حين يرقص السياسيون على جثث البرامج والوعود
عبد الرحيم التوراني
لعل القاسم المشترك بين الأحزاب المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، أو بالأصح “الجامع المشترك” كما كان يحرص الراحل محمد الباهي على تصحيحه بلسانه اللغوي الحصيف، هو الرقص.. الرقص البهلواني الذي يتجاوز التعبير الجسدي ليغدو طقسا مكشوفا من طقوس الابتذال السياسي. ولحسن الحظ أتاحت لنا التكنولوجيا الرقمية شواهد لا تدحض عبر مقاطع الفيديو المصورة التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات الإنترنت بشكل وافر، وهي المقاطع التي أظهرت انخراط أغلب قادة الأحزاب في رقصات جماعية صاخبة خلال الحملات الانتخابية، متوسلين بإيقاعات شعبية متنوعة تتراوح بين العيطة وأحواش، والركادة وصولا إلى جذبة كناوة وغيرها من أهازيج التراث الشعبي.
لقد شاهد الجميع كيف رقص عبد الإله بنكيران رقصة البندقية، إذ تجرد عن عكازه الذي يتوكأ عليه، واستعار بندقية صيد من نوع “الزويجة”، ليتوسط حلقة الراقصين من الرجال، يهز كتفيه ويتموج بجسده مقلدا حركاتهم بدقة متناهية. ولم يتردد في مناسبة أخرى أن اعتمر شاشية كناوة والمشاركة معهم في إيقاعات القراقب.
وفي المقابل رقصت فاطمة الزهراء المنصوري خلال الحملة وبعد إعلان النتائج، وكيف لا يحلو لها الرقص وهي تدرك أن الرياح تجري بما تشتهي سفنها؟ لكن رقصتها في مدينة بركان، مسقط رأس سندها فوزي لقجع، كان لها طعم خاص ودلالة سياسية مكثفة، حيث بدت جالسة على أريكة زرقاء، تحرك كتفيها وتتلاعب بأصابع يديها وهي تفيض ابتساما وضاحكة، محاولة إظهار القرب من المواطنين والاندماج في العفوية الشعبية. ولعلها تأكدت في تلك اللحظة بالذات من حتمية ظفرها برئاسة الحكومة كأول امرأة تقود الجهاز التنفيذي في المملكة، واطمأنت إلى أن ما يلاحق مسارها من اتهامات وتشكيك سيطوى في أدراج النسيان والتعفف الإداري.
ولم يكن فوزي لقجع بدوره ليتخلف عن هذا المهرجان، إذ رقص مرارا في تجواله المكوكي كأرنب سباق يمهد الطريق لبنت الباشا.
أما إدريس لشكر، فقد انخرط هو الآخر في الرقص بعدما ألبسوه الكندورة وحزموه بخنجر تدلى على خاصرته المترهلة. غير أن رقصته جاءت نشازا تثير الشفقة، إذ لم تتناغم حركاته مع ثقل جسده وملامح وجهه المتغضنة التي فضحت انقباضا ووجوما يترفعان عن انشراح الفولكلور، وكأنما كان جسده يستعصي على الفرح في غمرة احتضار مشروعه السياسي…
ورقص محمد أوزين أمين عام الحركة الشعبية، فجاءت حركات رقصته شعبية وفولكلورية أكثر من الاسم نفسه الذي يحمله حزبه السياسي الأصفر.
وعلى إيقاع هؤلاء القادة الحزبيين رقصت الجماهير الموالية بكافة أطيافها، من شباب وشيوخ ونساء وأطفال مراهقين، حتى أطل راقصون فقراء التقطتهم الكاميرات وهم يضحكون بملء أشداقهم، يفتحون أفواها خاوية لم يتبق فيها سوى ناب يتيم، في مشهد بائس يختزل عمق الملهاة السياسية، في ظل غياب البرامج الاقتصادية والاجتماعية الواضحة.
غير أن هذه الأسابيع القلائل من الحملة الانتخابية أينعت في المقابل خيرا وفيرا على الفرق الموسيقية والاستعراضية الشعبية، من طبالين وزمارين وطعارجية، حيث انتعش سوق فرق النساء المعروفات بـ “اللَّعابات”، ومجموعات “الشيخات”، والفرق الفنية التي تحيي عادة الأعراس والمواسم، لتجد في موسم التهافت السياسي ملاذها الأوفر رزقا.
يعلق المتشائمون بحسرة عن السخرية المرة التي تحرك ضحك هؤلاء المسحوقين، وعن جثث أحلام المواطنين التي يدوس عليها هؤلاء السياسيون بملء أرجلهم، في عملية تضليل مباشرة تنسي الشارع أزماته المعيشية وارتفاع الأسعار والبطالة.
بيد أن الرقص في أصله الفلسفي والأنثروبولوجي فعل إنساني طبيعي، فالإنسان يميل بفطرته إلى الانشراح والفرح وتفريغ الشحنات الوجدانية عبر الجسد متى سنحت المناسبة. غير أن هذه الظاهرة بهذا الشكل الفج والمكثف لم تكن معتادة في الاستحقاقات الانتخابية التي شهدها المغرب في العقود الماضية…
فمن أين تتسرب هذه الممارسة؟
آه، تذكرت! إنه النموذج الأمريكي الساطع، رئيس أكبر دولة في العالم دونالد ترامب، وهو يرقص على منصات الحملات الانتخابية بإيقاعات هجينة. فقد ظهر ترامب وهو يؤدي هذه الرقصة في عدة محافل دولية ومحلية، مثل تفاعله مع فرق الفنون الشعبية في ماليزيا، وأمام الجنود في القواعد العسكرية، وفي ختام خطاباته المطولة، متجاهلا أحيانا تعليقات زوجته ميلانيا الطريفة، التي كانت تطلب منه التوقف عن ذلك. ورقصة ترامب الشهيرة التي يرفع فيها يديه ويهز وركيه على أنغام أغنية حملته، تحولت إلى “ترند” عالمي انتشر بكثافة على منصات التواصل…
أليس هذا مجرد استيراد شكلي لظاهرة وافدة من بلد العم سام، تماما كما استوردنا عولمة الاستهلاك والمظاهر السطحية والراب وشعبوية الخطاب؟
ولدى المغاربة العبارة الشهيرة “هنا طاح الريال.. وهنا نلعبوا عليه”، وما دام الأمر يتعلق بريال فاللعب لا يعني شيئا آخر خارج المقامرة. والعبارة المغربية ليست بعيدة عن عبارة “هنا الوردة فلنرقص هنا” التي تعود في أصلها الفلسفي إلى الفيلسوف الألماني هيجل بعد أن استوحاها من الميثولوجيا الإغريقية، غير أن كارل ماركس استخدمها حرفيا في أحد مؤلفاته للدلالة على تحدي الواقع وإثبات الإمكان والتغيير في اللحظة الراهنة بدلا من انتظار الوهم أو العودة إلى الماضي.
لكن التاريخ الثقافي للمغرب يحفظ واقعة مضادة تعكس نظرة السلطة التأسيسية للرقص ورعايته، إذ يحكى أن الملك الراحل الحسن الثاني صرح في إحدى المناسبات بأنه ضد أن يرقص المغاربة بالمعنى الفولكلوري المكشوف، وذلك عندما فاجأ حفلا أقيم في قصر إحدى قريباته العلويات، حيث كان الكوريغراف الراحل لحسن زينون يقدم فرقة راقصة تم اختيار أفرادها بعناية ودرّبوا على لوحات استثنائية مستوحاة من التراث الشعبي المغربي بمختلف تلويناته المجالية… يومها أوقف الحسن الثاني الفرقة وخاطب زينون بصرامة قاطعة: “المغاربة لا يرقصون، بل يركبون الخيل!”… ثم أصدر أوامره الفورية بحل الفرقة التي كانت تحظى بدعم مباشر من وزير الشؤون الثقافية آنذاك محمد بنعيسى. وقد أتى على هذه الحادثة صديقنا الراحل الفنان لحسن زينون في سيرته الذاتية التي نشرها بالفرنسية وترجمت تحت عنوان: “الحلم الممنوع”، بتقديم للحقوقي الكبير الراحل عبد الرحيم برادة.

وفي المقابل من هذا المنظور الصارم لم يتردد ابن أخيه، الأمير مولاي هشام الملقب بـ “الأمير الأحمر”، في نشر مقطع فيديو يظهر فيه وهو يرقص بتلقائية في أحد شوارع مدينة مونتريال بكندا على أنغام غيتار لعازف متجول في الشارع يترنم بأغنية شهيرة لمجموعة “البيتلز“.
هنا قد يطرح القارئ الفضولي سؤالا قديما جديدا: هل الرقص في الميزان الشرعي حرام، ولا سيما إذا صادف رقص الرجال؟
يتوارى هذا السؤال الفقهي العقيم بمجرد أن نرى زعيم الإسلاميين عبد الإله بنكيران وهو يرقص وسط الحشود، إذ اعتبر مريدوه أن رقصه كان مقبولا وشعبيا، خاليا من المبالغة أو التواء العجيزة! ولذلك يتزحزح الإشكال من نطاقه الفقهي إلى نطاق الصواب السياسي: هل يحق للسياسي أن يختزل برنامجه ورؤيته للمجتمع في هز الكتفين والتلاعب بالأيدي؟
إن الأزمة الحقيقية ليست في الرقص الفولكلوري بذاته خلال مواسم الرقص الانتخابي، بل في ممارسة الرقص فوق الحبال السياسية، ونحن نتابع جميعا اليوم بكثير من المرارة والتحسر كيف تحول الفعل السياسي من صراع برامج وأفكار إلى سيرك مفتوح للترفيه الرخيص، وكيف التوت الحبال على “الجرار”…
غير أن السؤال الحارق الذي يترسب بعد انطفاء أضواء الكرنفال، وانقضاء موسم الهز والتمايل وانتهاء نشوة الفرح الانتخابي، يظل هو: ماذا بعد كل هذا الرقص العبثي؟ هل سيسعد المغاربة بثمار هذا الاستحقاق، أم أنهم على موعد مع أزمات ومشاق معيشية ما أنزل الله بها من سلطان.. وأن الواجهة حافلة بأزمات خانقة واكتواءات معيشية لا قِبَل للناس بها؟
ساعتها فقط سندرك أنه كان مجرد “رقص مع الذئاب”.. طقس لا يخلف وراءه في الركض السياسي سوى فلول الضحايا وبقايا الافتراس...
