حين تتكلم الذاكرة: حكاية جماعة فرقتها الأنا
المختار عنقا الادريسي
المقطع الثالث
عادة ما يختبر الحلمُ نفسَه، حين تبدأ الأنا في الكبر
ليست التحولات الكبرى في التجارب الجماعية وليدة لحظة صاخبة، بل كثيراً ما تبدأ في صمت يكاد لا يُرى، وفي تفاصيل صغيرة لا تُلقط في حينها. فبين لحظة التأسيس والخلق، حيث كانت “أمل” بيتاً يتسع للجميع، ولحظة التحول حيث تبدأ المسافات في التشكل جيئة وذهاباً بين السر والعلن؛ يتولد زمن ثالث… ينمو خفية، هو زمن الاختبار.
لم يعد السؤال منحصراً في: ماذا أنجزنا؟ ومن نحن داخل ما ننجزه؟ وإلى أين نسير به؟ لقد كانت في بداياتها وعداً بالاستمرار، وعهداً على الالتزام، وامتداداً نقياً لروح الجماعة ومبادئها. غير أن كل مشروع حين يأخذ في الكبر، لا يكتفي بأن يمنح أصحابه فضاءً متزناً للتعبير واتخاذ القرار، بل يضعهم أيضاً أمام امتحان دقيق: امتحان التوازن بين الذات والجماعة، بين الطموح والرغبات الشخصية وبين الالتزام المشترك للجماعة. وهكذا، في غفلة من الحلم نفسه، بدأت الأسئلة في التسلل:
- هل ما زلنا نقرر معاً -بصيغة جمعية-؟ أم بدأ كل منا يقرر من موقعه؟
- هل ما زالت القرارات المجلاتية ثمرة حوار جماعي كما تعاهدنا على ذلك؟ أم صارت مجرد صدى لصوت واحد؟
إنها اللحظة التي لا ينهار فيها المشروع بعد، لكنه يبدأ في فقدان براءته الأولى. لحظة دقيقة، يتحاور فيها الوفاء للبدايات مع بوادر التحول المستضمرة، ويصبح فيها الصمت أكثر بلاغة من الكلام. ومن هنا ابتدأت حكاية الانعطاف… لا لأن الحلم أخطأ طريقه، بل لأن الإنسان وهو يحمله، قد ينسى أحياناً -أو يتناسى- أن الحلم لا يعيش إلا بقدر ما يتسع لغيره.
ومع مرور الوقت وتوالي الإصدارات -التي كانت فصلية لاعتبارات عديدة يمكن العودة إليها لاحقاً-، بدأت تظهر بعض التحولات الخفية: طريقة اتخاذ بعض القرارات، تغير نبرة الحوار، ميل متزايد لاختزال النقاش الجماعي في رأي واحد. فاعتقدنا أنها مجرد اختلافات عابرة أمام تعدد المهام وصعوبة القيام بها على طاقم المجلة المحدود العدد، والموزعة جهوده بين العمل الوظيفي (المعيشي) والعمل المجلاتي الذي بدأ يتراكم، فكنا على موعد مع قرارات حاسمة:
- أولها: أني تخليت عن المسؤولية الإدارية، فصدر العدد 18 الذي كان محوره “التشكلة الاجتماعية في تاريخ المغرب”، يجمع فيه الأستاذ معروف الدفالي بين مهمتي المدير المسؤول ورئيس التحرير -وكانت هذه ضربة المقتل-؛ لأننا لم نخضع الأمر لأي نقاش جماعي بين الأعضاء كما كان ينبغي أن يكون. وبعيداً عن ضجيج النقاش، خيم الصمت على المجموعة وهي تسير -دون إدراك منها- في طريق الانحدار. واختلطت المرارة بالخذلان، وكأنه نعي صامت لصداقة ماتت أو هي سائرة نحوه، وتم اكتفاء الجميع بالصمت استحضاراً لروابط لا تقطعها المسافات ولن تبدلها الأيام.
- ثانيها: تعزيز طاقم المجلة بكل من الأخ محمد مؤياد والأخت نوال متزكي، بدءاً من العدد المزدوج 22/23 الذي كان محوره “نظيمة الزوايا الجزء الثاني”؛ لكونهما من الأطر التي ستغني المجلة وتخفف العبء المادي والمعنوي عن طاقمها المحدود.
- ثالثها: الإقرار بعدم التحاق أي عنصر بهيئة المجلة -مهما يكن من أمر- إلا بعد الاتفاق الجماعي، حرصاً على العلاقات الأخوية التي كانت تجمع بيننا حتى قبل إصدار المجلة، معتبرين أن هذه الخاصية هي نقطة قوة في عمل “أمل”، وربما هو ما لم يكن يتوفر -حسب علمي- في الكثير من المنابر الفكرية الصادرة آنذاك.
فتوزع أصدقاء المجلة وأعضاؤها ومحبوها بين معبّر عن تحفظه ومفضل للصمت… لأن العهد لا ينسى والوفاء لا يموت، وأن ما يجمع القلوب هو أعمق من كل إجراء فكري أو إداري. فاعتقدنا أن الزمان دار بنا ليعيدنا إلى لحظة البداية بقلوب أكثر نضجاً وأرواح أثقل بالتجربة، وبقيت القيم التي تربينا عليها راسخة في الأعماق لا تهزها النوازل ولا تنال منها الأيام. لكن الأنا المتنامية بدأت تسيطر على المسار. وهكذا بدأت التجربة تدخل مرحلة جديدة، لم تعد معها الأسئلة مرتبطة بالعمل المجلاتي فقط، بل وصلت إلى العلاقة بيننا: الثقة، الصداقة، الالتزام، تحمل المسؤوليات، والمعنى الذي يعطيه العمل الجماعي لجهود من يؤمنون بجدواه وفاعليته.
الرسالة الثالثة
المثقف بين الضمير والسلطة
صديقي، قبل أن أكتب إليك لا أستحضر ما وقع، بل أستحضر ما كان بيننا… وهو أكثر من كثير. تلك اللحظات البسيطة التي كانت كفيلة بأن تمنح لكل شيء معنى: تقاسماتنا الكثيرة، نقاشاتنا الطويلة، ضحكاتنا الصادقة، ذلك الإحساس العميق بأننا نسير في نفس الاتجاه رغم اختلاف التفاصيل. أستحضر وجوهاً غابت، وأصواتاً خفتت، وصروحاً هوت، وأحلاماً كانت ذات يوم مشتركة بيننا قبل أن ينفرط العقد وتتفرق بنا السبل.
ولعل ما يجعل الكتابة -اليوم- ممكنة، ليس هو ما حدث، بل ما تبقى ثاوياً في الذاكرة وموشوماً في القلب… ذاك الخيط الرفيع والخفي الذي يجعل العتاب واجباً دون قسوة، والكلام ممكناً دون خصومة. لهذا أجدني اليوم أكتب لك -عبر فضاء جريدة “السؤال الآن” مشكورة- لا لأفتح جرحاً، بل لأضع الكلمات في مكانها كما يضع الإنسان شيئاً عزيزاً في موضعه الأخير، بكل ما فيه من وفاء وتعقل وهدوء.
إن الصورة التي نرسمها للمثقف بكل ما تحمله من قيم الصدق والوفاء للضمير تظل دوماً في دائرة التأمل النظري؛ لأن الحياة بطبيعتها سرعان ما تدفع بكل المبادئ إلى محك التجربة، حيث لا تعود الأسئلة مجرد أفكار بل تتحول إلى اختيارات شخصية لها كلفتها. ومن هنا بالذات يبدأ الامتحان الحقيقي: امتحان قدرة المثقف على أن يظل وفياً لما يؤمن به، لا حين يكون ذلك مريحاً، بل حين يصبح مكلفاً. فبين ما نعرفه عن أنفسنا وما نقوم به في اللحظات التي تستوجب الاختيار، تتحدد المسافة الفاصلة بين مثقف الفكرة ومثقف الموقف.
ومن هذه المسافة تحديداً، تنبثق أسئلة أخرى أكثر حدة وعمقاً… أسئلة عن علاقة المثقف بالسلطة -بكل تلاوينها وأصنافها- وعن حدود ما يمكن أن يساوم عليه دون أن يفقد ذاته. فما من امتحان أصعب يواجه المثقف في حياته من الامتحان الصامت الذي تضعه السلطة أمام ضميره. وأنا لا أقصد بالسلطة هنا معناها السياسي الضيق فحسب، بل كل سلطة يمكن أن تغري الإنسان بأن يساوم على جزء من حريته: سلطة القيادة، المنصب، الشهرة، الاعتراف الاجتماعي، بل حتى سلطة الجماعة الثقافية نفسها حين تتحول من فضاء للحوار والنقاش والإقناع والاقتناع إلى مجال للولاءات الذاتية والاصطفاف وراء الرغبات الفردانية.
في البدايات، قد يبدو الأمر بسيطاً، ويُقال للمثقف: “ابتعد عن برجك العاجي… تخلص من وهم السلطة… اقترب قليلاً… فالرأي الصادق والكلمة المسموعة تحتاج إلى موقع قريب من مركز القرار”. ثم تتم دعوته بعد ذلك إلى التحلي ببعض المرونة؛ لأن الأمور لا تُدار بالتفرد ولا بالمثاليات وحدها. وشيئا فشيئاً، تبدأ المسافة بين المثقف وضميره من جهة وروح الجماعة من جهة أخرى تضيق… تتقلص… تتلاشى، حتى يجد نفسه من حيث لا يشعر قد انتقل من موقع الشاهد إلى موقع المبرر، البعيد عن منطق وروح الجماعة.
غير أن التاريخ الثقافي يعلمنا أن المثقف الحقيقي لم يكن يوماً لدى أي سلطة -حتى ولو كانت تمثلها ذاته- بل كان في أفضل حالاته ضميراً نقدياً للمجتمع؛ لا يعادي التسلط لمجرد العداء، ولا يذوب فيه طلباً لرضا الذات أو الآخر، بل ليحافظ على تلك المسافة الدقيقة التي تسمح له بأن يقول كلمة الحق حين يجب أن تُقال، ولو على نفسه.
وقد تزداد المشكلة تأزماً حين يعتاد المثقف نفسه على مهادنة الصمت، ويقنع نفسه بأن الحكمة والحق والصواب يقتضي تأجيل الحقيقة إلى أن يتم استدماج “القرار” -موضوع الخلاف- ويتولد التناسي مع مرور الوقت. لكن الحقيقة هي غير كذلك -يا صديقي- لأن لها طبيعة غريبة: فهي إن لم تُقل وتُتخذ في وقتها تفقد معناها. ولذلك يظل بعض المثقفين عبر كل المحطات كائنات تعيش نوعاً من الغربة الهادئة، غربة لا تأتي من رفض المجتمع أو الجماعة أو الآخر لهم، بل من الشعور الداخلي للواحد منهم بأن عليه أن يبقى أميناً:
- لشيء أعمق من كل المصالح العابرة.
- لروح الجماعة وما يؤلف بين عناصرها.
- للفكرة وللحرية وللكلمة حين تكون ضرورة.
- لمعنى الوفاء ومعنى أن تبقى إنساناً حين يتغير كل شيء من حولك؛ فقد تنكسر القلوب ويغيب الرفاق وتتلاشى الذكريات وتتبدل الأحوال ولا نتغير.
وقد يخسر المثقف بسبب كل ذلك بعض المواقع أو بعض العلاقات التي جمعته بها روابط ضاربة جذورها بعمق في تاريخ المحبة والتآخي والنضال الفكري الناضج. كل هذا في وقت كان من باب أولى أن لا يكدّس المعرفة، بل أن ينجح في جعلها مرآة لضميره قبل أن يجعلها سلطة على الآخرين، وأن يظل قادراً على النظر إلى نفسه في مرآة ضميره دون حرج، وأن يستحضر الضمير الجمعي الذي كان سبباً في خلق كل المحبة والمبادئ والقيم التي تبقى راسخة في الأعماق لا تهزمها الدنيا ولا تنال منها الأيام.
طنجة في 18 مارس 2026
