كتابات غير.. ساخرة: رقصة المعنى على حافة الإرباك
إصدارات:
صدر حديثًا، في طبعة إلكترونية أنيقة، العمل الإبداعي الجديد للكاتب الأكاديمي الأردني الدكتور حسين جداونة، والذي جاء تحت عنوان لافت: “كتابات غير.. ساخرة”. يقع الكتاب في (148) صفحة من القطع المتوسط، وتتوج غلافه لوحة للفنانة الأردنية منى عثامنة، والتي جاءت كعتبة بصرية تختزل برمزيتها روح النصوص وجوهرها.
يأتي هذا الإصدار امتدادًا للمشروع الجمالي المتواصل الذي يخطه جداونة في فضاء “الأدب الوجيز”؛ متنقلاً ببراعة بين القصة القصيرة جداً، والومضة، والشذرة، والمقولة، وصولاً إلى هذه “الكتابات” التي تشكل برزخاً إبداعياً خاصاً.
بين الوضوح والإرباك: فلسفة الأسلوب تتحرك نصوص الكتاب في مساحة توتر خلاقة بين قطبي الوضوح والإرباك؛ لا كخيارين منفصلين، بل كتمثّل عضوي لتقلبات الذات الكاتبة وهي تجترح أسئلتها الوجودية. إن انحياز النص للوضوح تارة، وانزلاقه نحو الإرباك تارة أخرى، ليس خروجاً عن السياق، بل هو انسجام مع منطقه الداخلي. فهي نصوص ترفض المباشرة العابرة، وتنهض على تخوم ملتبسة يتجاور فيها الجدُّ والسخرية، دون أن يستقر المعنى على هيئة نهائية، بل يظل معلقاً في حيز خصيب من التوتر الدلالي.
استجابة جمالية لواقع مأزوم يمثل هذا العمل استجابة جمالية لواقع مثقل بالمفارقات، واقع لم تعد اللغة التقريرية قادرة على سبر أغواره أو تمثيل تناقضاته. لذا، لا يقدم جداونة السخرية كتهكم مكشوف، ولا الجدية كيقين مكتمل، بل ينسج بينهما علاقة بنيوية تبقي القارئ في حالة تأرجح تأويلي، حيث يتجاور المتناقضان دون أن يُلغي أحدهما الآخر.
اقتصاد اللغة وتفجير المعنى تعتمد هذه الكتابات “اقتصاداً لغوياً” صارماً؛ فهي لغة هادئة في ظاهرها، لكنها تنطوي على شحنات إيحائية تُقوض استقرار المعنى من الداخل. المعنى هنا لا يُبنى ليُقدّم كوجبة جاهزة، بل ليُختبر ويُراجع، في محاولة لقول ما لا يُقال إلا عبر هذه المواربة الذكية. السخرية هنا ليست قناعاً، بل هي نسيج داخلي يتخلل العبارة دون صراخ.
القارئ شريكاً في إنتاج الدلالة تراهن نصوص جداونة على إيقاظ وعي القارئ عبر دعوته لمساءلة المسلمات. فالإرباك هنا “حيرة كاشفة” تُقوض اليقين السريع، وتترك في الوجدان أثراً ممتداً بين ابتسامة مُرّة وتأمل قلق.
إنها كتابة تُقيم في “المنطقة الرمادية”، تُراوغ التصنيف وتُفلت من القبض النقدي السريع، لأنها تقوم على تقويض التوقعات لا تلبيتها. هي وفية لعنوانها تماماً؛ إذ لا تنفي السخرية بقدر ما تتجاوزها، لتعيد ترتيب العلاقات بين الأشياء، وتكشف هشاشة التصنيفات الجاهزة.
يُذكر أن هذه النصوص هي حصاد سنوات من التأمل والدون، ولدت من رحم تجارب وظروف متباينة، لتشكل في مجموعها سيرة فكرية وجمالية مكثفة.
