“لا أريد أن أرى”.. بصيرةُ الغريب في ثنايا الذاكرة والمنافي

“لا أريد أن أرى”.. بصيرةُ الغريب في ثنايا الذاكرة والمنافي

إصدارات:

          تشكّل المجموعة القصصة “لا أريد أن أرى” للكاتب اللبناني خالد بريش تجربة قصصية مغايرة تتغذى من شريان الذاكرة اللبنانية المثقلة بالتحولات، وتستحضر حياة المغترب برؤية تتأرجح بين المشهدية السينمائية والتأمل الفلسفي.

يُرسخ العنوان نوعاً من الاعتراض البصري، فهو ليس استسلاماً للعمى، بل رغبة واعية في إغماض العين عن واقع مشوه، أو ربما هو انكفاء نحو الرؤية الداخلية الأكثر نقاءً. هذا الموقف الوجودي ينسحب على أبطال المجموعة، الذين يقفون غالباً على حافة المشاهدة، في محاولة مستمرة لاستيعاب الخراب أو النجاة منه.

تتحرك النصوص داخل فضاءين متناقضين في الظاهر، متكاملين في الوجدان:

بيروت، التي تحضر كخلفية حية للذاكرة، وأوزار الحرب، وتعقيدات العلاقات الاجتماعية، وحنينٍ يرفض الأفول.

وباريس، التي تتجلى كمنفى اختياري، وفضاء للمراقبة الهادئة، حيث يقتنص الكاتب تفاصيل اليوم المعاش بعين “الغريب” القادر على تخليد الهامشي والعابر.

يتسم أسلوب بريش بالتكثيف المختزل، محيداً الثرثرة اللغوية لصالح الجملة الرشيقة التي تمنح القصص نَفَساً حداثياً. وتبرز في نصوصه اللقطة السينمائية، فتتحول القصص إلى سكيتشات بصرية تركز على التفاصيل الدقيقة كحركة يد أو نظرة عابرة، جاعلةً منها مركزاً للحدث. كما تتدفق السخرية في ثنايا السرد لا بقصد الإضحاك، بل لتعرية التناقضات الإنسانية بتهكم ناعم ومرير.

تتمحور المجموعة حول تساؤلات إنسانية كبرى، أبرزها الاغتراب الذي يتجاوز البعد الجغرافي ليمسّ اغتراب الذات عن الآخر في زمن التكنولوجيا والوحدات القاتلة.

وترميم الذاكرة عبر استحضار شظايا الماضي اللبناني ومحاولة رتقها بفعل الحكي.

والبطل الرائي، حيث يظهر بطل بريش كمُشاهد يتأمل المارة وتحولات الشارع، ما يمنح العمل طابعاً تأملياً عميقاً.

“لا أريد أن أرى” صرخة هادئة في وجه القبح، ومحاولة أدبية رفيعة لاستعادة الجوهر الإنساني في عالم يغرق في الضجيج والعماء. لقد نجح خالد بريش في صياغة قصص لا تنتهي بقلب الصفحة الأخيرة، بل تترك خلفها أسئلة معلقة حول جدوى الرؤية، وكلفة الصمت، ومعنى الانتظار.

يمثل الكاتب خالد بريش جيل المثقفين الذين جمعوا بين صرامة العمل الصحفي ورهافة الحس الأدبي، وقضى عقوداً من حياته في المهجر، وتحديداً في العاصمة الفرنسية باريس، مما أضفى على كتاباته مسحة من “أدب المنافي” الهادئ.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!