ليلى شهيد.. رحيل البوصلة وبقاء الأثر

ليلى شهيد.. رحيل البوصلة وبقاء الأثر

 عبد الرحيم التوراني

           رحيل ليلى شهيد لم يكن مجرد خبرٍ عابر في شريط الأنباء، بل كان زلزالاً صامتا أشعل حزنا عارما امتد لهيبه ليحرق نياط القلوب…

 فاضت منصات التواصل الاجتماعي ومنابر الفكر بكلمات النعي التي كُتبت بدموع الأسى، وتدافعت عبارات الفقد من أفواه وأقلام مَن عرفوها عن قرب، أو استلهموا من كفاحها الحضاري الطويل…

 لقد بكت ليلى شهيد شخصيات بارزة، ومؤسسات ثقافية وسياسية عالمية، أجمعت كلها على أن هذا الغياب ليس مجرد رحيل جسد أضناه التعب، بل هو انكسار لبوصلة دبلوماسية فذة، كانت تعرف دائما وبلا مواربة وجهة الحق.

رحلت ليلى.. غابت.. وانتقلت إلى الرفيق الأعلى..

 أسلمت الروح لباريها.. لم تعد بيننا..

 توفيت.. وماتت…

 لا أعتقد أن لغات العالم قاطبة على اتساع قواميسها، تحتمل هذا الزخم الهائل من التعبير في وصف “الرحيل” كما تحتمله لغتنا العربية، فهي تزخر ببيان لا تحظى به لغات البشر، وكأنها في فجيعتها تُعدد المترادفات والأسماء إجلالا لعظمة المصاب…

 وكما قال الشاعر العربي القديم في حكمته الخالدة: “تعددت الأسباب والموت واحدُ.. مَن لم يمت بالسيف مات بغيره”..

غير أن الموت في جوهره يظل المرادف الوجودي للفراق الأبدي، وأقساه مرارة هو ذلك الذي ينتزع من بيننا الأحباب والأعزاء والرموز الذين ظنناهم عصيين على الأفول. 

***

لا ريب أن للموت حرمةً مهابة، واحترام الموتى هو في جوهره امتداد طبيعي لاحترام الأحياء وصون كرامتهم. ومن هذا المنطلق الجمالي والأخلاقي لم يرق للكثيرين الخوض في فرضية الانتحار، رغم أن السلطات الأمنية الفرنسية فتحت تحقيقا رسميا في ملابسات الوفاة، واستمعت لإفادات شريك عمرها الكاتب محمد برادة وشقيقتها والمقربين منها.

وعندما تناولت الصحافة الفرنسية الرصينة، مثل “لوموند” و”ليبراسيون”، هذا الخبر، فعلت ذلك من باب الأمانة المهنية، ناقلةً عن المصدر الأصلي السيدة زينة شهيد، ومُشيرةً بوضوح إلى أن الراحلة كانت تخوض معاناة مريرة وطويلة مع مرض عضال استنزف طاقتها الجسدية والنفسية.

تقديرا مني لهذه الحرمة، وتفاديا لأي تأويلٍ قد يخدش مقام الراحلة الكبيرة، عمدتُ إلى حجب التدوينة المقتضبة التي كنت قد نشرتها في سطرين على صفحتي في فيسبوك، والتي لم تكن سوى إشارة لما أوردته “لوموند” من احتمالات حول السبب المباشر للوفاة…

 لقد كان وقع الخبر صاعقا، فصديقي الكاتب والمترجم المعطي قبّال كان سباقا لنشر النعي من الجنوب الفرنسي حيث يقيم قريبا من سكن ليلى وزوجها، بعدها تواصلت هاتفيا مع قبال فأكد لي تفاصيل الفقد، مما ضاعف من وطأة الحزن في نفسي.

***

تقاعدت ليلى شهيد رسميا في منتصف العقد الثاني من الألفية، وهي رفيقة درب الكاتب الناقد والروائي محمد برادة، أشهر من ترأس اتحاد كتاب المغرب عبر تاريخ هذه الهيأة الثقافية…

حاولت ليلى أن تبحث عن السكينة في الرباط، وكانت تتوق للاستقرار في مسقط رأسها بيروت، لكن طبول الحرب والأوضاع الأمنية في لبنان حالت دون ذلك الحلم الصغير، فعادت إلى هدوء إحدى قرى الجنوب الفرنسي.

رغم انسحابها من المناصب، لم تنسحب ليلى من القضية، بل ظلت صوتا مؤثرا وهادرا في أوروبا، مدافعةً بشراسة عن فلسطين.

إلا أن كآبتها الوجودية تعمقت مع اندلاع المجازر الأخيرة في غزة.. وكما دوّن الصديق المقرب للأسرة الدكتور محمد الداهي، فإن حالة ليلى النفسية تدهورت بشدة في السنتين الأخيرتين، إذ لم يحتمل قلبها الرقيق مشاهد الإبادة والوحشية التي تُرتكب ضد العزل…

 لقد لخصت المشهد بمرارة في تحذيرها الأخير عبر حوار أجرته معها صحيفة “لومانيتي”:

 “في تاريخ فلسطين، تُعد هذه الفترة واحدة من أسوأ الفترات.. إنها كارثة إنسانية بكل المقاييس”…

 ووجهت صرختها الأخيرة للعالم الذي يشاهد الأطفال يموتون جوعا، واصفةً المجتمع الدولي بـ “الجبن”، شاملةً في نقدها القاسي العرب والأوروبيين والأمريكيين على حد سواء.

رحلت ليلى شهيد، وبقيت كلماتها الصادقة، وابتسامتها التي كانت تشرق حتى في أحلك الظروف، وإيمانها الذي لا يتزعزع بعدالة قضيتها…

 إن تعويض قامة بحجم ليلى شهيد ليس بالأمر الهين، فحضورها الاستثنائي وثقلها الفكري ونبل كفاحها الدبلوماسي الذي جمع بين الرقة والصرامة، كلها ثغرات في جدار الدفاع عن الحق الفلسطيني يصعب أن تُسد من جديد…

 وداعاً ليلى شهيد، أيتها الروح التي لم تساوم قط.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!