النقيب عبد الرحيم الجامعي: رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة حول انتفاضة المحامين
عبد الرحيم الجامعي
إلى السيد عزيز أخنوش رئيس الحكومة في المنفى،
صدق من قال، فاقد الشيء لا يعطيه…
الرباط: 09 فبراير 2026
مَا يقربُ من العشرين ألف محامية ومحامٍ أُجْبِروا على التوقف عن ممارسة مهامهم بالمحاكم منذ أسابيع، و88 محكمة من الدرجة الأولى، و33 محكمة من الدرجة الثانية، والمحكمة العليا وهي محكمة النقض، دون الحديث عن 83 مركزاً من مراكز قاضٍ مقيم، هي المؤسسات التي نسيها رئيس الحكومة عمداً وتركها لمصيرها، وتسبب في توقفها بفضل صمته وسلبيته وهروبه للوراء، وبفعل ضعف قدراته عن ممارسة دوره وفقاً لما تمليه عليه المسؤوليات السياسية والدستورية بما في ذلك العمل على خلق أجواء حوار مثمر وجدي بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين، هذه هي صورة الرجل الذي يقود السياسات العمومية بالمغرب وأمام دول العالم…
تحرك المحامون وهيئاتهم منذ بداية السنة، وتحرك محامو العالم معهم دعماً للمحاماة بالمغرب، واشتد غضبهم من قانون يجسد انتهاكاً لاستقلالها وحصانتها ومكانتها في مؤسسة العدالة، حيث ارتفعت حركة التضامن مع الهيئات المغربية من قبل هيئات دولية كالاتحاد الدولي للمحامين، واتحاد المحامين العرب، والمجلس الوطني للمحامين بفرنسـا، واتحاد المحامين الأفارقة…
ورغم ذلك ظل الصمت هو ملاذ رئيس الحكومة السيد أخنوش، وكأنه رئيس حكومة في المنفى لا يستطيع معالجة الأزمات، ولأنه هو رئيس الحكومة التي قدمت مشروع القانون فيبقى هو مصدر الأزمة والسبب في استمرارها.
وتراكمت عشرات الآلاف من الملفات التي تُدرجُ يومياً أمام كل المحاكم بالمغرب؛ آلاف القضاة والقاضيات، آلاف موظفي كتابة الضبط، كل الطاقات البشرية تتحرك كل يوم نحو الجلسات ونحو مكاتب المحاكم، وكلهم يدبرون جلسات دون مردود، جلسات تؤجَل فيها الملفات مرة تلو الأخرى، والجميع ينتظر رئيس الحكومة والذي لا يعرفونه إلا بالاسم طبعاً، والجميع مندهش من موقف رئيس الحكومة، والجميع ساخط من سياسة رئيس الحكومة المعتزل بمكاتبه، السعيد بمنصبه بالمشور، متستراً وغير مبالٍ… ومن هنا يتأكد أن الرئيس لا علاقة له بحالة المجتمع، بعيد عن فهمها فبالأحرى حل ألغازها، وقد صدق من قال: فاقد الشيء لا يعطيه….
رؤساء الحكومات في الدول الديمقراطية يتحركون في كل الاتجاهات، ويتحدثون صباح مساء مع وسائل الإعلام ومع المواطنين، غير أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش قرر متابعة انتفاضة هيئة الدفاع من وراء الستار متخفياً عن الأنظار، من غير أن يفكر ويعلن عن أية مبادرة سياسية لوقف انهيار قطاع استراتيجي بالمغرب، وهذا موقف ليس بغريب عليه، لأنه في الحقيقة موقف لا يصدر إلا ممن لا يعرف قيمة المحاماة، ولا علاقة له بعالم القانون، ولا يعرف ما هي مؤسسة الدفاع ولا يعرف ما هي هيئات المحامين بالمغرب، ولا يعرف ماذا تمثله وكيف التعامل معها، ولا يعرف محاكم المغرب، ولا يعرف مسار التقاضي، ولا يعرف معنى أن يكون مُتهماً أو معتقلاً أو متابعاً، ولا يعرف المثول أمام المحكمة والجلوس بقاعة الجلسات أو بقفص الاتهام أو داخل القفص الحديدي…. والسبب في هذا الجهل المركب تعرفونه، كما يعرفه الكثيرون من أصحاب المال والمكانة والامتيازات، فهؤلاء مثل رئيس الحكومة، تُقضَى لهم مآربهم بقدرة قادر وبسرعة البراق، أو عبر الهواتف والإشارات، وهم في بيوتهم وعلى أفرشتهم ممددين يشربون الشاي الحلال وأشياء أخرى…. وهذا يجعلهم في غير حاجة لا لقانون المغرب ولا لقضاء المغرب، وفي غنى عن خدمات هيئة للمحامين بالمغرب، فحقوقهم أكثر من مصونة وحصانتهم مضمونة، ولا خوف عليهم ولا هم يُظلمون…
أمام خلافات حادة بين وزارة العدل وهيئات المحامين بالمغرب، اختار رئيس الحكومة السيد أخنوش اللجوء السياسي لمقر حزبه ليرتب الانتخابات قبل أن يعقد مؤتمره الاستثنائي ليرتب تنحيته السياسية، اهتم ببيته السياسي وترك المغرب غير مبالٍ أمام أكبر حركة احتجاجية تاريخية لهيئات المحامين بداية من يناير وإلى اليوم، تركها وهي في درجة عالية من الاحتكاك، واختار الرئيس عزيز أخنوش الصمت، واختار الهروب السياسي والإعلامي والتراجع للخلف، حيث لم يتحدث ولم يقدم للرأي العام أية إفادات ولا أجوبة ولا مقترحات ولا حلولاً، ولم يؤسس لا حلقة للتفكير ولا خلية أزمة للتعجيل بنزع الفتيل تقديراً لتداعيات التوقفات على عمل المحاكم وعلى حقوق المواطنين، ولم يتصرف كما يفعل الساسة ومنهم رؤساء الحكومات الذين يشعرون بقيمة المواطنين وبقيمة الرأي العام وبقيمة المساءلة السياسية، فاختار رئيس الحكومة عندنا بدلاً من كل ذلك، اختار أن يتجاهل الصراع ويترك تداعياته تتسع وهو في سعادة تامة مع صحبه، بعيداً عن أداء واجباته، ولعب أدواره في التفاوض والوساطة وإبداع الحلول وإرساء الثقة، بدءاً من وقف مشروع قانون للمحاماة والذي إن استمر في الدفاع عنه فإنه سيجر عدداً من أصدقاء المغرب عبر العالم ومن غيرهم، لإعادة قراءة علاقاتهم مع المغرب في مجالات التعاون السياسي والاقتصادي..
إن كان رئيس للحكومة يريد فعلاً إعادة بناء مهنة المحاماة متينة قوية وحديثة كما يقال، فلا يمكنه المغامرة مع حكومته في هذا التحدي من دون الجلوس والتشاور والاستماع لممثلي المحامين، لأن للمحاماة سواعد مهنية عليه الاشتغال معها وإلى جانبها، وللمحاماة أسس ومرجعيات لا يمكن له إغفالها أو تجاوزها، وبالتالي يبقى المشروع الذي صنعته حكومته في غياب هذه المنهجية، وبالشكل الذي أتى به تحت ولايته وموافقته أمر لا يستقيم، وبالتالي فإنه يمكن القول وبكل تأكيد، أن صناعة مشروع القانون موضوع الخلاف، لم يكن صدفة أو دون خلفيات وأهداف سياسية مدروسة، ولم يكن بريئاً من الألغام الموقوتة والقاتلة، ففضلاً عن كونه مشروعاً أحادي المصدر في صيغته النهائية، فإنه وثيقة تنقلب على مكتسبات مهنية رسختها توافقات سياسية تاريخية بين هيئات المحامين والحكومات المتعاقبة كحد مقبول للحفاظ على وجه ومكانة مهنة المحاماة.
وبدا أن الهدف الأول من المشروع كان هو جَــرّ مهنة المحاماة لبيت الطاعة وإلحاقها بالسلطة التنفيذية بوزارة العدل، والهدف الثاني هو إفراغها من الروح وهو استقلالها لتتصرف الوزارة في سلطة مجالس هيئاتها وجداولها والتقرير في من يرغب الالتحاق بصفوفها، والهدف الثالث هو الاستيلاء على سلطة تسجيل المحامين الأجانب والتي لا يملكها سوى النقباء ومجالسهم، والهدف الرابع هو فرض سلطة الصمت على المحامين بتَقيِــيد حريتهم في الممارسة وفي الترافع وفي الدفاع بما يليق بدور المحامي ومكانته في العملية القضائية بعيداً عن الضغط بالتأديب وبالتوقيف بمبررات ملتوية، والهدف الخامس هو فك الانسجام ما بين استقلال وحصانة وتكوين القضاة واستقلال وحصانة وتكوين المحامي، ووضع معهد تكوين القضاة في مستوى ومعهد تكوين المحامي في أسفل مستوى،…. هذه نماذج من مشروع السيد أخنوش لإصلاح المحاماة، وهو مشروع إصلاح مغشوش وتافه ينبع من تجربة السيد أخنوش المتميزة بإضعاف المغرب بكامل مؤسساته وفي مجالات واسعة من سياساته، وفي بلوغه مرحلة الاختناق السياسي والتنموي والحقوقي والقضائي، لدرجة أنه بفعل سياسته تقهقر المغرب فحصل على أرذل الدرجات في الترتيب العالمي للدول، وضعه رئيس الحكومة في مجال التنمية البشرية في المرتبة 120 سنة 2025، وفي مجال التعليم في المرتبة 110 بين 182 دولة، ووضعه في المرتبة 92 من أصل 142 في مؤشر سيادة القانون، ووضعه في المرتبة 129 في مجال حرية الصحافة لسنة 2025… الخ.
ومن هنا، فأنتم مدعوون السيد رئيس الحكومة لأخذ مكانكم أمام الرأي العام وأمام المحامين، ومطالبون بإعلان مبادرة مستعجلة، بوضع خلية أزمة تترأسونها مكونة من جمعية هيئات المحامين وممثلي هيئات المحامين ووزير العدل، ومن كل مؤسسة ممن تستأنس القدرة لتصفية التوتر، والانطلاق في العمل بدءاً من وقف مسار المشروع، والجلوس على مائدة الاستماع للجميع والاستماع لعشرين ألف محامٍ بواسطة ممثليهم، والانطلاق قبل كل شيء بوضع دراسة عميقة (ETUDE D’IMPACT) لوقع المشروع ودوافعه وآثاره على مستقبل المهنة، وأن تفكر اللجنة في تحديد الأهداف التي تفرض صياغة قانون للمحاماة، وما هي تصورات قواعده ومبادئه ومحتوياته، والانكباب بجدية على إبداع نص حقيقي متفتح على مقترحات المحامين وهيئاتهم وإسقاط كل المواد والمقتضيات التي فجرت الأزمة، مع الاعتذار للمتقاضين والاعتذار للمحاميات والمحامين وللهيئات القضائية بسبب ما حصل لهم كلهم وما تحملوه من معاناة أنتم وحدكم مع حكومتكم المسؤولين الأوائل عنها.
ماذا عساكم كرئيس للحكومة أن تنجزوه في الأشهر الباقيات من عمر حكومتكم، إن فوتتم فرصة تقديم مشروع قانون المحاماة يلبي تطلعات المجتمع المغربي في بناء مؤسسة دفاع قوية مستقلة قادرة على الاستجابة لمتطلبات العدالة ودعم دور القضاء، وبناء دولة القانون والديمقراطية وقواعد العدالة للجميع، وبالتالي فواجبكم السياسي يفرض التعجيل بدعوة اللجنة، وبإبداع قواعد تعاقدات واضحة بين المحامين ومحيطهم، ومع الدولة والمتقاضين والمؤسسات القضائية على أسس من التعاون بعيداً عن ثقافة التخويف والردع وسيوف المتابعات، مع صيانة مبادئ المحاماة بدل تقويضها، فالمغرب في حاجة لمحاماة تعزز أمنه القانوني واستقراره وبناء مؤسساته، وما عليكم إلا الانتباه للمقاربات الفضلى في هذا المجال ومنها الاتفاقية الأوروبية من أجل حماية مهنة المحاماة (La Convention Européenne sur la Protection de la Profession d’Avocat) التي صادقت عليها دول الاتحاد الأوروبي الـ 47 في شهر ماي 2025 والتي أضيفت لتوجيهات البرلمان الأوروبي لسنة 1998 ذات الصلة بنفس الموضوع، باعتبارها نموذجاً يجسد ممارسات تجب دراستها وأخذ كل ما هو مفيد وإيجابي منها،…
هذه فكرة عن خطة أولية ومستعجلة عليكم التفاعل معها بإرادة وطنية وتعامل أخلاقي ومؤسساتي مع هيئة الدفاع، وهي مبادرة قد تساعد على انطلاق أجواء الثقة والتعاون وطي صفحة الخلافات… قريباً ستغادرون المسؤولية الحكومية، فحان وقت خروجكم من الصمت الذي اخترتموه في ظل الأزمة التي ولدتها سياستكم في قطاع العدالة والقضاء والمحاماة، ولم يعد لكم الحق في ترك الحبل على الغارب، ولا ممارسة الهواية السياسية عن بُعد، وبات عليكم قبل مغادرتكم رفع مستوى إخلاصكم للعمل السياسي بمعانيه السامية القانونية والديمقراطية، وممارسة الشجاعة في القرارات والمواقف كما هو حالكم في مجال البزنس والمرتبات العليا في سلم الأثرياء حسب مؤسسة FORBES.
فإن كان لديكم رأي آخر، فاعلموا بأن عهدكم سينتهي، وسيتذكركم التاريخ كأول رئيس حكومة مغربية في المنفى، لم يقدم للمغرب ولا للمغاربة أي شيء، إلا ما كان من سخاء في الأزمات…
