في مسألة التوطين المسرحي!

في مسألة التوطين المسرحي!

نجيب طـلال

غـــمزة خاصة:

لنبدأ بين القول والمقول، نقول: “ولست أريد أن أخـدع أحداً؛ فأنا أفتخر بنفسي ولا أبالي بما يقوله الناس عني، فإني أعلم حقيقتهم جيداً، وأعلم أنهم يسخرون مني ثم يفعلون ما أفعل. وأنا لا أحترم هؤلاء الذين يضللون الناس بالعناوين البراقة والمظاهر الكاذبة وكلام الحكماء، ويمشون بين الناس متفاخرين متباهين بأنفسهم، وعلى الرغم من هـذا فإن حقيقتهم ستنكشف للناس يوماً ولن تطول غطرستهم، وما أقبح الذين ينكرون الجميل ويظهرون للناس أنهم الفضلاء، فأنا أدعـوهم بالحمقى الحكماء” (1).

ما علاقة هـذا بمسألة التوطين المسرحي، كموضوع له تقاطعات بالسياسة الاقتصادية وعلم الاجتماع قبل الإبداع؟ وبالتالي هي علاقة مبطنة بين الأسطر، لمن يمتلك إحساس المعنى بعيداً عن الهرولة المادية في سياق دعم المشاريع الثقافية والفنية، الذي يقابل موجة (الدعم المسرحي) بدون نقاش أو تجاذب جـدل تجاه مفاهيمه، وما الهدف من ورائه؟ من لدن المسرحيين الذين يتكلمون (أي) كلام في المهرجانات (…) ثم يختفون كالنمل كأنهم يخافـون من وطأة “سليمان الحكيم” على أعناقهم. وهذا ما لمحنا له في إحدى “الغمزات”: حينما تتأمل في الوضع المسرحي في المغـرب، تجد كثرة المفاهيم بلا فهْم، وفهـماً بلا إنتاجية إبداعية ونقدية (2).

إذ من بين المضحكات الساخرة: لا أحد من المسرحيين حاول إبداء رأي أو موقف أو حتى سؤال من (غمزة) (؟). هنا الصورة لا تندرج في مسألة “لا يستحق الرد”، بل كما أشرنا في إحدى “الغمزات” كذلك: “لماذا لم يعُـد للمثقف المغربي القدرة على الجـدل والسجال من أجل تحسين جودة التجارب والرؤى الفكرية؟” (3). وهـذا يربطنا بمسألة التوطين المسرحي، ليس من منظوره الإستراتيجي وأبعاده الإجرائية، بل يرتبط بقضية [مقدار] الهبة المالية التي توزعها وزارة الثقافة والشباب والتواصل كـدعم. فحينما ينقطع، يصبح المسرحي “ذئباً ضارياً” يطعن في الوزارة واللجان؛ إنها الحربائية التي صنعها (الدعم)، إنه التهافت وراء الأموال (ليس إلا). إشكال هـذا لدى الأغلبية العـظمى من المسرحيين! مما نستشف منه انهيار القيم وانهيار الفكر، مما يصعب أو يستحيل معه تطوير القطاع المسرحي بشكل خاص، ومحاولة خلق صناعة ثقافية في بلادنا بشكل عام، رغم وجود ما يسمى “التوطين” كإطار لتفعيل الصناعة الثقافية.

بدوره، يعيش القطاع إشكالية جوانية؛ باعتبار أن المفهوم أساساً غربي/ أوروبي، نحتاج أولاً بأن نكيّف مفهومه ومصطلحه، وإن كان متولداً من “وطــن” فلا مناص من فهمه لنوطنه في التربة المحلية، من أجل تفعيل التنمية الثقافية والإبداعية وتقوية الصناعة الثقافية في “موطِن” الفرقة الثقافية والمسرحية لتحقيق أهداف نبيلة؛ مدخلها يقتضي تربية المواطن المحلي على مشاهدة الأعمال المسرحية، وللأجيال اللاحقة لتطوير المهارات والثقافة عبر التنشيط الثقافي/ المسرحي من خلال تنظيم الورشات والإنتاج المنفتح عملياً على المحيط السوسيو-ثقافي. بحيث أن إنزال عملية “التوطين” عندنا تم بسرعة، دونما خطة عملية مدروسة ومنتظمة، ونقاش مستفيض بين الفاعلين والنقابات المهنية والجهة المسؤولة عن ماهيته وكيفية إجرائيته لبلوغ الأهداف الإستراتيجية منه، من هنا فالتوطين (المسرحي) يعاني كذلك من الارتجال المحدث ومحاولة سبق الأحداث والمراحل.

ما التوطين؟

(التوطين) نمط لتقوية الجهوية والمحلية؛ وفي تعـريفه الإجمالي (هـو) مجموعة الأفعال التي تعمل على جعل الأشياء أو الأشخاص أكثر محلية. يشمل ذلك تحويل بعض الخدمات والأفكار -وما إلى ذلك- لتناسب الثقافة المحلية عبر استخدام عـدد أكبر من السكان الأصليين في الإدارة والتوظيف. أما عمليات التوطين أساساً فهي: “تلك السياسات والبرامج والخطط التي تضمن تأهيل المواطنين (حاملي جنسية الدولة) لدعم دمجهم وتوجيههم للالتحاق بسوق العمل، سواء بصفة موظف أو مستثمر، لشغل الوظائف التي تساهم في أمن المجتمع وسلامته وحيويته ورفاهه وتقدمه، وتحقق للمواطن المستوى المعيشي والقيمة المعنوية المناسبين للمساهمة بفعالية في تقدم المجتمع(4).

ولقد أدرجت هـذا لنبين أن الخليج العـربي (مجلس التعاون) يسعى لتحقيق ماهية التوطين على عدة مستويات وخاصة “العمالة” لتلبية حاجة سوق العمل بطريقة ذكية ومتوازنة، وللاحتياجات المهنية لتطوير خريطة التوطين بناءً على احتياجات المجتمع. ومثل هاته التجارب لا يأتي بها إخواننا المسرحيون (المغاربة) للمناقشة وتبادل الحوار؛ لهذا فما دور النقابات المهنية؟ وما أهمية حضور المسرحيين في مهرجانات الخليج؟ بيد أن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو: ما هي المعايير التي نقيس عبرها مدى انخراط المثقف/المسرحي في مشاكل مجتمعه ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً؟ هل بعَـدد خـرجاته الإعلامية والمهرجانية، أم بنوعية إسهاماته الثقافية العميقة، أم بفهلوته؟

وفي المجمل فالتوطين هو: تحويل الاعتماد من الخارج إلى الداخل مع مراعاة الخصوصية المحلية، كالتحديات التي تواجهها في مجال إدارة رأس المال البشري وتطويره في ظل ما يشهده العالم من تحولات على جميع الأصعدة بأسلوب متطور وذكي. “ولقد قطعت دولة قطر شوطاً استثنائياً في بناء نموذج توطين قائم على الكفاءة والتخصص، ضمن إطار رؤية قطر الوطنية 2030، التي وضعت تنمية الموارد البشرية في قلب التحول الاقتصادي” (5).

المفارقة عندنا في مسألة التوطين، تتجلى في تمركزه في المجال المسرحي، وإن كانت له نقائص متعددة، ولا يعالج كل احتياجات الطلب الحقيقي النابع من خطط تنموية طموحة بشكل استباقي، وغائب في مجال توطين الوظائف في القطاع العام والخاص كذلك، دون النظر لواقع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. لأنه من المفاهيم الحديثة في الأوساط الاقتصادية، وإن كانت لها أهميتها كقاعدة أساس في الاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة؛ ولاسيما مع تسارع التطورات التي تستجد في تقنيات الإنتاج. فكيف يمكن مواكبتها وتحريك عجـلة الاقتصاد وانفتاحه على المنافسة المحلية والأجنبية كمضاد للبطالة، في غياب رأس [المال البشري] بكونه “الجهاز العصبي” لأي نظام إداري، نظراً إلى تأثيره ونفوذه في محيط وجوده بناءً على توجيه خطط برؤية شاملة، بغية ردم -أو على الأقل تقليص- الفجوة بين العـرض والطلب في أسواق العمل.

التوطين المسرحي:

ما الهدف من وراء هـذا في ميدان التوطين؟ مبدئياً هنالك أنواع من التوطين، بما فيها: “عملية توطين علم النفس المستورد ليجابه قضايا التنمیة المحلیة وذلك بمنحه الجواز العـربي، بذات الكیفیة التي منح بها علم النفس المستورد من ألمانیا لأمريكا الجواز الأمريكي” (6).

في سياق كل هذا؛ فالتوطين في المسرح هو مفهوم مهم يتعلّق بإدخال وتحقيق الهوية الثقافية المحلية في الأعمال المسرحية. يمكن أن يعني التوطين في هذا السياق دمج العناصر الثقافية، التاريخية، والاجتماعية الخاصة بالمنطقة أو المجتمع في الأعمال المسرحية بحيث تعكس همومه وتاريخه وشخصياته المتميزة والشعبية كذلك.

لكن لنتأمل في إجابة من قلب مديرية الفنون التابعة لوزارة الثقافة ومفادها: “أن مشروع التوطين يتكون من إنتاج وترويج عمل مسرحي، ووضع وتنفيذ برنامج لتطوير المهارات والثقافة المسرحية للمختصين وعموم الجمهور، ووضع وتنفيذ برنامج تنشيط ثقافي مسرحي منفتح على المحيط السوسيو-ثقافي للفضاء المسرحي. ويتيح برنامج التوطين للفرق المسرحية الاحترافية الاستفادة من فضاءات قارة للتداريب والإنجاز وتقديم العروض والأنشطة المسرحية بالمناطق النائية” (7).

هل هذا تجسد على أرض الواقع كمدخل لتحريك سوق الشغل بالنسبة للفنان المحترف (العاطل)؟ نعم نسمع هاهنا “توطيناً وأوراشاً”، ولكن ليس في المناطق النائية والاهتمام الخاص بها وبالفئات الأكثر احتياجاً لترسيخ الممارسة المسرحية. لأن “التوطين” معظمه في (المدن)، بينما القرى والأرياف -كقرية با محمد/ غفساي/ تيسة (تاونات) أو إيموزار مرموشة/ المنزل/ البهاليل (صفرو) أو دار الكداري/ أحد كورت/ جرف الملحة/ الخنيشات (سيدي قاسم) سيدي رضوان/ عين الدفالي/ زومي (وزان)- أي أن هنالك العديد من المناطق لم تستفد من عملية التوطين. مبرر من سيحاول الرد -إن وجد هذا المواطن الجريء- بأن التمركز يكون في المركبات الثقافية (!)، وهاته المناطق التي ذكرت ألا تتوفر على دور الشباب؟

فالإشكال أن الجمعية أو المقاولة أو الشركة أو الوكالة الفنية المدعمة لتفعيل التوطين، والتي يشترط في الوثائق المكونة لملفها ما يلي: “يجب أن يكون حامل المشروع فاعلاً في ميدان المسرح وله مساهمة معنوية أو مالية في دعـم أو إنجاز المشروع وسبق له الوفاء بالتزاماته السابقة مع الوزارة…” (8). لنتمعن في [له مساهمة مالية]، فهاته الفقرة تحتاج لنقاش (خاص)، ولكن بعجالة هاهنا:

1.    فهو مرتبط أساساً بالاستحواذ على مراكز التنشيط، لتصبح فضاءً “هيتروتوبياً” يحاول أن يعيد ترتيب علاقات السلطة المالية بالتوطين. مثلاً: “في مدينة الحسيمة، كما في مدن أخرى، تتكرر الصورة نفسها: قاعات خُصصت في الأصل لخدمة الحركة الثقافية والفنية، أصبحت محجوزة لجمعيات استفادت من برامج “التوطين الثقافي” ثم تعاملت معها كملكية خاصة، لا يحق لغيرها الاستفادة منها إلا نادراً، وربما بمكرمة رمزية” (9). وبالتالي فإن الأطفال والشباب والمثقفين والمبدعين المغاربة مازالوا لم يستفيدوا من [التوطين] بشكل فعال وإيجابي بسبب انتشار الزبونية والإخوانيات والاحتكام إلى الأهـواء الأيديولوجية وهيمنة الفكـر الديماغـوجي. وفي هذا السياق: “فالتوطين، في الأصل، كان فكرة نبيلة تهدف إلى خلق دينامية داخل المراكز الثقافية، وتوفير استقرارٍ إداريٍ وفنيٍ للجمعيات المنتجة. لكن الممارسة الميدانية شوّهت الفكرة، إذ تحوّل التوطين إلى احتكار، والانفتاح إلى إقصاء، والمرفق العمومي إلى امتيازٍ شخصيٍّ محروسٍ بعلاقات الزبونية والمحاباة” (10).

2.    ألا تكون الفقرة لها علاقة مستقبلية بمدونة التجارة (11)؟ لأن الحكومة أنهـت الفراغ التشريعي لتوطين المقاولات وتتوعد المخالفين (؟). بحيث نظم المشرع المغربي “التوطين” في مدونة التجارة، وذلك باعتباره نشاطاً تجارياً، كما نظمه المشرع باعتباره عقداً تجارياً، وهذه الطبيعة المزدوجة لا تنحصر بالنسبة للتوطين فقط. حيث اعتبرها أنشطة تجارية من خلال المادة 6 من مدونة التجارة. فماذا تقول المادة؟ التوطين كنشاط تجاري، بحيث أصبحت الأنشطة التجارية الواردة على سبيل المثال تتمثل في 19 نشاطاً تجارياً بدل 18، والمتعلقة بعمليات الإنتاج وأخرى بعمليات التوزيع، ومنها أيضاً ما هو مرتبط بالخـدمات. ويتعلق الأمر بأنشطة يقوم بها أشخاص يوظفون قدراتهم الفكرية والمهنية في مجموعة من العمليات التجارية، خاصة في مجالات اقتصادية تتطلب تدخل هذه الفئة من المهنيين.

بناءً على هـذا نتساءل: هل سيصبح الفنان المسرحي تاجـراً للسيطرة على “بطالة” الخريجين في المدى القصير؟ وما موقع المسرحيين المحليين من (التوطين) بدل استجلاب أسماء خارج موقع (التوطين) دونما مراعاة للأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي؟ وما أهمية ندوة مسرحية (؟) في الأنساق المعرفية والثقافية لماهية التوطين، ولاسيما أن الحضور لا يقل عن [عشرة] أفراد بالكاد، ونتحـدى من يشير لعكس ذلك؟

هل التوطين المسرحي مؤهل عندنا بشكل كافٍ لتلبية احتياجات سوق العمل بمهنية واحترافية تنافسية؟ علماً أن (التوطين) لم يستطع إدماج الشباب “المحليين” في عمليات نقل وتوطين المعرفة المسرحية والفنية لتوظيفها في التنمية الإنسانية المستدامة، ناهيك عن أنه لم يستطع أن يؤسس جمهوراً مسرحياً ولو محلياً.. لماذا؟

الإســتئــناس:

1.    في مديح الحماقة، إيراسموس فون روتردام – ترجمة أماني سعيد ص12، وكالة سفنكس – القاهرة. الطبعة الأولى/ 2011.

2.    غــمزة – في جداريتنا (فيسبوك) بتاريخ – 22/01/2026.

3.    نــفـــسه بتاريخ – 27/01/2026.

4.    التوطين بين العرض والطلب: علي محمد الخوري ص11 – عن هيئة الإمارات للهوية – رؤى استراتيجية/ 2013.

5.    التوطين الذكي.. وتمكين الكفاءات الخليجية: بثينة حسن الأنصاري – صحيفة الوطن بتاريخ – 14/07/2025.

6.    توطین علم النفس: عمر هارون الخلیفة – ص9 بدون تاريخ – السودان.

7.    برنامج توطين الفرق المسرحية.. المضامين والأهداف: إكرام زايد في SNRTNEWS بتاريخ – 21/10/2023.

8.    انظـر دفتر التحملات، طلبات عروض للمشاريع الفنية والثقافية والمهرجانات.

9.    الفضاءات العمومية بالحسيمة بين التوطين والاستحواذ… فاطمة أوحسين – في هبة زووم بتاريخ 5 أكتوبر 2025.

10.                       نـــفــــسـه.

11.                       لنطلع “المسرحيون” على الجريدة الرسمية عدد 6745 بتاريخ 21 يناير 2019، القانون رقم 89.17 القاضي بتغيير وتتميم القانون 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، والذي سبق وأن أعدته وزارة الصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي، لسد الفراغ الذي عرفه مجال “التوطين” لسنوات خلت.

شارك هذا الموضوع

نجيب طلال

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!