المرأة والصمود في أزمنة الحروب

المرأة والصمود في أزمنة الحروب

 شامة اليعقوبي

           في خضم الحروب المشتعلة هنا وهناك بلا هوادة، تنشغل الدراسات والأبحاث غالبا بتعداد الخسائر المادية، ورصد التحولات الجيوسياسية، لكنها تغفل الأثر العميق الذي تتركه الحرب على النفس البشرية، خاصة لدى النساء والأطفال. هؤلاء لا يعيشون الحرب كحدث عابر، بل كزلزال داخلي يعيد تشكيل وعيهم وهويتهم وعلاقاتهم الاجتماعية. أطفال يولدون في الحروب ويموت بعضه فيها والباقون يحملون تشوهات فضيعة، ويصبح  الألم بما يخلّفه من كسور خفية في الروح، وانكسارات في النسيج الاجتماعي. فالمرأة، في زمن الحرب، تتحمل أعباء مضاعفة؛ فهي شاهدة على الفقد، ناجية من العنف، وحافظة لذاكرة الأسرة والمجتمع، في حين يعيش الأطفال في واقع مختل، حيث تختلط مفاهيم الأمان والخوف ويصبح العنف جزءا من يومياتهم. هذه التحولات لا تنتهي بانتهاء الحرب، بل تمتد لتنتج أزمات نفسية واجتماعية على المدى الطويل، ما يجعل الحاجة ماسة لإعادة توجيه البحث نحو هذه الجوانب الإنسانية العميقة.

في كتاب حديث لفكتوريا أميلينا “النظر إلى النساء في زمن الحرب” (بأمريكا وبريطانيا -2025 في 320 صفحة) تقدم نموذجا حيا لهذا النوع من التوثيق، من خلال شهادات حقيقية ومجموعة أصوات نسائية متعددة، تكشف كيف تتحول المرأة من ضحية محتملة إلى فاعلة وشاهدة تسهم في حفظ الذاكرة الجماعية والمقاومة اليومية. يوضح الكتاب أن الحرب تؤثر بشكل عميق على الهوية النفسية والاجتماعية للمرأة، ويبرز أن الكتابة والتوثيق يمكن أن تتحول إلى أدوات مقاومة حقيقية، ليس فقط لإحياء الذاكرة، بل لإيصال رسائل عالمية حول الصمود والأمل، مع دعوة لتوسيع الاهتمام البحثي بالأبعاد الإنسانية التي غالبا ما تُغفل في الدراسات التقليدية.

في السياق الفلسطيني، المرأة هي رمز أسطوري للصمود؛ من غزة إلى بقية الأراضي المحتلة، تُقاوم الاجتثاث بالولادة وتربية الأبناء على قيم الانتماء والمقاومة. فهي حاضرة في كل لحظة حرب أو حصار، أما وأختا وزوجة، تتحمل أعباء الحياة والموت معا، مؤكدة أن الوجود في الأرض أعظم أشكال المقاومة.

كما صدر حديثا في غزة كتاب” المرأة الفلسطينية زمن الحرب: بين تحديات الواقع الإنساني وتحولات الدور الاجتماعي”(2026)، الذي يقدم دراسة ميدانية معمقة لمعاناة المرأة الفلسطينية في ظل النزوح القسري، فقدان مصادر الدخل، وصعوبات الحصول على الخدمات الأساسية. يعرض الكتاب التحولات الجوهرية في دور المرأة، حيث انتقلت من أدوار تقليدية إلى أدوار أوسع تشمل الإعالة الاقتصادية والمشاركة المجتمعية والمساهمة في جهود الإغاثة. هذه الظروف الصعبة لم تضعف المرأة، بل أعادت تشكيل مكانتها داخل الأسرة والمجتمع، مما جعلها فاعلا رئيسا في مواجهة الأزمات وتحريك المجتمع نحو الصمود والاستمرار.

ولا تقتصر هذه المعاناة على فلسطين؛ فالمرأة الإفريقية في كثير من مناطق النزاع تواجه تحديات مشابهة، من العنف الجنسي والنزوح القسري إلى فقدان الأمن الغذائي، ما يجعل تجربتها نموذجا عالميا للمعاناة الإنسانية تحت النزاعات المسلحة. رغم ذلك، غالبا ما تغفل الدراسات التقليدية هذه الأبعاد النفسية والاجتماعية للنساء، ما يبرز الحاجة الملحة لإجراء بحوث ميدانية معمقة تكشف عن هذه التجارب، وتمكّن الباحثين وصنّاع القرار من تصميم سياسات وبرامج دعم مستندة إلى الواقع الفعلي للنساء والأطفال المتأثرين بالحرب.

تشدد الخلاصات على أن فهم تجربة المرأة في زمن الحرب يتطلب الدمج بين الرصد الميداني والتحليل الاجتماعي والتأصيل التاريخي، مع إبراز دور المرأة في الصمود والحفاظ على الهوية الوطنية، ورسم سياسات إنسانية عادلة تراعي تأثيرات النزاع على النساء والأطفال. فالمرأة ليست مجرد ضحية، بل محور المقاومة، شاهدة على التاريخ، وفاعلة في إعادة بناء المجتمع حتى في أحلك الظروف، وهي نموذج عالمي للصمود والإنسانية في زمن الحرب.

شارك هذا الموضوع

شامة اليعقوبي

كاتبة وباحثة مغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!