حين يبكي الذئب على فريسته

حين يبكي الذئب على فريسته

عبد الرحيم التوراني

          البكاء ليس مجرد فيض مالح يغسل المآقي، بل هو لغة الروح حين تعجز الأبجدية عن حمل الوجع. لهذا السبب تحديدا، لا أحب البكاء، فمن ذا الذي يعشق الحزن؟ ومن ذا الذي يفتح أبوابه للأحزان طواعية؟ البكاء قرين الانكسار، ومع ذلك قد أجد نفسي أحيانا في مواقف تفرض عليَّ هذا الفيض، مواقف بعضها مبرر وبعضها غامض، ينسكب فيها الدمع دون استئذان.

يخبرنا أطباء العيون أن الدموع ترياق مُطهر للعين، لكن هؤلاء يتحدثون عن البيولوجيا لا عن الأخلاق.. فالدمعة التي لا تنبع من صدق المحرقة لا تجلي بصرا ولا تطهر بصيرة. وكما أن هناك ضحكة صفراء تخرج باهتة من بين شفاه يابسة، هناك أيضا دمعة كاذبة تخرج بطلب من مخرج سياسي بارع، أو استجابة لغريزة البقاء في السلطة.

أتذكر تلك اللحظة التي شاهدت فيها عبر قناة “الجزيرة” رئيس وزراء لبنان الأسبق فؤاد السنيورة وهو يجهش بالبكاء في قمة عربية عام 2006.. يومها لم تلامس دموعه شغاف قلبي، بل أثارت في داخلي غضبا دفينا، إذ شعرت أن بكاء المسؤول أمام الكاميرات هو نوع من العجز المعلن الذي لا يليق بمن يحمل أمانة شعب…

لكن المفارقة حدثت لاحقا حين صادفته وجها لوجه في موسم أصيلة الثقافي، وجلست إلى جانبه وكانت معه زوجته. هناك وفي سياق إنساني بعيد عن ضجيج القمم، استمعت لمداخلته فلامست في نبرته صدقا لم تنقله الشاشات ووجدتني أتعاطف معه.

وهنا يكمن الفرق، فبكاء المسؤول في الفضاء العام غير مستحب. القائد يجب أن يكون حصنا، وإن غلبه الوجد فعليه أن يهرب بدمعه إلى زاوية مظلمة، يذرفها في خلوته بينه وبين ربه أو مرآته، لا أن يجعل منها استعراضا بهرجاويا أمام الجمهور. فرجل الدولة يُشترط فيه رباطة الجأش.. وما هو معروف أن البكاء يُحفظ للخلوة لا للمنصات الخطابية والمناورات السياسية.

 مصطلح “دموع التماسيح” هو ليس مجرد استعارة، بل هو مرجع تاريخي يعود لأسطورة قديمة تزعم أن التمساح يبكي وهو يلتهم فريسته تظاهراً بالندم..

وفي السياسة الحديثة استُخدمت الدموع كأداة بروباغندا قوية.. نذكر بكاء إيميلدا ماركوس زوجة ديكتاتور الفلبين، التي بكت أمام الكاميرات لغسل سمعة الفساد.. أو بكاء بيل كلينتون الشهير الذي وُصف بأنه تمثيل بارع للهروب من المآزق الأخلاقية، فضيحته مع مونيكا لوينسكي المتدربة في البيت الأبيض…

 لذلك صدق من قال إن دموع الضعف المصطنعة ليست إلا وسيلة لابتزاز الآخرين عاطفيا، خاصة حين تصدر عن سياسيين يحترفون اللعب على الأوتار الحساسة.

أما ما شهدناه في ما سمي بالمؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي عقد بمدينة الجديدة، فقد تجاوز حدود المنطق ليدخل في سريالية فجة…

لم يكن بكاء، بل كان انتحارا دراميا فاشلا.. لقد رأينا كيف انخرطت قيادات الحزب في جوقة جنائزية غريبة…

بكى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وتبعه رئيس البرلمان رشيد الطالبي العلمي، ثم انتقلت العدوى لرئيس الفريق البرلماني، وصولاً إلى رؤساء بلديات… إنه مشهد “رؤساء” يبكون بدموع متطابقة وكأنها خرجت من محجر عين واحدة!

لقد بكوا واستبكوا، محاكين في ظاهرهم وقفة امرؤ القيس في معلقته “قفا نبكِ”.. لكن شتان ما بين الثرى والثريا.. شاعرنا الجاهلي رغم عبثه كان صاحب موقف حين قال: “اليوم خمر وغدا أمر”… أما هؤلاء فلا غد لديهم سوى مراكمة الثروات.. ولا أمر يشغلهم غير النهب و”التفرقش” وتبادل الصفقات والمصالح الضيقة على حساب شعب يئن… نعم الشعب متألم يبكي، لكن دموعه ليست بماء، بل هي نزيف من القلب. ويبدو أنهم بعدما سلبوا الشعب كل شيء، لم يبقَ أمامهم إلا سرقة دموعه، لكن هيهات.. فدمع الفقراء والمظلومين لا يُحاكى ولا يُزوّر.

إن هذا البكاء الاستثنائي لم يكن سوى تمثيلية رديئة الإخراج، لن يخلدها التاريخ إلا كطرفة سياسية سمجة. والرسالة واضحة.. احتفظوا بدمعكم ليوم ستنضب فيه مآقيكم، يوم ستحتاجون فيه لدمعة حقيقية واحدة تنجيكم من لعنة التاريخ ولن تجدوها.

هل للفساد والظلم عين؟ وإذا كانت له عين، فهل تعرف الرأفة؟ الحقيقة المرة أنها عين شزراء، عين ذئب جائع لا يرى في الوطن إلا وليمة، ولا في المواطن إلا رقما… إنها عين وحش مفترس، مهما التهم من خيرات البلاد، يظل يحدق بشراهة ويقول: “هل من مزيد؟”.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!