رحلة تتعدى ليالي الرصاص

رحلة تتعدى ليالي الرصاص

علال بنور

         لا شك أن كتابات السجون تتميز بعدة خصائص، تختلف عن باقي الكتابات الإبداعية بما فيها السير الذاتية وغيرها من الكتابات، ومن خصائصها تجمع في التجربة بين الفردي والجماعي والواقعية في نقل التجربة الفردية والجماعية من داخل أسوار السجن، بآلامها المادية والنفسية، كما أنها تتميز بعمق تناول قضايا إنسانية، وتعتبر مادة وثائقية تاريخية تساهم في كتابة تاريخ السجون من داخل أسوارها. كما تتميز بفعل المقاومة لحماية الذات، في التعبير عن الأمل، تحمل الألم بكل تصنيفاته، فهي ليست ترفيها ولا ملأً للفراغ القاتل في الزنازين، بقدر ما هي تسجيلا للذاكرة المعروفة بتعرضها للنسيان. لذلك، الكتابة عن تجربة السجن تعتبر حفظا للذاكرة من النسيان. يقدم لنا هذا النوع من الكتابة صورا واقعية عن الحياة اليومية من داخل السجن، فيها تطرح قضايا انسانية كاغتصاب الجسد وإعدام الحقوق من الحرية والكرامة. عموما تعتبر كتابة السجون ذاكرة جماعية، تساهم في بلورة الوعي المجتمعي. لذلك يقول نورالدين سعودي في الصفحة الأولى من كتابه ” من أجل الذاكرة ومن أجل ألا تتكرر أبدا، هذه التجربة” بعد أن سرق منه النضال 10 سنوات من عمره من 1974 إلى 1984 م.

1/ هندسة الكتاب

  ينقسم الكتاب au-delà Des nuits De Plomb” VOYAGE ” إلى تمهيد ومقدمة و46 عنوانا في موضوع تجربة السجن الفردي والجماعي، يجمع زوايا مثلث الجحيم، من زمن المطاردة والاعتقال ومعاناة الأسرة إلى زمن درب مولاي الشريف، حيث بداية حصص التعذيب إلى زمن سجن غبيلة حيث الاستراحة المؤقتة، إلى زمن السجن المركزي بمدينة القنيطرة. يحكي الكاتب تجربة جماعية، التي كان فيها فاعلا وموضوعا. نعتبر الكتاب وثيقة تاريخية لتجربة نضالية من أجل الشعب، يفتح لنا كتاب نور الدين سعودي عالما لا يعرفه إلا من خبر تجربة السجون، بظلامها وآلامها، ينتقل بنا الكتاب في السرد بالألم لمعرفة ما جرى عبر مثلث الجحيم، لكل محطة حصص تعذيبها. دام السفر في المجهول من 1974 إلى 1984 عشر سنوات من السؤال والتجربة والألم ومعاناة الأسرة. العديد من المعتقلين السياسيين السابقين يقرون أنهم ضد عقلية الانتقام، ولكنهم يعتبرون من الضروري الوقوف على كشف الحقيقة والمسؤوليات، ليس فقط للمعتقل بل للأجيال والتاريخ، كما يلزم الاعتذار وضمان عدم الاستمرار والعودة لقتل حرية التعبير عن المواقف والآراء السياسية. صدر الكتاب في طبعة ثانية باللغة الفرنسية سنة 2025 م عن المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش. في نسخة بغلاف جميل من ابداع علي سعودي (شقيق المؤلف) بلون يميل إلى لون الفجر الصباحي، تتوسطه نافذة بشباك حديدي مقفل وخارجه حمامة تستعد للتحليق، كما تظهر أغصان شجرة مخضرة، كل هذه الرموز لها دلالة تلخص ثنائيات الاعتقال والحرية والموت والحياة.

2/ اضاءات حول الكتاب

  في قراءة تأملية لكتاب  au-delà Des nuits De Plomb” VOYAGE ” تجعلنا نعيش لحظة بلحظة مأساة الكاتب وأسرته، بل مأساة جميع رفاقه. لذلك نعتبر الكتاب من المذكرات الجماعية للمعتقلين السياسيين لجيل نورالدين سعودي. فهو عندما يتحدث عن التجربة ليس بشكل فردي بل بشكل جماعي، يشرك رفاقه في السجن بنفس المعاناة. يعد الكتاب بحق، تجربة في الكتابة السجنية ليس بالوعي الذاتي بل بالوعي الجماعي، يعبر عن السلوك والهموم اليومية، كما يعبر عن النقاش في اختلاف المواقف التي تصب في وحدة القضية التي يتقاسمها الجميع. لذلك، نعتبر الكتاب، لا يخص الكاتب وحده بل هو تجربة معاناة مواقف جماعية مع بعض الاختلاف. يغوص بنا الكتاب في عالم من حصص التعذيب بتنوع وسائلها من التعذيب الجسدي إلى النفسي والحط من الكرامة بالكلام النابي. في محاولة لطمس الهُوية في اختصارها برقم.

 يبتدئ الكتاب، بإعطاء صور للحراك التلاميذي والطلابي برفقة الأساتذة، الذي ارتبط بالسياق الدولي فكريا وسياسيا، مع موجة الحراك. بذلك يعتبر الكتاب وثيقة تاريخية كان منطلقها أحداث 23 مارس 1965 ثم تلتها أحداث السبعينيات من القرن الماضي. عاش الكاتب منذ اعتقاله وهو طالب بالمعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات (ISCAE) معاناة نفسية وجسدية، لم تختلف حدتها بين ثلاث محطات من التعذيب من درب مولاي الشريف إلى غبيلة إلى السجن المركزي بالقنيطرة، الذي حوله الكاتب ورفاقه إلى فضاء فيه حياة اجتماعية مستقرة إلى حد ما، تنعم بالتعليم والقراءة والكتابة والرياضة وأنشطة أخرى.

الحياة مع الأسرة قبل الاعتقال

  عاش الكاتب حياة سوية مع أسرته من الطبقة الوسطى ذات اتجاه يساري، يتردد على المراكز الثقافية بمكتباتها، خاصة المركز الثقافي الفرنسي بالدار البيضاء، مع المتابعة اليومية للجرائد بما فيها الصادرة بفرنسا، كان لها أثر قوي في تكوينه الثقافي الأدبي والفلسفي والسياسي، يستحضر المجلات المغربية مثل أنفاس ولاماليف، كما يستحضر مسرح الطيب الصديقي والمجموعات الغنائية ناس الغيوان وجيل جلالة. ومن أنشطته مارس الرياضة وتردد على دور السينما والثقافة والنادي السينمائي وخرجات النزهة. انخرط في إطار الحركة الماركسية اللينينية في بداية السبعينيات من القرن الماضي، الشيء الذي أهله للانخراط بسلاسة في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب عند التحاقه بالمعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات (ISCAE)، تحمل فيها مسؤولية الكاتب العام للتعاضدية (سنة اعتقاله).

  اثناء عملية السرد، نجد الكاتب يوظف التغذية الراجعة للحديث عن علاقته بالأسرة، ارتباط الوالدة بأبنائها شد الارتباط، لم يكن الأب تقليديا، بل كان منفتحا، ترافقه الأم إلى قاعات السينما، ومن هِواياته جمع صور نجوم السينما والغناء المصري، وفي كل نهاية شهر يكتري الأب آلة عاكسة لعرض الأفلام من نوع شارلي شبلان والأفلام الفرنسية. كما كان يحتفل بعيد ميلاده، شارك في فيلم فرنسي كسائق حافلة. ساهمت الوالدة في برنامج أطفال في القناة الثانية. في ظل ذلك، عاش الكاتب حياة أسرية تنبني على السلوك الديموقراطي بين الحق والواجب، يسودها التضامن وتقسيم الأدوار داخل الأسرة في إطار تربية تسودها الديموقراطية.

الالتحاق بالمعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات بالدار البيضاء

    بعد حصول الكاتب على الباكالوريا بثانوية محمد الخامس، التحق بالمعهد في الموسم الجامعي 1971/1972 كفوج أول للمعهد. فكتف من نشاطه النقابي والسياسي بانتمائه للاتحاد الوطني لطلبة المغرب والحركة الماركسية اللينينية. كاد أن يكون ثمن الإضرابات بالثانوية سنة بيضاء عند اجتياز امتحانات الباكالوريا.  يتذكر إضرابات 1963 – 1971 ويتذكر أساتذته بكفاءاتهم العالية في التدريس والتكون والأخلاق، كان لهم دور في تكوينه المعرفي والمنهجي. كما يتذكر أحداث 23 مارس 1965. واصفا الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للشعب وحرمان العديد من التلاميذ من متابعة دراستهم بسبب مذكرة وزارية تحدد سن التمدرس، لذلك خرج التلاميذ إلى شوارع الدار البيضاء، للتعبير عن سخطهم من النظام التعليمي النخبوي، هذه الأوضاع رافقت الكاتب إلى ساحة المعهد. وما راكمه من قراءاته وأنشطته في الأندية السينمائية. ارتبطت ثقافته من المرحلة التلاميذية إلى مرحلة التعليم العالي بالمعهد، بسياق دولي ووطني مع موجات التحرر والحراك الطلابي بفرنسا وأمريكا اللاتينية والصين ويوغسلافيا، مع الفكر والثقافة الاشتراكية في إطار الماركسية اللينينية بين الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. تتقاطع تلك الحركات التحررية، في ارتباطها بالقضية الفلسطينية، التي شكلت قضية مركزية في صفوف التلاميذ والطلبة بالثانويات والمعاهد العليا، وكليتي فاس والرباط، مرورا من المراكز الثقافية والأندية السينمائية. كما عرفت موجة (الهيبي) المتمردة على قيود النظام الرأسمالي، في ارتباطها مع الحركات التحررية، ولم يخرج الحراك التلاميذي والطلابي عن هذا السياق.

ليلة الاعتقال ومعاناة الأسرة

  طال البيت، عملية التفتيش والترصد في الشارع المؤدي إلى المنزل من طرف البوليس، مما جعل الكاتب يطرح أسئلة، من قبيل من المستهدف أنا أم أسرتي؟ لماذا زوار الليل يعنفون أسرتي بسؤال جواب؟ كان الاعتقال ليلة عيد الأضحى الذي يتميز بطقوس دينية، يبدو أن زمن الاعتقال كان مقصودا، الشيء الذي حرم الأسرة من تلك الفرحة، فارتبط العيد بالحزن والمعاناة في البحث عن الابن بين مخافر الشرطة لمدة ثمانية أشهر، تُختزل في سؤال / جواب ووعود كاذبة حول مكان تواجد الابن. عاشت الأسرة خلال تلك الأشهر تراجيدية كفكاوية لم يتوقف زمن معاناتها إلا بعد خروجه من درب مولاي الشريف. مع الاعتقال في “الدرب” طبخت محاضر بأجوبة لم تطرح لها أسئلة، خاصة أن الكاتب، كان يتحمل مسؤولية الكاتب العام للتعاضدية بالمعهد، والتي لم يتم حظرها إلا في بداية 1973. لم تتوقف الأسرة عن المساندة والبحث عن سُبل العتق. نظمت الأم مع عائلات المعتقلين وقفات احتجاجية أمام البرلمان، وشاركت في اعتصام بمقر هيئة الأمم المتحدة بالرباط، حين كان المعتقلون يخضون إضرابا عن الطعام دام 45 يوما لتحسين أوضاعهم ومن نتائج هذه النضالات والوقفات حضر إلى السجن لجنة التقصي مكونة من البرلمانيين.

حصص التعذيب في مثلث الجحيم

  يغوص الكتاب في عالم من حصص التعذيب بأنواعه ووسائله وطرقه، من التعذيب الجسدي إلى النفسي إلى الحط من الكرامة بالكلام النابي. يعطي الكتاب وصفا دقيقا لطرق ووسائل التعذيب، بدءاً من تعرية الجسد وتعصيب العينين وتصفيد المعصمين، لتبدأ حصص الضرب والتعليق وإطفاء أعقاب السجائر على الجسد، مع طمس الهُوية، فيحول الجسد إلى رقم ينادي به الجلاد على السجين، مع منع الكلام معه أو مع الرفاق في  السجن المدني المعروف ب “غبيلة”، انتهت معه حصص التعذيب، لتبدأ حصص الإهانة والحط من الكرامة، لذلك يسميها الرفاق ب ” مقبرة الاحياء”. يقول الكاتب في (ص 108) “لأول مرة في حياتي وجدت ذاتي منقطعا عن العالم، منعزلا عن الواقع الاجتماعي …أفترش وأتغطى بأغطية نثنه مملؤة بالقمل”. ومن التحديات التي تجاوز بها قساوة “الدرب”، يشير الكاتب في (ص 123) ” التحدي الرئيسي الذي انتزعته ككائن بشري من مستنقع التعذيب، هو الحفاظ على كرامتي”. إنها معركة حقيقة صامتة شكل فيها ” الدرب” مقبرة للأموات أحياء.

  عاش الكاتب طيلة الاعتقال كباقي رفاقه معاناة مع نوعية الأكل، الذي لا يرقى إلى مستوى الإنسان، ترافقه معاناة نفسية وجسدية طيلة محطات الاعتقال، من الدرب إلى غبيلة. بدون توقف، المعاناة مع الرطوبة المفرطة وانتشار القمل، يُفرض الاستحمام مرة واحدة في الشهر.  ولم تقِل حدة المعاناة إلا في المحطة الأخيرة بالسجن المركزي بمدينة القنيطرة، الذي حقق فيه الكاتب ورفاقه بعض المكتسبات، بعد الإضراب عن الطعام الذي دام 45 يوما، ومعه أُنهكت الأجساد، فحول الرفاق، السجن إلى فضاء يسوده نظام تشاركي في الأكل والقراءة وتعلم اللغات والكتابة والرياضة وحلقات النقاش. 

تجربة السجن بين سجن غبيلة والسجن المركزي بالقنيطرة

  يقدم الكاتب وصفا دقيقا لظروف الحياة في ثالوث الجحيم، من “الدرب” إلى غبيلة إلى السجن المركزي، كان الترحيل من “الدرب” إلى غبيلة يوم 24 غشت 1975، بمعنى أن الكاتب أمضى ثمانية أشهر من التعذيب ب “الدرب”. فاعتبر الكاتب ورفاقه أن الترحيل إلى غبيلة نوعا من نصف الحرية، معتقدين أن الوضع سيكون كما كان عليه في السابق، نفس الزنزانة برطوبتها وحشراتها نفس الأغطية والأفرشة بالبق والقمل، ومن المكتسبات التي حققها الرفاق، مساحة الفسحة، امتدت صباحا من 8:30 إلى 11:30 وزوالاَ من 14:30 إلى 17:30، يمنع فيها الكلام والجلوس والجري، فقط يُسمح بالمشي بخطوات كبيرة، ولا يُسمح بالخروج جماعة. قُسم 79 معتقلا إلى مجموعات، كل واحدة تضم 20 معتقلا للخروج إلى الفسحة بالتناوب. يُمنع ادخال الأقلام والأوراق والكتب بما فيها القرآن (ص152). وبعد معارك نضالية سُمح بإدخال أدوات الكتابة والقراءة، وليس كل أنواع الكتب. يقول الكاتب (ص 154) ” أتذكر طيلة الأشهر الأولى بحلولنا سجن غبيلة من بين الهوايات التي كنا نتسلى بها، نسجنا شبكات الكلمات المتقاطعة”. مثل هذه الأنشطة الذهنية لها أهميتها في خلق التوازن النفسي وغذاء للقدرات الذهنية، تتممها ممارسة الرياضة في الساحة والزنزانة، كما كانوا يتقاسمون الغناء، كل واحد يقلد مطربا، أحيانا يكون ثمن الغناء (التعلاق بالفلقة) بحصص متقاربة، تُعبر عن سادية السياسة السجنية المتبعة ضد السجناء السياسيين على الخصوص. ترتب عن هذا المنع مطالبة مدير السجن بمدهم بنص قانون لمعرفة حقوق وواجبات المعتقل. ومن المعيقات التي عانى منها الجميع، الحاجز الحديدي والحديث الجماعي بأصوات مرتفعة وانصات الحراس، أثناء زيارة الاسرة. ورغم ذلك، تمنحهم الزيارة شحنة من الصبر للاستمرار في الحياة.

  دخلت مجموعة 79 ،التي ينتمي إليها الكاتب في إضراب غير محدود عن الطعام، ومن عجائب الاجتهاد، اتفقوا على أن تكون الإنجليزية  لغة التواصل، لكي لا يفهم الحراس ما يجري بينهم ،فكان للإضراب الذي دام 10 أيام، مكاسب منها :تمديد زمن الفسحة والزيارة .يتطرق الكاتب  للأحداث بتفصيل لإيصال الخبر في جزئياته إلى القراء، فعند الحديث عن الصوم في شهر رمضان، كأنه ُيبلغ رسالة لتقول: ليس كل اليساريين ملاحدة ورد في (ص166) “هكذا هم مناضلو الحركة الماركسية اللينينية المغربية، يتخذون أُولى خطوات النضال، الإضراب عن الطعام، كوسيلة للصراع في حضن المعتقل ابتدأتها  مجموعة 1972 وتبعتها مجموعة  1973 “

  كما يتحدث الكاتب عن تجربة كتابة الرسائل للأسرة، التي اعتبرها الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الذات، غير أنها كانت تحت المراقبة، لم يُسمح بالكتابة عن الرأي السياسي ولا عن الوضع المعيشي داخل السجن. يؤكد الكاتب، أن الكتابة في السجن هي امتداد لاهتمامه بالثقافة منذ أن كان تلميذا بالثانوي، كان حلمه أن يكون كاتبا، لذلك، الكتابة من داخل السجن، شكلت – كما أشار الكاتب – خطوة أُولى نحو الصحافة، وهي المهنة الأُولى التي مارسها فيما بعد، إلى جانب البحث العلمي، كتابة وتدريسا. تُوجت قراءاته وكتاباته داخل السجن بحصوله على دبلوم المعهد العالي الذي اعتقل منه، وحصوله على شهادة الإجازة تخصص تاريخ. يشير الكاتب في (ص 168) “ومن الذكريات التي لا زلنا نحتفظ بها، تجربة الحياة الجماعية، من الأنشطة الثقافية، نظمنا أياما تكوينية بيننا نحن الأربعة في مواضيع سوسيولوجية، كل واحد منا تكلف بدراسة فصل من كتاب للتحليل والتقديم والعرض للمناقشة”.

  وهكذا دخل الكاتب في تجربة متابعة الدراسات العليا فهيأ للامتحانات لنيل دبلوم المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات، لذلك ُرخص له للانتقال إلى الزنزانة رقم 24 للالتحاق برفيق، له نفس الاهتمام، وفي سنة 1976 أنهى كتابة بحث التخرج بعنوان:” تمويل القطاع الثانوي بالمغرب”. يوم 7 مارس 1977 رحل الرفاق من غبيلة إلى السجن المركزي عبر شاحنة عسكرية، كان من نصيب الكاتب زنزانة ذات مساحة 2،30 م على 1،50م مع فراش سُمح له بسكن في ظروف أحسن من معتقل غبيلة، كما أن الظروف الغذائية تحسنت، مع تمديد زمن الفسحة ما بين 5 و15 د في الصباح، ثم تحولت إلى ساعة واحدة في الصباح وأخرى في المساء. ومع ذلك يؤكد الكاتب، يبقى السجن المركزي مقبرة للأحياء. ومع مرور الوقت، كوّن الكاتب ورفاقه لجنا وظيفية تتوزع فيها الأدوار، لجنة التغذية ولجنة المكتبة ولجنة الاخبارعبر مذياع يلتقط الاخبار من محطات إذاعية كفرنسا ولندن والمغرب والجزائر وليبيا وميدي 1. يتكلف الكاتب بوضع تقارير إخبارية يقدمها للرفاق في كل صباح وفي سرية تامة بعيدا عن أعين الحراس. هذه العملية دامت من 1977 إلى 1981 في زمن كان ممنوعا فيه المذياع. هذه التجربة، شكلت للكاتب بداية العمل الصحافي، حينما كان يتكلف بوضع برنامج لتوزيع الكتب والصحف والمجلات مع إعطاء ملخص للأخبار، دامت هذه العملية في السنوات الأولى من السجن المركزي. (ص 196) دخلوا في اضراب اللّامحدود، ابتداء من 8 نونبر 1977 لتحقيق مطالب حقوقية منها: الحصول على المذياع والكتب والجرائد والمجلات، كما طالبوا بإمكانية نشر بحوثهم ومتابعة الدراسة وتحسين التغذية والزيارة والتمريض ووضع نهاية للسجن الانفرادي والجمع في حي واحد.

  عانى الكاتب من غيبوبة بسبب الاضراب عن الطعام، فتدهورت صحته وتناقص وزنه، كان لإضراب 45 يوما مكتسبات منها: تحسين التغذية ومدة الفسحة 3 ساعات في الصباح ومثيلتها في المساء، السماح بالحصول على الكتب والمنشورات، هذه المكاسب رفعت من معنوياتهم. فتبنت منظمات وجمعيات دولية غير حكومية قضيتهم منها: امنيستي وجمعيات حقوقية من فرنسا وألمانيا وأستراليا وهولندا والنمسا…

   استغل الرفاق تخصصاتهم، للقيام بعدة انشطة منها: غراسة الأحواض على جنبات الساحة وتربية الطيور كما استغلوا علب المصبرات في صناعة الأواني لإعداد القهوة والشاي والنسيج والرسم، تلك الأنشطة الابتكارية، كان لها وقع إيجابي في حياة المجموعة. وفي نفس الوقت، قام الكاتب بإنجاز دراسة تحت عنوان ” المغرب في القرن 19م بين بلاد السيبة وبلاد المخزن ” كموضوع لنيل الإجازة في التاريخ خلال الموسم الجامعي 1983/ 1984. كما قام صحبة الأديب عبد القادر الشاوي بترجمة كتاب ” المغرب حصيلة الاستعمار ” لألبير عياش صدر عن دار الخطابي سنة 1985م.

نهاية التراجيديا

  بعفو ملكي، خرج الكاتب رفقة 40 من رفاقه يوم 24 غشت 1984 م عند وصوله إلى مدينته الدار البيضاء كبرت عليه بمعمارها وشوارعها وضوضائها، وهو الذي تعود على الهدوء بالسجن المركزي. يقول: عرفت المدينة سرعة في تحولاتها الاجتماعية، كإدماج المرأة إلى جانب الرجل للعمل في جميع المرافق الاجتماعية والاقتصادية. لم يكن يتوقع أن مدينته ستغير من مورفولوجيتها، بعد غيابه في العدم، الذي أخذ من عمره 10 سنوات. دخل الكاتب في عالم العطالة والبحث عن وظيفة، وهو الحامل لشواهد عليا، قبِِل أول شغل مصححا في مجلة، بفضل نادية برادلي، ثم اقترحت عليه الالتحاق بهيئة التحرير، بعدها انتقل للتدريس في التعليم العالي، حصل على جواز السفر سنة 2000 م.

   يصعب في مقالة، استعراض كل ما جاء في الكتاب من أحداث وتحولات، لذلك اقتصرت على بعض الجوانب التي تعكس تجربة السجن. نعتبر أن القراءة والتلخيص لأي عمل، ما هو إلا تقريبا للرؤية مع تقزيم للكتاب.

شارك هذا الموضوع

علال بنور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!