الخمور في دكالة خلال فترة الحماية: من الاقتصاد الاستعماري إلى الاستمرارية المعاصرة (بولعوان نموذجا)

الخمور في دكالة خلال فترة الحماية: من الاقتصاد الاستعماري إلى الاستمرارية المعاصرة (بولعوان نموذجا)

الجيلالي الساجعي/ حنان عيادي*

       عرفت منطقة دكالة خلال فترة الحماية الفرنسية (1912–1956) تحولات عميقة مست مختلف البنى الاقتصادية والاجتماعية، في سياق مشروع استعماري سعى إلى إعادة تشكيل المجال وفق حاجياته الإنتاجية والثقافية. ومن بين أبرز مظاهر هذه التحولات إدماج الخمور ضمن المنظومة الاقتصادية، باعتبارها أداة ذات دلالات ثقافية تعكس نمط العيش الأوروبي الذي سعى الاستعمار إلى ترسيخه.

فإذا كان استهلاك الخمر في المجتمع المغربي قبل الاستعمار محدودا ومحاطا بنوع من التحفظ الديني والاجتماعي، فإن مرحلة الحماية شهدت تحولا نوعيا، حيث عملت الإدارة الاستعمارية على تقنين إنتاج الخمور وتوسيع مجالات استهلاكها. وقد استند هذا التوجه إلى استغلال المؤهلات الفلاحية التي تزخر بها منطقة دكالة، حيث تم إدخال زراعة الكروم داخل الضيعات الاستيطانية، وتوجيه إنتاجها نحو تلبية حاجيات السوق الأوروبية، خاصة الفرنسية. وهكذا، تحولت الخمور إلى عنصر من عناصر الاقتصاد الفلاحي الاستعماري، المرتبط بشبكات الإنتاج والتوزيع الحديثة.

ولم يكن هذا التحول اقتصاديا فحسب، بل رافقته تغييرات في البنية الاجتماعية والثقافية، حيث ارتبط انتشار الخمور بظهور فضاءات جديدة مثل الحانات والفنادق والمراكز الحضرية التي أقامها المعمرون، مما ساهم في إدخال أنماط استهلاكية غير مألوفة داخل المجتمع المحلي. وقد أدى هذا الوضع إلى بروز نوع من التوتر بين القيم الدينية والاجتماعية السائدة، التي تنظر إلى الخمر باعتباره محظورا، وبين الممارسات الجديدة التي فرضها الواقع الاستعماري.

وتكتسب هذه المعطيات بعدا أكثر وضوحا عند الانتقال من التحليل النظري إلى المعاينة الميدانية، كما هو الشأن في منطقة بولعوان، التي تشكل نموذجا دالا على هذه التحولات. فخلال زيارة ميدانية للموقع، يلفت الانتباه تواجد بعض البنايات التي كانت مخصصة لإنتاج عصير العنب إذ تعدّ منطقة بولعوان من أهم المراكز التي شهدت دينامية اقتصادية وصناعية خلال فترة الحماية الفرنسية، خاصة فيما يتصل بصناعة النبيذ وتخزينه، وهو نشاط ارتبط بشكل وثيق بالتحولات الزراعية التي عرفها مجال دكالة في النصف الأول من القرن العشرين. فقد أسهمت السياسات الاستعمارية في إعادة هيكلة الفلاحة المحلية لتصبح موجهة نحو إنتاج المواد المصدّرة، وعلى رأسها العنب المخصّص لصناعة النبيذ، ما جعل من بولعوان وبني هلال فضاءين زراعيين وصناعيين على درجة من الأهمية داخل المنظومة الاقتصادية الكولونيالية.

وتدل الشواهد المادية المتبقية إلى اليوم على وجود منشآت صناعية متقدمة من الناحية التقنية، من أبرزها مخازن بولعوان المعروفة بالاسم الفرنسي Caves de Bou-Laouane، وهي عبارة عن معمل ضخم لتخمير عصير العنب الرمادي وتخزينه، لا تزال جدرانه تحمل النقش الأصلي الذي يرمز إلى الطابع الأوروبي للمشروع. وتقع هذه المخازن على مقربة من قنطرة بولعوان، بمحاذاة الطريق الرابطة بين مدينتي الجديدة وسطات، ما يمنحها موقعا استراتيجيا يربط بين مناطق الإنتاج وموانئ التصدير، خصوصا ميناء الدار البيضاء الذي كان يشكل المعبر الرئيس لنقل النبيذ نحو فرنسا لاستكمال عمليات التصنيع والتعبئة هناك.

تشير الروايات الشفوية، التي نقلها أحد أحفاد المستوطنين الفرنسيين الذين أقاموا بالمنطقة خلال الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، إلى أن هذه المخازن كانت تدار من قبل السيد دوناي (Denay)وهو من بين المستعمرين الفرنسيين الذين استوطنوا المنطقة برفقة زوجته وابنها، السيد والسيدة جان كارن والسيدة إميل ديناي الذي شغل منصب ضابط في جيش الشرف وحاز على الميدالية العسكرية، صليب الحرب أقيمت مراسيم دفنه يوم السبت 8 مارس الساعة 8 صباحا في كنيسة سيدة الصعود بالجديدة..

وقد أشرف على تسيير المشروع في إطار التعاونية الزراعية المختصة بزراعة الكروم. واشتغل إلى جانبه عدد كبير من العمال المغاربة، مما يعكس البعد الاجتماعي والاقتصادي لهذه المنشأة، ودورها في خلق فرص الشغل بالمنطقة. كما يُذكر من بين مزارعي الكروم في تلك الفترة أسماء فرنسية بارزة مثل: تييري روجر (Thierry Roger)، وباسكي (Pasquet)، وكابوس هنري (Henri Cabos)، وكايو  (Caio) وهي أسماء ظلت حاضرة في الذاكرة المحلية بوصفها جزءا من الحقبة الاستعمارية التي عرفت استغلالا مكثفا للأراضي الفلاحية الخصبة في دكالة.

تتكون البنية التحتية لمخازن بولعوان من مجموعة من الأقبية والملحقات التقنية، وتشمل حديقة وبستانا وبئرا وحقول كروم تمتد على مساحة تقارب ثلاثين هكتارا وأربعة عشر آرا وتسعين سنتيارا. وقد كانت هذه المنشآت مجهزة بعدة معدات ميكانيكية وهيدروليكية حديثة آنذاك، منها ستة عشر خزانا من الخرسانة المسلحة بسعة تقديرية تناهز 3.000 هكتولتر، إضافة إلى صهريج للمياه بسعة 100 متر مكعب، ومكبس هيدروليكي، ومضخة كهربائية، ومولد للطاقة، فضلا عن مجموعة من الآلات المساعدة في عمليات العصر والتخمير. كما احتوت المزرعة على محرك بنزين، وعربات نقل، ومضخات مياه يدوية وآلية، ومحرك حصان مرتبط بشبكة الري، وهو ما يعكس مستوى متقدما من التنظيم الصناعي والتقني داخل بيئة قروية في تلك الحقبة.

غير أن هذا النشاط لم يخل من حوادث وأزمات؛ إذ تشير بعض الوثائق والروايات إلى أن مصنع السيد “دوناي” تعرّض لحريق مهول أتى على القبو الرئيس للمخازن، مخلفا خسائر مادية جسيمة قدرت بنحو ثلاثمائة ألف فرنك فرنسي، رغم التدخل السريع لفرق الطوارئ. وقد مثّل هذا الحادث نقطة تراجع في نشاط المنشأة التي كانت تعد من أبرز معالم التصنيع الفلاحي بدكالة خلال فترة الحماية.

وتحكي إيفون كابوس، حسب ما أورده الباحث المصطفى اجماهري، حديثها قائلة: “جاء جدي هنري كابوس من الجزائر ليستقر في المغرب سنة 1931. واستفاد من استغلالية في بولعوان. وتسلم أبي إميل هذه الأرض في سن 27 سنة ثم إنه اشترى أراضي أخرى.

 وشغل في حيازته خمسين عاملا. غادرت عائلتي بولعوان نحو فرنسا في فترات مختلفة. غادرت أنا المغرب في 1960. وغادره أخي سنة 1965، ثم غادر والدي سنة 1968. أغلق المخزن بعد استقلال المغرب بسبب رحيل المعمرين نحو فرنسا، وتوقفت الأشغال المرتبطة بالعنب في المنطقة، ولم يبق في المنطقة اليوم إلا البناية القديمة التي صنع سطحها بالآجر الأحمر، والكتابة التي تذكرنا بفترة منصرمة. بقيت بيننا اتصالات كثيرة بالجديدة. دفنت أولا جدتي من جهة الأم في مقبرة مازغان. ويتعلق الأمر بسوزان إرنست زوجة سماكوا المتوفاة في 2 نونبر 1954 بمازغان. ولا يزال إلى اليوم بعض العمّال الذين اشتغلوا بمخازن بولعوان في فترات متأخرة قبل أن تغلق أبوابها بصفة نهائية، يتبادلون بعض أخبارها وذكريات عملهم بها في حديث مفعم بالحنين إلى الماضي. يحكي علي الدجال، وهو من بين العمال الذين اشتغلوا هناك: “كنا حوالي خمسة عشر شخصا نشتغل بتلك المخازن، وكان لكل واحد منا دوره المنوط به، ولكن إجمالا كان دورنا يقتصر على إفراغ حمولة العنب الذي يؤتى به من الضّيعات والحقول المجاورة، في صهاريج آلات ضخمة حتى يتم عصرها. ومن بين الأشخاص الذين اشتغلوا معنا، السيد أحمد بن عباس ربوح؛ الذي كان يعمل حارسا بالمخازن. وهي المهمّة التي ظلّ يشغلها إلى أن أحيل على التقاعد، ليخلفه في وظيفته ابنه بوشعيب ربوح. كما اشتغل به أخي بوشعيب الدجال، و”السيد كمال أحمد”، والسيد “بوشعيب يسعد” الذي توفي قبل سنوات قليلة عن عمر ناهز المائة سنة. وكان يقوم بمهمّة مراقبة الأشغال بالمخازن مراقب فرنسي يدعى “أنطوان”Antoine” ومراقب آخر من أصول جزائرية اسمه “مزيان”، أمّا فيما يخصّ أجرة العاملين، فقد كنّا نتقاضى كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع مبلغا قيمته ستّون درهما”. وبالرغم من مكانة وشهرة مخازن بولعوان في الماضي، إلا أنها اليوم ترزح في الإهمال.

وغير بعيد عن هذا المخزن لا يزال استمرار بعض البنيات المرتبطة بإنتاج الخمور إلى يومنا هذا، من بينها وحدة صناعية حديثة تابعة لشركة Castel Frères، وهو ما تؤكده اللافتة الظاهرة داخل الموقع. كما تكشف التجهيزات الصناعية، من خزانات ضخمة مخصصة للتخمير والتخزين، عن تطور هذا النشاط وتحوله إلى صناعة قائمة الذات، تعتمد تقنيات حديثة وتندمج ضمن الاقتصاد المعاصر. وفي خضم زيارتنا التي قابلنا فيها حارس هذه المخازن تحدث عن خطوات إعداد العنب من المرحلة الأولية التي يؤتى فيها بالعنب إلى المرحلة النهائية للشحن والتصدير والتعبئة مشيرا إلى أن هذا المصنع هو امتداد لسابقه الذي كان يتواجد  بمركز بولعوان.

إن هذا الامتداد الزمني، من مرحلة الحماية إلى الوقت الراهن، يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الاستمرارية والتحول داخل المجال الدكالي. فبدل أن يختفي هذا النشاط بزوال الوجود الاستعماري، استمر في أشكال جديدة، مما يعكس قدرة بعض البنيات الاقتصادية التي أُسست خلال فترة الحماية على التكيف مع السياقات اللاحقة. وفي المقابل، يظل هذا النشاط محاطا بحساسية اجتماعية وثقافية، بالنظر إلى تعارضه مع المرجعية القيمية السائدة داخل المجتمع.

وخلاصة القول، فإن دراسة الخمور في دكالة، وخاصة من خلال نموذج بولعوان، تتيح فهما أعمق لتعقيدات المرحلة الاستعمارية وما بعدها، حيث يتداخل الاقتصادي بالثقافي، ويتقاطع الماضي بالحاضر. كما تكشف هذه الظاهرة عن ديناميات التفاعل بين مشروع استعماري سعى إلى فرض أنماط إنتاج واستهلاك جديدة، وبين مجتمع محلي حاول، بدرجات متفاوتة، التكيف مع هذه التحولات أو مقاومتها.

* باحثان في تاريخ بولعوان

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!