طرابلس بين نزيف المآسي وتعطيل الفرص.. هل من يسمع؟!

طرابلس بين نزيف المآسي وتعطيل الفرص.. هل من يسمع؟!

سمير سكاف

       على ضوء مأساة طرابلس الأخيرة، يجب الإضاءة على أبرز مآسي “مدينة الفيحاء” وعلى معاناة أهلها التي لا تتوقف! فهل ما أقوم به هنا هو تشخيص جديد لطرح العلاج… من جديد؟! في الواقع، وللأسف؛ لا جديد تحت الشمس!

في إحدى المناسبات البيئية في طرابلس، وضعتُ شخصياً شعار “طرابلس مدينة السلام”؛ لأنني كنت وما أزال أؤمن أن طرابلس “أم الفقير” تملك مقومات جدية كي تكون مدينة للسلام، وأن تكون إحدى أهم مدن المتوسط، وقد طرحتُ خططاً عديدة لذلك.

5 مليار دولار في السنة!

تستطيع طرابلس بتقديري أن تحقق أرباحاً تصل إلى 5 مليار دولار سنوياً على الأقل إذا ما استثمرت كل إمكانياتها، وخاصةً بتحويلها إلى مدينة سياحية يقصدها 5 ملايين سائح سنوياً، وذلك بالمقارنة مع مدينة “نيس” الفرنسية المتوسطية!

ليس في الأمر مغالاة، ولا أحلام ولا أوهام! بل هي نظرة واقعية لإمكانيات طرابلس غير المستثمرة بعد؛ فما يجري في طرابلس منذ عقود هو إهمال وفساد وسوء إدارة وتقاسم نفوذ ولعبة “الكراسي الموسيقية السياسية”، وحلم الزعامة واستغلال الشعب وتعطيل للعلوم ومحاولة من البعض لإلحاقها بالخارج!

أنارت طرابلس ثورة 17 تشرين وكانت عروساً لها، وحاول أهلها الانتفاض على الواقع ونجحوا إلى حد بعيد ساهم في تغيير قيادة البلاد، على الرغم من أن الظروف المختلفة عطلت المسار التغييري المحلي بمعزل عن الوطني.

في هذا المقال، سأفند فقط أبرز المآسي التي عاشتها وما تزال تعيشها عاصمة الشمال وثاني مدن لبنان، على الرغم من أن طرابلس غنية جداً بمواقعها ومنشآتها وتاريخها وبحرها… إلا أنها مرت بعشرية قاسية جداً تداخلت فيها السياسة بالأمن وبالوضع الاقتصادي.

أكبر 10 مآسي هزت المدينة في السنوات العشر الأخيرة (2016 – 2026):

1- جولات العنف والتوترات الأمنية (2014 – 2015): على الرغم من أنها بدأت قبل عشر سنوات تماماً، إلا أن آثارها امتدت طويلاً. وكانت نهاية جولات الاقتتال بين جبل محسن وباب التبانة نقطة تحول خلّفت آلاف الجرحى والمعوقين، ووصمت أحياء كاملة بالدمار الذي لم يُرمم بالكامل حتى اليوم.

2- “مركب الموت” (نيسان 2022): تعتبر هذه الفاجعة الأكثر إيلاماً في الذاكرة الحديثة؛ حيث غرق مركب يطالب ركابه بالهجرة غير الشرعية قبالة ساحل طرابلس بعد مطاردة من خفر السواحل. أدت الحادثة إلى وفاة وفقدان العشرات من العائلات (أطفال ونساء)، ولا تزال جراحها مفتوحة بسبب عدم انتشال كل الجثامين من قاع البحر. إن عدم انتشال الجثامين حتى اليوم هو مؤشر “قوي” جداً لـ “ضعف” الدولة التي تتخلى عن أولادها! فانتشالهم يجب أن يكون أولوية تؤكد فيها الدولة أنها لا تتخلى أبداً عن أبنائها.

3- قوارب الهجرة المتتالية (2020 – 2024): لم تكن حادثة واحدة بل “نزيفاً مستمراً”؛ فقد تحولت طرابلس إلى نقطة انطلاق رئيسية لقوارب الهجرة غير الشرعية، وفقدت المدينة المئات من شبابها في عرض البحر، وأصبحت قصص “المفقودين” خبراً شبه أسبوعي يمزق النسيج الاجتماعي للمدينة.

4- انهيار المباني السكنية (مبنى ضهر المغر نموذجاً): شهدت طرابلس، بسبب غياب الصيانة والفقر، حوادث انهيار مبانٍ قديمة على رؤوس ساكنيها، مثل فاجعة منطقة “ضهر المغر” التي راح ضحيتها أطفال. سلطت هذه الحوادث الضوء على واقع سكني متهالك يهدد حياة الآلاف، ولكن ما تزال الخطوات في هذا المجال خجولة جداً!

5- الانهيار المعيشي وسقوط “الطبقة الوسطى” (مستمر): طرابلس التي كانت تعاني أصلاً من الفقر، سحقها الانهيار الاقتصادي اللبناني، فتحولت أحياء كاملة إلى مناطق تعيش تحت خط الفقر المدقع، واختفت مظاهر الحياة التجارية في أسواقها التاريخية، مما أدى إلى زيادة حالات الانتحار والسرقة الناتجة عن الجوع. ولن أتوسع بالحديث هنا اليوم عن أغنياء المدينة وشح الاستثمار فيها!

6-أزمة النفايات وتلوث البيئة: عانت طرابلس من كارثة بيئية متمثلة في “جبل النفايات” المحاذي للبحر، والذي كان يهدد بالانهيار أو الانفجار في أي لحظة، بالإضافة إلى تلوث مياه الشرب وانتشار الأمراض في المناطق الأكثر فقراً. وقد وضعتُ شخصياً مع عدد من الأصدقاء خططاً خاصة بالمدينة، ولكن لا تعاون جدي، لا من وزارة البيئة ولا من سياسيي المدينة ولا من بلديتها!

7- محطة الصرف الصحي “القاصرة”: عملتُ كثيراً مع العديد من الأصدقاء لتشغيل فاعل وفعّال لمحطة الصرف الصحي… ولكن دون جدوى!

8- التهميش السياسي والإنماء المعطل: تعتبر “المأساة الصامتة” هي تعطيل المرافق الحيوية (مرفأ طرابلس، المنطقة الاقتصادية، مصفاة النفط، والمعرض). هذا التعطيل المتعمد حرم المدينة من آلاف فرص العمل وجعلها “خزان بؤٍس” بدلاً من أن تكون محركاً اقتصادياً.

9- “إحراق البلدية” (كانون الثاني 2021): خلال فترة الإغلاق العام بسبب كورونا والانهيار الاقتصادي، جرى إحراق مبنى بلدية طرابلس التاريخي. كانت هذه الحادثة مأساةً ثقافية واجتماعية تعكس حجم اليأس والغضب الشعبي من التهميش.

10- مآسي من خارج الأسوار:

  • تداعيات انفجار مرفأ بيروت (آب 2020): على الرغم من بعد المسافة، إلا أن طرابلس تأثرت بشدة؛ فقد فقدت المدينة عدداً من أبنائها الذين يعملون في بيروت، والأهم أنها شعرت باليتم الاقتصادي وفقدان الأمل، مما سرّع وتيرة الهجرة.
  • انفجار خزان التليل في عكار (آب 2021): رغم وقوعه في عكار المجاورة، إلا أن ثقله الأكبر وقع على طرابلس؛ فمعظم الضحايا والجرحى كانوا من أبناء طرابلس والشمال الذين هرعوا للحصول على القليل من البنزين.

أكبر 12 مؤسسة ومنشأة مهملة أو معطلة في طرابلس:

هل طرابلس هي حقاً “مدينة الفرص الضائعة”؟ ليس لنقصٍ في مواردها، بل لتعطيل مؤسسات كبرى لو وُضعت في الخدمة لغيّرت وجه الاقتصاد اللبناني بالكامل!

  1. معرض رشيد كرامي الدولي: قنبلة الحداثة الصامتة (تصميم أوسكار نيماير). رغم إدراجه على لائحة التراث العالمي، إلا أن منشآته مهملة ومعرضة للتصدع وغير مستغلة اقتصادياً (70 هكتاراً).
  2. 2. مصفاة نفط طرابلس (IPC): منشأة استراتيجية متوقفة عن التكرير منذ عقود، تحولت إلى مجرد خزانات للتخزين، مما أفقد المدينة آلاف فرص العمل.
  3. 3. المنطقة الاقتصادية الخاصة: مشروع وُلد ليكون “المنقذ”، لكنه بقي مجرد “أرض مسوّرة” بلا معامل أو شركات بانتظار التشريعات والبنية التحتية.
  4. 4. مرفأ طرابلس: يعمل بـ “تعطيل جزئي”؛ يفتقر لربط سكك الحديد ويواجه تعقيدات تمنعه من منافسة موانئ المنطقة، رغم قدرته على أن يكون بوابة إعادة إعمار سوريا.
  5. 5. محطة قطار طرابلس (الميناء): محطة تاريخية تحولت قاطراتها إلى خردة صدئة. عودتها ستكون مؤشراً لقيامة اقتصادية حقيقية.
  6. 6. مطار القليعات (مطار رينيه معوض): يحتاج فقط لقرار سياسي لتشغيله كمدخل مدني وتجاري ثانٍ للبنان.
  7. 7. الفنادق الكبرى (فندق الكواليتي إن نموذجاً): رمز لتراجع القطاع السياحي. الهدف يجب أن يكون 200 فندق بقدرة 12,000 غرفة تعمل على مدار العام.
  8. 8. المسلخ البلدي الحديث: رُصدت له مبالغ طائلة لكنه واجه مشاكل في التشغيل وبقي معطلاً أو يعمل بحدود دنيا.
  9. 9. الأسواق التاريخية والخانات: كنوز معمارية تفتقر إلى خطة سياحية تشغيلية تجعلها مراكز جذب عالمية.
  10. 10. المباني الأثرية والمدرسية (القلعة وقصر نوفل): لا تعيش القلعة المجد الذي تستحقه، وتعاني القصور العثمانية من تصدعات خطيرة تهدد هوية المدينة.
  11. 11. معمل معالجة النفايات الصلبة.
  12. 12. محطة الصرف الصحي (والتوصيلات غير المكتملة).

خاتمة: ليست مشكلة طرابلس في “بناء” الجديد، بل في “إحياء” الموجود! هذه المنشآت قادرة لوحدها على القضاء على شبح الفقر. إن أساس تحويل طرابلس إلى مدينة سياحية هو بناء “هوية معمارية” وتحويل الواجهة البحرية إلى وجهة سياحية كبرى دون التعدي على الشاطئ.

من الضروري وقف المآسي وإخلاء ومعالجة المباني المهددة بالسقوط لتفادي كوارث إنسانية جديدة. ومن له أذنان، فليسمع!

شارك هذا الموضوع

سمير سكاف

كاتب وخبير في الشؤون الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!