ماريا الدويهي: المسرحُ مرآةُ الأشْبَاح.. حِين تُضيءُ الظِّلالُ حَقائقَنا الدّفينَة

ماريا الدويهي: المسرحُ مرآةُ الأشْبَاح.. حِين تُضيءُ الظِّلالُ حَقائقَنا الدّفينَة

عبد الرحيم التوراني

تجليات المونودراما بين سطوة الأداء وعمق الأكاديميا في حوار مع بطلة “القرنة البيضا”

         بين خشبة المسرح التي تمنحها الحرية المطلقة لاختبار حدود الذات، وعدسات الكاميرا التي تقتنص تفاصيل وجهها المعبّر في أدق تجلياته الدرامية، تقف الفنانة اللبنانية ماريا الدويهي كنموذج للممثلة المثقفة، تلك التي لا تكتفي بالأداء الظاهري، بل تنقب في تضاعيف النص بحثاً عن الجوهر والمعنى. هي تدرك، بوعيٍ حاد، أن الفن ليس مجرد تقمص عابر، بل هو حفرٌ مستمر في الهوية والذاكرة الإنسانية، واستنطاقٌ بليغ للمسكوت عنه في دهاليز الروح

      على هامش عرضها الآسر في مسرحية القرنة البيضا” للكاتب والمخرج يحيى جابر، التقينا بها لنحاورها في فضاء يتقاطع فيه الإبداع بالتحليل. لم نكن نروم مقاربة أدوارها كأرقامٍ في مسيرة، بل كاختياراتٍ واعية في زمن التحولات الكبرى، باحثين عن ذلك الخيط الناظم الذي يربط بين عفويتها الفطرية وصرامة تكوينها الأكاديمي الرصين، الذي صهر أدواتها في بوتقة المنطق والرؤية العلمية.

بما أن المسرحية تتناول مكاناً له قدسية طبيعية ورمزية في الوجدان اللبناني، سألناها: كيف جسدتِ في أدائك الصراع بين قدسية الأرض وبين التعديات التي تتعرض لها؟

فأجابت:

– “تتناول المسرحية، على غرار أعمال يحيى جابر، بيئة لبنانية محددة بتركيبتها السوسيولوجية والتاريخية. هي جزء من قدر لبنان القائم على التعدد والصراعات التي جعلته كياناً قلقاً. في”القرنة البيضا” نغوص في البيئة المارونية لشمال لبنان (زغرتا وإهدن)، حيث يبرز النص الجدلية القائمة بين الإيمان والخرافة، والمحبة والقتل، والحب والقمع”.

تضيف: “وسط نظام أبوي قاسٍ، استحضرتُ شخصيات تجمع بين الواقع والخيال لتعبّر عن هواجس المرأة في حقبة الخمسينات. تقمصتني هذه الشخصيات بلهجتها السريانية الأصل، وأجسادها الفضّة، وأصواتها الحادة. كانت الشخصية ضحية للنظام وراعية له في آن، لتشكل المسرحية بذلك مجسماً مصغراً للتناقضات اللبنانية الكبرى“.

 حول التحدي الأكبر في بناء الشخصية وما إذا كان الدور تطلب تقمصاً نفسياً لتمثيل صوت الطبيعة، أوضحت الدويهي: ارتكز العمل على بحث ميداني يشبه عمل الباحث الأنثروبولوجي. رحت أتقصى المفردات والنكات وأسجل أصوات سكان زغرتا وأقرأ تاريخهم. هذا المخزون ساعدني في تلبّس الشخصيات التي ابتكرها يحيى جابر، مثل ميول، طريزا، روزانا، والأخريات… من خلال ورشة عمل استمرت أشهراً، كان الهاجس هو استحضار تلك الأجساد من اللاوعي الجماعي وإخراجها بعفوية حية”.

وعن قدرة المسرح على تغيير الوعي بالقضايا البيئية والسياسية اليوم، ترى ماريا أنمسرح يحيى جابر لا يدّعي الوعظ أو الدفاع عن قضايا مباشرة، بل ينطلق من وعي فردي ليطال وعي الجماعة. يتحول المسرح هنا إلى مرآة يرى فيها الجمهور نفسه ويرى الآخر المختلف الذي قد يكتشف أنه نسخة مطابقة عنه في الألم والهواجس.

تعتبر ماريا أن مسرحية “القرنة البيضا” شكلت منعطفاً كبيراً في مسيرتها، بتجاوز النمطية ، حيث “كسرتُ كافة الحواجز التقليدية التي كنت أضعها لنفسي، وانتقلت من الشخصيات التشيخوفية الدرامية إلى الكوميديا السوداء التي أطلقت العنان لجسدي وصوتي”.

توضح بأنها في أي نص جديد، “أبحث عن الصدق الإنساني بمعزل عن الأحكام الأخلاقية.. المسرحُ مرآةُ الأشباح.. حين تُضيءُ الظلالُ حقائقنا الدفينة… لتخرج إلى النور“.

مؤكدة أن لديها رغبة في تطوير هذا الأسلوب الأدائي والذهاب به لمستويات أعلى، و”يبقى حلمي الأكبر هو تقديم دور سينمائي يتحدى قدراتي ويستفز طاقاتي الكامنة“.

رغم الأزمات، تؤكد الدويهي بيقين أن “المسرح هو الظاهرة الوحيدة التي لا يمكن استبدالها بالذكاء الاصطناعي، لأنه فن حي بامتياز. هو مساحة التواصل المباشرة التي يحتاجها البشر للتلاقي.”

وعن علاقتها بالمسرح المغربي، أبدت إعجاباً كبيراً بهذا المختبر الجمالي، متأسفة لأن معرفتها به لا تزال حبيسة المراجع المكتوبة، معربة عن تطلعها للمشاركة في مهرجانات مغربية أو خوض تجربة فنية تدمج بين المدرستين المشرقية والمغربية.

في ختام هذا الإبحار، يتجلى أننا لسنا أمام ممثلة تتقن التقنيات فحسب، بل أمام فنانة تسكنها شياطين المسرح النبيلة. في “القرنة البيضا”، أثبتت ماريا الدويهي أنها تملك مفاتيح اللعبة في أصعب تجلياتها في المونودراما، محولة الفراغ المسرحي إلى انفجار من الرقص والغناء والارتجال الذكي الذي يعمق الإيهام”ولا يكسره.

ماريا الدويهي، المثقفة الأكاديمية والممثلة القديرة، هي أيضاً سليلة بيت أدب رفيع، فهي نجلة الروائي والناقد اللبناني الراحل جبور الدويهي (1949-2021)، الذي ترك بصمة لا تُمحى في الأدب العربي المعاصر. يبدو أن ماريا تواصل رحلة والدها في التنقيب عن الهوية اللبنانية، لكنها تفعل ذلك عبر جسدها وصوتها على خشبة تسرق فيها الضوء وتمنحه معنى.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!