من أخنوش إلى المنصوري.. تبديل الوجوه وثبات الخيار
د. الأشقر مرابو
شهد المغرب للتو اقتراعا تشريعيا مفارقا، تميز بالتعيين التاريخي لامرأة على رأس الحكومة، بالتزامن مع اعتقال رئيس مجلس مدينة طنجة المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة (البام) بتهمة التزوير الانتخابي. وبين إعادة تدوير النخب، ودبلوماسية كرة القدم، وشبهات تضارب المصالح، يتكرس لدى الشباب المغربي شعور بالتشكك العميق.
قدم المغرب للتو عرضا جديدا يجسد فنّه الأصيل في الإخراج السياسي. فمن جهة يُرفع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، كأول امرأة تكلف بتشكيل الحكومة، كراية لحداثة منتصرة. ومن جهة أخرى تجيء الحقيقة العارية للكواليس: اقتراع تشريعي نخرته خروقات صارخة، يرمز إليها الاعتقال المدوّي لرئيس عمدة طنجة عن حزب الأصالة والمعاصرة، منير ليموري، المتورط في شبهات تزوير انتخابي.
ومع ذلك ووراء هذا الحراك المؤسساتي الكثيف، يظل الرقم الأكثر إفصاحا في هذه الانتخابات هو نسبة العزوف. فبنسبة مشاركة رسمية تعد الأدنى تاريخيا (38%)، استقر غالبية المواطنين – وفي مقدمتهم الشباب المغربي – في حالة من التشكك العميق والانتظار السئم. إنه رفض جماعي للمشاركة في طقس انتخابي ينظر إليه على أنه منفصل بنيويا عن أولوياتهم اليومية الملحة.
سراب البروفايل النزيه وإعادة تدوير النخب
بالنسبة لشباب يخنقهم الفقر والبطالة وغلاء المعيشة وغياب الآفاق الحقيقية، فإن المشهد الذي يدور اليوم في مقر حزب الأصالة والمعاصرة لا يثير سوى اللامبالاة العميقة. فالأمر لا يعدو كون “استبدال الأشخاص مع بقاء النهج نفسه”. وللحصول على أغلبيتها، تعد المنصوري محكومة بالتحالف مع شركاء الأمس: التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال. وقد أُزيح رئيس الحكومة المنتهية ولايته، الملياردير عزيز أخنوش، لأن صورته كرجل أعمال أصبحت مصدّا لتلقي الغضب الاجتماعي.
لقد جرى استبداله بمحامية، لكن طلاء الحداثة الذي تتزين به رئيسة الحكومة الجديدة سرعان ما يتآكل أمام الواقع. إذ لا يتردد خصومها في الإشارة إلى افتقارها الشديد للكريزما المقتضية لهذا المنصب، وإلى ملفات إعداد يحكم عليها أحيانا بالسطحية. والأكثر خطورة من ذلك، أن اسمها يظل ملطخا بسجالات عقارية ثقيلة في مراكش، مما يثير شبهات متواصلة بوجود تضارب في المصالح. إن هذا التداول الصوري لا ينطلي على أحد: فالتحالفات الثلاثية تظل هي هي، والخارطة الاقتصادية لم تتغير، وإعادة توزيع الحقائب الوزارية تشبه لعبة الكراسي الموسيقية بين محظوظي النظام نفسه.
تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة: الخطيئة الأصلية وظل الهمة
إن الشكوك حول وجود قطيعة حقيقية تعد مشروعة بامتياز عند معاينة النسبة السياسية للمنصوري. فهي ليست نتاجا للاستحقاق النضالي، بل هي ابنة شرعية للجهاز. إن صعودها السياسي مرتبط ارتباطا وثيقا بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة عام 2008 على يد فؤاد عالي الهمة، المستشار النافذ وصديق دراسة الملك.
بالنسبة للملاحظين النقديين والشباب المسيس، تجسد المنصوري تماما هذه النخبة التي استقطبتها دوائر القصر. فتعيينها ليس ثمرة لثورة ديمقراطية، بل هو تتويج لاستراتيجية صممت منذ زمن طويل داخل السلطة المركزية للحفاظ على هيمنة أجهزة الإدارة تحت وجه مُجمَّل يواكب الموضة.
الخبز، والألعاب، وظل لقجع
يزداد هذا الانفصال جلاء عندما تستخدم السلطة كرة القدم كمخدر اجتماعي. وتبرز شخصية فوزي لقجع كعنصر محوري في هذا الغموض، فهو رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم الحاضر في كل مكان والممسك بالمالية العامة للدولة، وقد سخر شعبيته الرياضية الجارفة لخدمة حزب الأصالة والمعاصرة ليحوله إلى آلة حاصدة للنتائج.
ولكن في الوقت الذي يستعد فيه البلد لالتهام ميزانيات فرعونية للبنية التحتية لمونديال 2030، يراقب الشباب هذا النصر الزائف بالحذر والريب. فما الفائدة من بناء ملاعب من طراز عالمي بينما تنهار الجامعات وتفتقر المستشفيات العمومية لكل شيء؟ وببقائه في ظل رئاسة الحكومة يحصن لقجع سلطته التقنية، معصوما من إشعاعات الفساد التي باتت تلاحق زملائه في الحزب.
ريبة بنيوية لن يثنيها شيء
في هذا النظام القائم على الغموض المنظم، يكرس القصر الملكي موقعه كحكم أسمى. فمن خلال تطبيق الدستور لتعيين المنصوري، مع ترك القضاء يضرب المتورطين في تزوير طنجة، تذكر أعلى سلطة في الدولة بأن المشروعية الحقيقية لا تنبع من صناديق الاقتراع، بل تتنزل من الأعلى. يبدأ حزب الأصالة والمعاصرة ولايته وهو مضعف، ومكبل بتجاوزاته المحلية، وموضوع تحت المراقبة.
بالنسبة للشباب المغربي، فإن الخلاصة قاطعة ولا تدع مجالاً للشبهة: إن النظام الحالي يبدع في فن تغيير كل شيء في الشكل لكي يضمن ألا يتغير أي شيء في الجوهر. ولن تؤدي هذه المرحلة الانتقالية المحكومة سوى إلى تعزيز شكوكهم المشروعة. وطالما بقيت الأحزاب السياسية مجرد هياكل فارغة ولدت في صالونات الإدارة، وطالما تصادمت الوعود بالكرامة الاجتماعية بجدار الواقع الاقتصادي، فسيواصل الشباب هجران مكاتب الاقتراع. إن تشككهم هو وليد التجربة: فهم يعلمون أن النتيجة النهائية لـ “هذا المسرح السياسي” لم تُصمم لتلبي طموحهم في العدالة الاجتماعية، بل لتخليد الوضع القائم.
* نشر النص الأصلي باللغة الفرنسية في موقع “Mediapart”
https://blogs.mediapart.fr/m-lachkar/blog/300926/maroc-2026-le-grand-theatre-de-la-continuite-face-au-scepticisme-de-la-jeunesse
