلفة دائمة لتحديثه وصيانته وتشغيله، وتدريب الموارد البشرية اللازمة لإدارته، فضلًا عن كلفة البحث والتطوير التي أصبحت شرطًا للبقاء في بيئة أمنية تتغير بسرعة غير مسبوقة.
غير أن الكلفة الأعمق للقوة ليست اقتصادية فحسب، بل استراتيجية وسياسية أيضًا. فامتلاك القوة لا يعني امتلاك الأمن بصورة تلقائية، بل قد يقود إلى ما تُسميه الأدبيات “معضلة الأمن” كما صاغها روبرت جيرفيس، حيث تتحول إجراءات الدفاع إلى رسائل تهديد في نظر الخصم، فتدفعه إلى تعزيز ترسانته بدوره، لتبدأ حلقة تصاعدية من الشك والردع المتبادل.
وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا في العصر النووي، حيث لا تقوم المعادلة على استخدام السلاح بقدر ما تقوم على التهديد به. فالردع النووي لكي يكون فعالًا يحتاج إلى جاهزية دائمة، وقدرة واضحة على الرد، وغموض محسوب في نوايا الاستخدام، وهو ما يجعل امتلاك السلاح النووي أو الاقتراب منه عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا وأمنيًا مستمرًا. كما يفرض منطق الردع الاستثمار في أنظمة قيادة وتحكم وإنذار مبكر، وفي منظومات حماية من الضربة الأولى، وكلها بنى مكلفة ومعقدة قد يؤدي أي خلل فيها إلى كارثة لا تُقاس بحسابات النصر والهزيمة التقليدية.
والأخطر من ذلك أن القوة العسكرية، حين تتحول إلى ركيزة صلبة في العقيدة الأمنية للدولة، قد تصبح قيدًا على القرار السياسي بدل أن تكون أداة في خدمته. فامتلاك قوة هائلة لا يعني بالضرورة القدرة على توظيفها سياسيًا، بل قد يخلق ما يمكن تسميته بـ“فخ القوة”، حيث تتراجع مساحة المناورة الدبلوماسية تحت ضغط الخطاب الردعي، وتصبح القيادة السياسية أسيرة توازنات داخلية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية والصناعات الدفاعية.
كما لا يمكن تجاهل الكلفة الإنسانية غير المباشرة للقوة العسكرية، ليس فقط حين تُستخدم، بل حتى حين لا تُستخدم. فسباقات التسلح تستهلك موارد كان يمكن توجيهها للتنمية والتعليم والصحة والبنية التحتية، وتعيد ترتيب أولويات الدولة على حساب رفاه المجتمع. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرة السلاح على الردع، بل بمدى قدرة الدولة على تحمّل منطق الردع نفسه، بما يفرضه من استنزاف طويل الأمد وتوتر دائم واحتمالات خطأ أو سوء تقدير قد تقود إلى تصعيد غير مقصود.
خاتمة: السياسة أولًا
تُظهر مفارقة الردع أن امتلاك أدوات الفناء لم يعد في النظام الدولي المعاصر تعبيرًا عن نزعة هجومية بقدر ما أصبح محاولة لمنع الحرب عبر رفع كلفتها إلى حدّ يجعلها غير قابلة للعقلنة. فالقوة العسكرية تبلغ ذروة فعاليتها حين تتحول من أداة للحسم إلى أداة للمنع، ومن وسيلة لتوسيع النفوذ إلى آلية لضبط السلوك الاستراتيجي للخصوم.
غير أن الردع، مهما بدا عقلانيًا، لا يلغي المخاطر، بل يعيد توزيعها: من ساحات القتال إلى ساحات الاقتصاد، والقرار السياسي، وإدارة التصعيد، واحتمالات الخطأ وسوء التقدير. كما أن تضخم الترسانات قد يتحول من ضمانة أمن إلى قيد استراتيجي يحدّ من خيارات الدولة، ويجعلها أسيرة سباقات تسلح ومنظومات مصالح داخلية لا تتوقف تلقائيًا.
لهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام الدول لا يكمن في امتلاك القوة من عدمه، بل في القدرة على ضبطها ضمن رؤية سياسية عقلانية، تُخضع السلاح للسلطة المدنية، وتربطه بأفق دبلوماسي واضح، وتمنع انزلاق الردع إلى استعراض أو مغامرة. ففي عصر نووي شديد الهشاشة، لا تكون الحرب استمرارًا للسياسة كما في الصيغ الكلاسيكية، بل تصبح في كثير من الحالات نفيًا لها وإعلانًا عن فشلها.
السياسة أولًا… تلك هي القاعدة الذهبية الوحيدة التي تمنح القوة شرعيتها، وتمنعها من التحول من وسيلة للبقاء إلى سبب للفناء.
