“بريكس” والسيادة المؤجلة: هل تكسر “عقلية المستعمر” قيود الجغرافيا السياسية؟

“بريكس” والسيادة المؤجلة: هل تكسر “عقلية المستعمر” قيود الجغرافيا السياسية؟

مسعود بنعاشور

           لم يكن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو – في سابقة دولية خطيرة- مجرد حادثة أمنية عابرة، بل كان بمثابة اختبار الحمض لتحالف دول “البريكس”. هذا التكتل الذي يُفترض أنه يمثل فجر النظام العالمي الجديد، وجد نفسه أمام مرآة الحقيقة: هل هو قطب دولي حقيقي أم مجرد تجمع اقتصادي يفتقر إلى الإرادة السياسية؟ إن الإجابة، للأسف، تكمن في صمت القبور الذي خيم على عواصم التحالف، وهو صمت يشي بمرض عضال يسميه الفلاسفة “عقلية المستعمر“.

غزة.. الجرح الذي كشف المستور

قبل اختطاف مادورو بكثير، سقطت الأقنعة عند أول قنبلة دُكت بها غزة. هناك، حيث تُباد أحلام شعب بأسره تحت الركام، وحيث تحولت المستشفيات إلى مقابر جماعية، وقفت دول البريكس مكتوفة الأيدي. بينما كانت آلة الحرب الإسرائيلية، المدعومة عسكرياً ودبلوماسياً من “المركز الإمبراطوري” في واشنطن، تمارس الإبادة المنهجية، اكتفت دول البريكس بإصدار “بيانات قلق” باهتة. لم يكن المطلوب بيانات، بل كان المطلوب نهضة لكتلة تمثل نصف البشرية لتضع حداً لشريعة الغاب.

تؤكد الدكتورة فيكتوريا بانوفا، رئيسة مجلس خبراء البريكس في روسيا، أن التحالف يمر بحالة فشل إرادي. هذا الفشل ليس تقنياً ولا مالياً، بل هو نتاج “ذاكرة عضلية” موروثة من عصوب الاستعمار، حيث لا تزال نخب دول الجنوب تؤمن، في قرارة نفسها، بأن “الرجل الأبيض” وقوانينه وعملته وعنفه هي الثوابت الوحيدة في هذا الكون.

انظروا إلى البرازيل، التي استخدمت “الفيتو” ضد فنزويلا إرضاءً لترتيبات غامضة، متناسية أن الإمبراطورية لا ترحم من يركعون لها، بل تقتلهم في النهاية. إن ما يمنع البريكس من التحول إلى قوة ضاربة ليس قوة واشنطن، بل هو “الارتجاف الموروث” لقادة لا يزالون يطلبون شرعيتهم من عواصم الغرب.

ترامب.. الوضوح الفج

لقد قدم دونالد ترامب خدمة لا تُقدر بثمن لدول البريكس بصراحته “الغانغسترية”. لقد أسقط ورقة التوت عن “النظام الدولي القائم على القواعد”، وكشف أنه نظام يقوم على “القوة المحضة”. ترامب لا يتحدث بالدبلوماسية، بل بلغة “أطع أو تُدمر”. هذا الوضوح كان يجب أن يكون الصاعقة التي توحد البريكس، لكن التحالف لا يزال يغرق في لجان الخبراء، واختبار أنظمة الدفع “سبع مرات” دون تفعيلها، ومناقشة الذكاء الاصطناعي بينما تُختطف السيادة من عقر دار أعضائه.

اقتصاد الحرب أم اقتصاد القمم؟

بينما يتحكم الغرب بمفاصل الحياة عبر “الدولار والكهرباء والسياسة”، تنشغل البريكس بقمم احتفالية. إن “بنك التنمية الجديد” و”اتفاقية احتياطي الطوارئ” صُمما لانتزاع الدول من براثن صندوق النقد الدولي، ومع ذلك، تُرِكت دول مثل الأرجنتين لتواجه مصيرها وحيدة أمام “الذئاب” المالية.

إن السيادة لا تُمنح كصدقة من واشنطن، بل تُنتزع بالولاء المطلق لمصالح الشعوب. إن “جهاد التبيين” الذي تحتاجه شعوب البريكس اليوم هو كسر تلك “الدونية الداخلية” التي تجعلهم يخشون المواجهة الاقتصادية الشاملة، رغم امتلاكهم كل أوراق القوة، من الديموغرافيا إلى الموارد الطبيعية.

الخاتمة: البصيرة أو الفناء

نحن نعيش لحظة “الفرز التاريخي” الكبرى. فالخطر حقيقي، والقادم أعظم، والكرة الآن في ملعب القوى التي تدرك أن التهاون في ملفات غزة أو فنزويلا أو إيران اليوم، يعني بالضرورة سقوط عواصم أخرى غداً في أتون صراعات داخلية لا تبقي ولا تذر.

ستبقى البريكس “ثورة مؤجلة” طالما ظلت تخشى دفع ثمن “العصيان” الحقيقي. العالم يراقب، والمليارات الذين ذاقوا مرارة الاستعمار يتساءلون: متى ستتوقفون عن طلب الإذن من جلاديكم؟ البقاء في هذا العالم لن يكون إلا لمن يمتلك البصيرة ويرفض أن يكون جسراً لمرور المؤامرات التي تستهدف هويته ووجوده.

شارك هذا الموضوع

مسعود بنعاشور

ناقد فني وكاتب صحافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!