من الزعيم إلى الجماعة: هندسة الخوف والانتماء
د. زياد منصور
الانقسام يبدأ عندنا من البنية نفسها. إذ يولد الفرد في لبنان وهو محكوم بانتماء طائفي يحدد مساره الاجتماعي والسياسي منذ اللحظة الأولى. بات معلومًا لأن المواطن أو الفرد لا يعيش كفرد مستقل، بل كامتداد لجماعة، وكأن الهوية الشخصية تُختزل في الطائفة. في هذا السياق، لا يكون الاختلاف مجرد تنوع، بل يتحول إلى حدود فاصلة، وأحيانا إلى خطوط تماس غير مرئية لكنها حاضرة في كل تفاصيل الحياة.
في المدن، كما في القرى، يظهر التباين الصارخ بين مناطق تُعرّف نفسها بهوية طائفية محددة، فتغدو الجغرافيا انعكاسا مباشرا للانقسام. يكفي أن تُسأل “من أين أنت؟” ليتحدد موقعك الاجتماعي، لا جغرافيا فقط، بل سياسيا وثقافيا. أما الدولة، فبدل أن تكون إطارا جامعا، تتحول إلى مساحة تقاسم بين القوى الطائفية، حيث تُوزّع المؤسسات كما تُوزّع الغنائم: وظيفة هنا مقابل ولاء هناك، خدمة مقابل صوت انتخابي.
في الحياة اليومية، تظهر الطائفية بأشكال أكثر دقة وأشد تأثيرا. في سوق العمل، لا يُسأل المرشح دائما عن كفاءته بقدر ما يُسأل بشكل غير مباشر عن انتمائه. في الإدارات العامة، تتكدس الملفات أو تُسرّع بحسب “المرجعية”. في الجامعات، تُبنى شبكات علاقات على أساس الانتماء قبل الاختصاص. حتى في القطاع الخاص، حيث يُفترض أن تسود المعايير المهنية، تتسلل الاعتبارات الطائفية عبر قنوات غير معلنة: توصية من زعيم، أو حماية من حزب، أو “واسطة” تُفتح بها الأبواب المغلقة.
صناعة الخوف والهوية: التفوق، المظلومية، وبناء الزعامة
يتشكل مجتمعنا اللبناني بشكل تتراجع فيه الثقة إلى أدنى مستوياتها. لا يُنظر إلى الآخر بوصفه شريكا في الوطن، بل منافسا أو تهديدا محتملا آنيا وفي المستقبل. تتراكم الصور النمطية، ويُعاد إنتاجها عبر الخطاب السياسي والإعلامي، فتترسخ في العقل الجمعي: هذا “لا يؤتمن”، وذاك “يسيطر”، وآخر “يأخذ أكثر مما يستحق”. ومع الوقت، يصبح الحكم على الأفراد مسبقا، لا بناء على أفعالهم، بل على انتمائهم.
وهنا تتجلى آلية أكثر عمقا وخطورة: بث الحقد الطائفي كأداة تماسك داخلي، وخاصة في زمننا هذا. إذ تقوم كثير من البنى الطائفية على تغذية شعور دائم بالخطر من “الآخر”، بحيث يصبح الخوف شرطا من شروط الاستقرار الداخلي للبيئات المختلفة. يُعاد إنتاج خطاب يقول—بأشكال مختلفة—إن الطائفة مهددة، وإن الآخرين يتفوقون أو يسعون للهيمنة أو لسلب حقوقنا في السلطة الصرخة اليوم يطلقها النخب الطائفية المارونية والسنيَّة، والشيعية، والدرزية وحتى الأقليات تصرخ بأن حقوقها مصادرة في نظام التحاصص والشراكة المزعومة والعيش المشترك وبدعة الميثاقية. في لحظات، يُضخ خطاب عن التفوق المزعوم والخصوصية والفرادة: “نحن الأجدر”، “نحن الأصل”، “نحن من بنى الدولة”. وفي لحظات أخرى، يُستثمر في خطاب المظلومية: “نحن مهمّشون”، “حقوقنا مسلوبة”، “نحن مستهدفون”.
هذا التناوب بين التفوق والاستضعاف ليس تناقضا، بل آلية مزدوجة تُستخدم لتأطير الأفراد داخل جماعتهم. فالشعور بالتفوق يمنح اعتزازا يرسّخ الانتماء، بينما الشعور بالخطر أو الظلم يولّد خوفا يدفع إلى الالتفاف حول القيادة الطائفية. وفي الحالتين، يتم تثبيت الفرد داخل حدوده، ومنعه من التفكير خارجها.
الزعامة الطائفية: صناعة الرمز وتدوير التناقضات
ويُستكمل هذا الإطار بآلية أخرى لا تقل تأثيرا: صناعة صورة الزعيم داخل المخيال الطائفي. فالقوى المذهبية لا تكتفي بتغذية الخوف أو الاعتزاز، بل تبني سرديات متناقضة حول القيادة نفسها، تخدم الهدف ذاته وهو إحكام السيطرة. يظهر أحيانا “الزعيم القوي” الذي يحمي الطائفة ويصون حقوقها في وجه الآخرين، فيُقدَّم كدرع لا بديل عنه. وفي أحيان أخرى، يُعاد إنتاج صورة “الزعيم الضعيف” أو “المسلوب الإرادة”، ليس لإسقاطه، بل لتبرير الالتفاف حوله بوصفه ضحية مؤامرات خارجية أو داخلية.
وفي لحظات مختلفة، يُتهم الزعيم بأنه “يفرّط بحقوق طائفته”، فتُستثار العصبية الجماعية للضغط عليه أو لإعادة شدّ القاعدة الشعبية حوله. ثم تعود السردية لتنقلب، فيُقدَّم الزعيم كـ”آدمي نزيه” تحيط به “حاشية فاسدة” تسرق وتُفسد باسمه وتسرقه هو وليس في يده حيلة، ما يسمح بالحفاظ على صورته كرمز، مع نقل الفشل إلى دائرة ضيقة يمكن التضحية بها عند الحاجة.
بهذه الطريقة، لا يكون الزعيم مجرد قائد سياسي، بل يتحول إلى بنية رمزية متحركة تُعاد صياغتها بحسب الظرف: قوي حين يحتاج الجمهور إلى شعور بالحماية، ضعيف حين يُراد تبرير الإخفاق، مظلوم حين يُستدعى التعاطف، ونزيه حين تُلقى التهم على المحيطين به. وفي كل هذه الحالات، يبقى الهدف واحدا: منع تفكك الجماعة، وتثبيت الفرد داخلها، وإبقاء الولاء قائما حتى في ظل التناقضات.
المجتمع المنغلق: الخوف كهوية وإعادة إنتاج الانقسام
وبذلك، لا يعود “الآخر” مجرد مختلف، بل يصبح ضرورة وظيفية: وجوده كتهديد محتمل هو ما يمنح الطائفة تماسكها. يتم تضخيم الفوارق، وتُستحضر الذاكرة الانتقائية، وتُعاد قراءة التاريخ بما يخدم هذا الانقسام، فيتحول المجتمع إلى فضاء من الشك المتبادل، حيث تُبنى الهوية على النفي لا على التلاقي.
ومع مرور الزمن، يتكرس واقع يُشبه مجتمعا “يأكل نفسه بنفسه”، حيث لا يجتمع الناس إلا في لحظات الخطر أو الانهيار. عند الأزمات الكبرى—انفجار، حرب، انهيار اقتصادي-يظهر تضامن عابر للطوائف، لكنه يبقى مؤقتا، سرعان ما يتلاشى ليعود كل طرف إلى موقعه داخل خندقه الخاص.
تلعب الأحزاب الطائفية دورا محوريا في تثبيت هذا النظام. فهي لا تكتفي بتمثيل الطوائف، بل تعيد تشكيل وعي أفرادها بما يخدم استمرارها. تُقدَّم الحماية والخدمات—طبابة، تعليم، مساعدات- مقابل الولاء، فتتحول العلاقة بين المواطن والحزب إلى علاقة تبعية. في هذا الإطار، لا يكون الصعود الاجتماعي أو المهني مرتبطا بالكفاءة بقدر ما هو مرتبط بالانتماء، وتصبح الطائفة شبكة أمان، لكنها في الوقت نفسه قيد يمنع الخروج من دائرة الانقسام.
الهجرة كخيار وجودي: بين التحرر وإعادة إنتاج الذات
في ظل هذا الواقع، لا يبدو غريبا أن يفكر اللبناني بالهجرة، بل أن يجعلها هدفا شبه حتمي. فالهجرة هنا ليست فقط بحثا عن فرصة اقتصادية، بل محاولة للنجاة من منظومة تُقيد الفرد وتحد من إمكاناته. الطبيب الذي لا يجد موقعه إلا عبر وسيط سياسي، والمهندس الذي يُستبعد لأن “حصته” غير متوافرة، والأستاذ الجامعي الذي تُغلق أمامه الأبواب لأنه لا ينتمي إلى الشبكة الصحيحة- كل هؤلاء يرون في الخارج مساحة أوسع لتحقيق الذات.
لكن الهجرة تحمل وجها آخر أكثر تعقيدا. فالكثير من اللبنانيين، حين يغادرون، لا يخرجون فقط من بلد، بل من بنية كاملة. بعضهم ينجح في إعادة تشكيل نفسه في بيئات تقوم على الكفاءة والمؤسسات، فيتحرر تدريجيا من ثقل الانتماءات الضيقة، ويبدأ بتعريف نفسه كفرد لا كعضو في طائفة. هؤلاء غالبا ما يمدحون التجربة الجديدة، لا لأنها مثالية، بل لأنها تتيح لهم أن يكونوا ما لم يستطيعوا أن يكونوه في وطنهم.
في المقابل، هناك من يحمل معه نفس البنية إلى الخارج. يعيد إنتاج الشبكات الطائفية داخل الاغتراب، ويبحث عن “أبناء طائفته” في الغربة كما كان يفعل في الداخل. يعيش في دائرة مغلقة، ويستمر في النظر إلى العالم من زاوية الانقسام نفسه. هؤلاء قد يمدحون الخارج أيضا، لكن مدحهم لا ينبع من تحرر حقيقي، بل من مقارنة مادية أو سطحية.
وبين هذين النموذجين، يظهر نمط ثالث: من يعيش حالة ذوبان تدريجي. لا هو قادر على الانتماء الكامل إلى المجتمع الجديد، ولا هو راغب في العودة إلى القديم. يبتعد عن هويته الأصلية دون أن يستبدلها بهوية واضحة، فيبقى معلقا بين عالمين. هذا الذوبان ليس دائما اختيارا، بل أحيانا نتيجة صدمة حضارية أو محاولة للهروب من ماضٍ مثقل بالانقسامات.
في العمق، تكشف الهجرة عن أزمة أعمق من مجرد خلل اقتصادي أو سياسي. إنها تعبير عن اختناق فردي داخل بنية جماعية مغلقة. فحين يشعر الإنسان أن قيمته لا تُقاس بما يملك من قدرات، بل بما ينتمي إليه من جماعة، يصبح الرحيل شكلا من أشكال الاحتجاج الصامت، أو حتى الهروب.
يعيش اللبناني في حالة ازدواجية دائمة. في العلن، يتحدث عن الدولة والوطن، وفي الواقع، يتصرف ضمن حدود طائفته. هناك فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة، بين ما يُقال وما يُعاش. كثيرون يدركون عمق الأزمة، لكنهم يستمرون في التكيف معها، إما لغياب البديل أو لعجزهم عن الخروج من منظومة تحكم تفاصيل حياتهم. وهكذا، يتحول الانتماء الطائفي من خيار إلى قدر.
من منظور تاريخي، كل البنى القائمة على الانقسام الحاد تحمل في داخلها عوامل تفككها. الطائفية ليست استثناءً، بل ظاهرة تاريخية قابلة للتحول والزوال، لكنها لا تسقط بمجرد انكشافها، بل تحتاج إلى مسار طويل من التغيير. المسألة في جوهرها أخلاقية قبل أن تكون سياسية، إنها سلسلة من الخيارات الفردية والجماعية التي تحدد ما إذا كان المجتمع سيبقى أسير انقساماته، أو سيتجه نحو إعادة تعريف نفسه خارجها.
في النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن يستمر وهو قائم على الخوف المتبادل. الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر تعزيز الانقسامات، بل عبر فهمها وتفكيكها، وبناء وعي جديد يتجاوزها—وعي يُعيد الاعتبار للفرد، لا بوصفه تابعاً، بل بوصفه مواطناً.
