الصمت بين الامتناع وإعادة التشكل
المختار عنقا الادريسي
تمهيد مفاهيمي:
غالباً ما يُفهم الصمت على أنه حالة سلبية، تُحيل على غياب الكلام، وهو تصور يختزل ظاهرة مركبة تتجاوز البعد اللغوي إلى بعد أنطولوجي وأخلاقي. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الصمت باعتباره فعلاً وجودياً يسهم في تشكيل علاقة الذات بنفسها من جهة، وبالعالم من جهة ثانية، الشيء الذي يدفعنا إلى القول بأن ذاك “التحول” لا يقع على مستوى اللغة فحسب، بل حتى على مستوى البنية الداخلية للوعي.
1- الصمت والقطيعة مع الضجيج الداخلي
لا يتمثل الضجيج في الخارج فقط، بل يبدو حتى في التوترات النفسية المتراكمة والضربات المتلاحقة، من خلال: الرغبة في التبرير، البحث عن الإقناع، الخوف من سوء الفهم، الحاجة إلى الاعتراف، عدم القدرة على التحمل، وما إلى ذلك.
فيصبح الصمت -بامتياز- لحظة تفكيك للازدحام الداخلي، الأمر الذي ينسجم مع ما يذهب إليه “جلال الدين الرومي” في قوله: 【 لا يُفهم الصمت كفراغ بل كأفق كشف 】. فيكون الصمت قريباً من فكرة التعليق أو الإرجاء التي تسمح للذات بإعادة ترتيب الوعي قبل إصدار أي حكم أو اتخاذ أي قرار. ومنه ننتهي إلى خلاصة تتحدد في اعتبار الصمت ممارسة نقدية للذات، أولاً وقبل كل شيء.
2-الصمت وإعادة كتابة الذاكرة
في البدء، أجدني ملزماً بالجمع بين خيوط ثلاثة: الذاكرة باعتبارها خزاناً للخبرات، والصمت بوصفه موقفاً أخلاقياً ومعرفياً، والعقل بكونه أداة تنظيم وانتقاء. فأخلص إلى القول بأن مركز الذاكرة هو الحيّز التأملي الذي تتفاعل فيه -ومن خلاله- الخبرة مع الصمت المعقلن، فتتحول الوقائع إلى وعي، والألم إلى حكمة، والضجيج إلى معنى.
وعليه، فإن مفهوم الذاكرة يتجاوز تسجيل الوقائع، لأنها إعادة تمثيل مستمرة لها. فيصبح معها الصمت أداة لإعادة تأويل ذاك الماضي بكل حمولته، وعلى حد تعبير “مارسيل بروست” فإن: 【 استعادة الزمن لا تتم إلا عبر مسافة تأملية】، مسافة لن تتحقق إلا عبر بوابة الصمت الذي يمنع التفاعل الانفعالي المباشر مع الذاكرة، ويتيح إعادة صياغتها. فيحصل التوازن بين الذاكرة كقوة استدعاء، والصمت كقوة ضبط، والعقل كقوة توجيه. وعطفاً على ما تقدم، فالصمت هنا -والحالة هذه- ليس نسياناً، بل هو إعادة بناء معقلن للمعنى.
3-الصمت بين الكرامة الأخلاقية وشروط الحكمة
لم يكن الصمت يوماً غياباً للكلام، بل هو حضور من نوع آخر، واعتراف بأن اللغة مهما اتسعت، فقد تعجز أحياناً عن حمل المعنى. يتخذ معها الصمت موقفاً دقيقاً، أشبه بخيط رفيع بين النبل والضعف، بين الرقي والانكسار.
ففي لحظات الإساءة أو الظلم أو الابتذال، يكون الصمت موقفاً لا تراجعاً، لأن الكرامة الأخلاقية لا تعني الرد على كل استفزاز، بل تعني الارتقاء عن كل ما يُفقد الإنسان توازنه الداخلي. الأمر الذي أشار إليه “أرسطو” عندما ذهب إلى أن الفضيلة هي (الوسط العادل) بين الإفراط والتفريط. وفي هذا السياق يكون الصمت وسطاً بين الثرثرة المهينة والإسهال الكلامي والصراخ العدمي.
إنه -باختصار- الصمت الحكيم، الضبط للنفس، الامتناع عن الانزلاق، الإصغاء للآخر وللذات وللظروف، إنه تعليق مؤقت لإصدار أي حكم حتى تتضح الصورة. وبالتالي فهو فعل قوة داخلية، وسيادة على الذات. فإذا كانت الكلمة المتعجلة مؤهلة لِتَظلم، فإن الصمت المتأمل بوابة للفهم وفرصة للنضج الذي لا يمكن أن ينمو في الضجيج الدائم، فهو في أمسّ الحاجة إلى مسافة، إلى تأمل، إلى إصغاء عميق.
وقديماً ذهب “ابن رشد” في ربطه بين العقل والبرهان، إلى تذكيرنا بأن الحكمة لا تُبنى على ردود الأفعال، بل تقوم على التفكير المنهجي. وأمامه يكون الصمت هو زمن التهيؤ للفكرة الناضجة، وليس انسحاباً من ساحات الفعل، وهو مسافة نقدية تفصل بين الانفعال والتقرير، وبين الحدث وتأويله، واستعداداً للسير باتزان وتعقل في متاهات أي رد فعل.
خاتمة: أخيراً، فالصمت في مختلف أبعاده وتجلياته ليس مجرد موقف تواصلي، بل استراتيجية وجودية. إنه لحظة تفكيك وإعادة تركيب، لحظة عبور من الارتباك إلى التبصر. وبهذا المعنى فهو ليس نهاية الكلام، بل بدايته الأكثر نضجاً.
