من اتفاقية مدريد 1975 إلى خارطة الطريق 2026
حـسـن زهـيـر
في نوفمبر من سنة 1975، بعد إبرام “اتفاقية مدريد” وإقامة إدارة ثلاثية مؤقتة في الصحراء، جاء في الخطاب الملكي: إنّ صحراءنا رُدّت إلينا، وأنّ الجيش المغربي يدافع، في صمت، عن حقنا المُستعاد. بعد هذا الخطاب، وبالضبط في فبراير من سنة 1976، أعلِن بالعاصمة الجزائرية عن تأسيس “جمهورية عربية صحراوية”، وراجت كذلك أخبار من أديس أبابا تقول أن إحدى لجان منظمة الوحدة الإفريقية قد تُصوّت لصالح الاعتراف بالدولة الجديدة. كانت هذه التطورات في غاية الخطورة، لأن المغرب كان سيجد نفسه في دور الدولة المترامية، وهو ما كانت تخطط له الجزائر، وتعمل من أجله بجدّية لكي يفقد المغرب كل سند خارجي لقضيته. وهكذا فلم تعُد الجزائر، آنذاك، وحدها في الواجهة، بخصوص ملف الصحراء، فقد أصبحت تختفى وراء الأمم المتحدة والمنظمة الأفريقية، وكانت تستفيد من مساندة إسبانيا لها في كل المحافل الدولية، بل حتى أنّ الصحافة الفرنسية، وعلى رأسها “لوموند”، كانت تنشر مقالات تؤكد على أن المصلحة العليا للدولة الفرنسية تفرض عليها مسايرة الجزائر، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لإسماع صوت فرنسا في المحافل العالم-ثالثية. هذا ما كان يُفسّر التوافق الحاصل، في تلك الفترة، بين اليساريين والشيوعيين وبعض الديغوليين حول قضية الصحراء.
وهكذا فإلى حدود ماي من سنة 1976 مازال العِناد الجزائري مستمراً ومتواصلاً. فبعد الاعتراف بـ “الجمهورية الصحراوية”، تُم الإعلان أنّ “اتفاقية مدريد 1975” أصبحت لاغية، انتقلت الجزائر، بعد ذلك، إلى الرفض السافر للاتفاقية المبرمة بين المغرب وموريتانيا حول ترسيم الحدود. كانوا، وما زالوا، يُعلنون العداوة ويظنون أنهم لن يتحملوا تبعاتها. هل كانوا يدركون، آنذاك، أنّ الاعتراف بـ “دولة صحراوية” يستتبع حتماً الوعد بتحرير أرض الصحراء بالقوة، أي بإرسال الجيش الجزائري في مرحلة ما؟
هكذا كانت الأوضاع سنة 1976، وبعد مرور سنتين على المسيرة الخضراء، استمر حُكام الجزائر في محاولاتهم الحثيثة من أجل تدويل قضية الصحراء. فقد لجؤوا إلى كل أنواع الابتزاز لإجبار الدول الأجنبية على الاعتراف بكيان وهمي، في محاولة لإضفاء الشرعية على جماعة البوليساريو. وكان التخوّف المغربي، آنذاك، من الخطر الأكبر، أي انهيار الحليفة موريتانيا، لأن حصول ذلك كان سيعني تَغيّر الوضع كُلياً: ديبلوماسياً، عسكرياً وقانونياً، إذ في ظل مثل هذه الظروف كان المغرب سيجد نفسه في الوضعية التي كان فيها قبل المسيرة الخضراء. لكن تطورت أخرى للأحداث خلال تلك الفترة زادت الأمر تعقيداً، فالأوروبيون أصبحوا، بتأثير من الإسبان، ينظرون إلى المسيرة الخضراء كعملية “غزو”، إذ كان اليسار الفرنسي مع الأطروحة الجزائرية واليمين جد مُتردّد، الشيء الذي شجّع الجزائر على الاستمرار في تعنتها وعنادها، وساعدها في ذلك أنّ الوضع الدولي لم يكن، آنذاك، في صالح المغرب، لأن السياسة الأمريكية بدأت تُخطّط لكسب ولاء بعض الدول العربية، خاصةً بعد التطورات المتسارعة بالشرق الأوسط، وتفكك التحالف التقليدي لمصر مع الاتحاد السوڤياتي في عهد السادات، وبالتالي بدأ الأمريكيون يُفكّرون في دعم نفوذ مصر في شرق أفريقيا، وبالتالي نفوذ الجزائر في شمالها. وفي سياق هذا الجو السياسي بدأت ترِد على المغرب أخبار مُقلقة من أميركا تقول: إنّ الإدارة الديمقراطية ترى أنه لا يحق للمغرب أن يستعمل، في حرب الصحراء، الأسلحة والمعدات التي تبيعها إليه واشنطن، وذلك بمقتضى اتفاقية سنة 1960، وبدأ الحديث الإعلامي عن أن الحكومة الفيدرالية طلبت، رسمياً، من المغرب أن لا يستعمل الطائرات الأميركية. وسبَق هذا الإجراء سحب الطلب المغربي لشراء أسلحة متطورة، ووقف المفاوضات بخصوص المساعدات الاقتصادية والعسكرية. وكان الرئيس الأمريكي، آنذاك، “كارتر” قد نزع مسبقاً من المغرب كل وسائل المساومة، من خلال إجلاء ما تبقى من القوات الأميركية، التي كانت مرابطة بالمغرب منذ الخمسينات، وأرسَل بذلك إشارات شتى على أنه لن يُحرّك ساكناً لإنقاذ الجيش المغربي، في الوقت الذي قرّر فيه الاتحاد السوڤياتي، آنذاك، إمداد البوليزاريو بأسلحة مُتطوّرة.
أصبح المغرب، إذن، أمام انحياز سوڤياتي سافر وتَحوّل مقلق جدّاً في السياسة الأمريكية. تزامن كل ذلك مع نجاح منظمة الوحدة الأفريقية في حل بعض القضايا في أنغولا وتشاد، وبدأت هذه المنظمة الالتفات إلى قضية الصحراء في إطار غير سليم وغير مناسب للمغرب، ومن هنا خطورة الموقف الأمريكي الجديد، بالنظر إلى الدور الذي كان يلعبه في الأمم المتحدة، آنذاك، عمدة أطلنطا، “أندرو يونغ”: السياسي الزنجي الديمقراطي، والذي كانت له علاقات قوية مع زعماء أفارقة يساريين متأثرين بالأطروحة الجزائرية.
وقد لوحظ أيضاً، خلال تلك الفترة، بداية إجماع الدول الغربية على تقليص السلطة المُفوّتة إلى المغرب بمقتضى “اتفاقية مدريد”. هذا على الصعيد الدولي، أما إقليمياً فقد زار قذافي ليبيا جزائر بومدين، تُمّ اجتمع “الزعيمان” ولم يتدارسا إلاّ نقطة واحدة، وهي مُخطّط كل منهما في المنطقة: أي التوسع الليبي على حساب تشاد، والتوسع الجزائري على حساب المغرب. وهكذا أصبح المغرب أمام مأزق في قلب مأزق.
هذا ما كان يَحصُل لبلدنا في سبعينيات القرن العشرين. أما الآن، في القرن الواحد والعشرين، أي في فبراير من سنة 2026، حُقّ للمغاربة أن يطرحوا السؤال على أنفسهم: أين كُنّا وكيف كُنّا؟ وأين وصلنا وكيف أصبحنا؟ ما يرشح هنا والآن، ويظهر بشكل جلي، هو أن المنطقة التي شهدت “اتفاقية مدريد 1975” وأنتجت لنا عيد المسيرة الخضراء، ها هي، اليوم، أمام “خارطة طريق مدريد 2026″، من أجل مناقشة العرض المغربي المُفصّل للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والذي سيقدّم رسمياً إلى مجلس الأمن الدولي، بعد قراره التاريخي رقم 2797، والذي حوّله الانخراط الدولي الحالي من مُجرّد نص سياسي-قانوني أممي إلى مسار تفاوضي مُحدّد الزمن والسقف، بعد 50 سنة من الجمود ومراوحة المكان. القرار الذي أنتج لنا أيضاً، مغربياً، عيد الوحدة، وكلّ عيد والمغرب في صحرائه والصحراء في مغربها.
