تقاطع الأزمات: “فتنة الدولار” واستهداف صمامات الأمان في طهران وبغداد

تقاطع الأزمات: “فتنة الدولار” واستهداف صمامات الأمان في طهران وبغداد

عقيل وساف

       تمر المنطقة اليوم بمنعطف تاريخي لا يحتمل المجاملات السياسية؛ فما تشهده طهران من حملة اعتقالات طالت رؤوساً بارزة في التيار الإصلاحي ليس مجرد إجراء قانوني داخلي، بل هو رسالة سياسية بليغة تتقاطع خيوطها بين الاقتصاد المأزوم وأجندات الاستخبارات الدولية. إن توقيت هذه التحركات، الذي تزامن مع “فتنة الدولار” وقرار البنك المركزي بحذف السعر التفضيلي، يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات مشروعة حول من يخدم هذا التوقيت؟ ومن المستفيد من إشعال الشارع في هذا الظرف الحساس؟

لقد كشفت الاحتجاجات الأخيرة التي بدأت من قلب “البازار” أن هناك من يلعب بالنار في مفاصل الدولة الاقتصادية؛ فرفع سعر الصرف بهذا الشكل الفاحش لم يكن مجرد خطأ تقني، بل يراه مراقبون خطوة “مفتعلة” لجر البلاد إلى الفوضى، خاصة مع اعترافات واضحة من الإدارة الأمريكية بأنها تقود حرباً اقتصادية تهدف لتحريك الشارع دون إطلاق رصاصة واحدة. وهنا تبرز الإشكالية: كيف يمكن لمن يدير مفاصل الدولة أن يتخذ قرارات تصب في مصلحة سياسة “الضغط الأقصى” التي يمارسها الخصوم؟

وبالعودة إلى تجارب سابقة، وتحديداً أحداث عام 2009، نجد أن الكثير ممن تدثروا بعباءة “الإصلاح” كانوا يخططون في الغرف المظلمة لقلب النظام وتغيير هوية الدولة تماماً، وهو ما كشفت عنه اللقاءات المباشرة مع بعضهم في المنافي؛ حيث اتضح أن أجنداتهم ترتبط بجهات استخباراتية لا تريد الخير لإيران ولا للمنطقة. إنهم الوجوه ذاتها التي كانت تهتف ضد دعم المقاومة في غزة ولبنان وسوريا، واليوم نراهم في مواقع القرار يمارسون النهج ذاته الذي يضعف الجبهة الداخلية.

أما العراق، فليس ببعيد عن هذه العاصفة؛ فالمخطط الإقليمي والدولي الذي يستهدف إيران يرى في بغداد المفصل الأساسي للهجوم المرتقب. هناك سعي محموم لضرب العملية السياسية وتفتيت وحدة المكونات الأساسية لإعادة العراق إلى “الحظيرة الاستعمارية” تحت مسميات براقة. إن ما يجمع طهران وبغداد اليوم هو ضرورة التمسك بصمامات الأمان؛ ففي الوقت الذي تمثل فيه ولاية الفقيه في إيران وحدة الموقف، تمثل المرجعية العليا في النجف الأشرف السد المنيع الذي يحمي العراق من الانزلاق نحو المجهول.

إن الهجمات الممنهجة التي نراها اليوم على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تستهدف المرجعيات الدينية، ليست عبثية؛ إنها نتاج “غرف سوداء” تهدف لضرب الثقة بين الشعب ورموزه، لكي لا يجد الناس من يستمعون إليه إذا ما وقعت الواقعة. لذا، فإن الحذر من الفتن والضرب بيد من حديد على كل من يثبت تورطه في زعزعة الأمن الوطني هو ضرورة شرعية ووطنية.

ختاماً، إن استقرار المنطقة وحدة واحدة لا تتجزأ، وأي اهتزاز في الداخل الإيراني سيمتد أثره فوراً إلى العراق والمنطقة. العدالة يجب أن تأخذ مجراها مع المتآمرين، والشفافية هي الأساس، لكن الأمن القومي يظل الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه تحت أي ذريعة سياسية أو اقتصادية.

شارك هذا الموضوع

عقيل وساف

كاتب وإعلامي عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!