“شجرة الحياة” للمصطفى اجْماهْري.. من الأفق المغربي إلى التناص العالمي

“شجرة الحياة” للمصطفى اجْماهْري.. من الأفق المغربي إلى التناص العالمي

متابعات

            على الصعيد العربي، سجل تاريخ الأدب المغربي المعاصر أسبقية أدبية للكاتب المغربي المصطفى اجْماهْري، حين أصدر مجموعته القصصية الرابعة “شجرة الحياة” سنة 1998 عن دار الثقافة بالدار البيضاء. هذه المجموعة، التي ضمت نصوصاً كُتبت في مخاض بداية التسعينيات لترصد تحولات الذاكرة والمجتمع، كانت غرسًا لعنوان سيتحول لاحقاً إلى مظلة لمشاريع إبداعية عابرة للأجناس والحدود.

            إن ظاهرة “تناص العنوان” تبرز بوضوح حين نكتشف أن هذا العنوان نفسه استُعمل، فيما بعد، أي بعد 1998، في أقطار عربية أخرى، بل وامتد ليشمل الفن السابع في الفيلم الفلسفي الأمريكي الشهير “شجرة الحياة” (2011) للمخرج تيرنس ماليك. يؤكد هذا التقاطع أن “شجرة الحياة” تحولتْ من واقعية مغربية محلية إلى استعارة بعيدة تربط بين السينما العالمية، والترجمات الشعرية (مثل أعمال محمد نجيب بن جميع)، والقصص الروحية (مثل “حكايات من التبت” لمحمد المسيا 2023).

            وتكتمل صورة هذا العنقود الأدبي حين نربطه بأصوله الميثولوجية؛ فهو أركيتيب كوني يمتد من سفر التكوين إلى الأسطورة النوردية. ومع ظهور نسخ حديثة كقصة كامل كيلاني (2012)، انتقل العنوان إلى فضاء يمكن أن نطلق عليه “الواقعية المفرطة” بمنظور جان بودريار؛ حيث يمتزج الخيال بالحقيقة لدرجة تُلغي الحدود بينهما، لتصبح “شجرة الحياة” جسراً يربط بين الذاكرة الجمعية القديمة وتحولات العصر الرقمي.

            فمن الناحية الأدبية يمكن القول إن المصطفى اجماهري قام بتثبيت عنوانه قبل زمن الأنتريت. بينما اليوم فقد أصبح كشفُ الأسبقية الإبداعية متاحاً بضغطة زر على الحاسوب، مما يعيد الاعتبار، على الصعيد العربي، لنسخة 1998 كعمل إبداعي سبق طوفان الصور والسينما، وأثبت أن الأسئلة الوجودية الكبرى تظل موحدة مهما اختلفت اللغات أو الوسائط الفنية.

            ولا يقتصر هذا التناص على الفضاء العربي أو السينما الأمريكية فحسب، بل يمتد بعمق إلى المشهد الثقافي الفرنكوفوني؛ حيث يحفل الأرشيف المكتبي في فرنسا بقائمة من الإصدارات التي تحمل ذات العنوان. حيث ترمز شجرة الحياة” إلى بعد كوني يتجاوز الثقافات والأديان، ليمثل الترابط الجوهري بين جميع الكائنات. وفي هذا الرمز، نجد توازناً دقيقاً بين الجذور التي تمثل الماضي والأصول، وتلك الأغصان التي ترمز للمستقبل.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!