توازن انقسام النخبة والمصالح المشتركة
جمال المحافظ
رغم التحولات التي تشهدها الحياة الاجتماعية والسياسية، فإن الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، أبانت بالملموس، أن الطبقة السياسية، لم تنفصل بصورة نهائية عن الماضي، وانعكس ذلك في مواصلة المحافظة على نفس الأسلوب، فجو الصراع والعداوة المبالغ فيها بين جماعات النخبة، يؤديان منذ عقود إلى تماسك عناصرها وليس إلى تفتيتها، كما سبق أن استنتجه منذ أواخر ستينات القرن الماضي الباحث الأمريكي جون واتربوري في أطروحته الشهيرة حول ” النخبة السياسية بالمغرب..”.
وإذا كان هذا الأمريكي الذي كان لنظريته هاته تأثير على جيل الستينات والسبعينات من الباحثين، وربما مازل تأثيرها حاضرا اعتبر آنذاك، بأن توازن انقسام النخبة بفضل الدفاع عن المصالح المشتركة،فإن ” العلاقات الاقتصادية توحد ما تفرقه الاختلافات السياسية الآنية، مما يجعل سلوك النخبة، يعكس سلوك مجموع المجتمع المغربي”.
ورغم اختلاف السياقات والتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية التي عرفتها البلاد، فإن عددا من الأسئلة يظل طرحها مشروعا منها، هل تغير الوضع الآن بتغير الفاعلين ونمط الحياة الاجتماعية والثقافية وتأثيرات العوامل الخارجية. لكن في ظل غياب دراسات وأبحاث علمية رصينة ، يبدو أن أي جواب آني، يظل بعيدا عن حقائق الأمور وما يعتمل على أرض الواقع.
وهكذ، فإن الممارسة التحقيبية التاريخية تتطور وتتحول، بموازاة تطور الفكر التاريخي وتحوله مرورا برصد التحول وإيقاعاته ومدده، وتحديد المنعطفات وتتبع الاستمرارية والانقطاع، أو الاتصال والانفصال، ورصد النمو، لكن عند التدقيق، يتضح أن ما يتغير هو مفهوم الوحدة الزمانية أي الحقبة التاريخية، يعنى كل تجديد عند النهاية، إعادة النظر في تحقيب التاريخ ، كما رصد المفكر المغربي عبد الله العروي في مؤلفه “مفهوم التاريخ ”.
الماضي والحاضر
وفي نفس المنحى، فإن التاريخ ماض – حاضر، لأنه إذا كان التاريخ لا يسرد إلا ما تبقى من الماضي محفوظا في الذاكرة، لكون التاريخ في أساسه استحضار لهذا التاريخ كما نقرأه ، باعتباره رواية عن أحداث ماضية، لكن عندما نكتبه ونتأمله، يتحول الى دراسة رموز، قائمة حاليا، ودالة عن تلك الاحداث، في حين تهتم منهجية التاريخ بمسائل مثل ما هو دور الماضي في فهم الحاضر؟ ودور الحاضر في فهم الماضي؟ كما جاء في الجزء الثاني من مؤلف” مجمل تاريخ المغرب” لعبدالله العروي أيضا.
وخارج أي جدال تاريخي تظل – على المستوى السياسي الراهن – جميع الأبواب مفتوحة لأي تحالف جديد تبرره الظروف أو المصالح أكثر مما تمليه الاختيارات الإيديولوجية، وهو ما يجعل التحالفات السياسية والحكومية، غير مستقرة وبالتالي يستطيع الأفراد أن يتنقلوا من جماعة إلى أخري وبين إنتماءات متعددة، حيث قد يجد هذا الأمر تبريره بالعودة إلى المسار السياسي للمغرب منذ بداية الاستقلال سنة 1956، حيث وإن كان من الإيجابي أن النضال من أجل نيل الاستقلال لم يؤد إلى إقامة نظام الحزب الوحيد على خلاف العديد من البلدان العربية والافريقية، بل عرف المشهد السياسي تطورا نحو التعددية. بيد إن الفترة مابين 1955 و 1965، كانت كافية لحدوث انقسام وصراع بين الفاعلين الأساسيين على الساحة السياسية آنذاك، وسرعان ما طفت التناقضات على السطح مباشرة بعد الحصول على الاستقلال.
قيادات جديدة
فالسنوات الأولى للاستقلال، كانت حاسمة في تشكل المشهد السياسي الذي سيستمر في التبلور على مدى عقود من الزمن، بغض النظر عن التحولات على المستويين الوطني والدولي وظهور أجيال من القيادات الجديدة، لم تعش تناقضات هذه المرحلة، لكن آثارها ظلت مهيمنة وترخى بظلالها على النسق السياسي الوطني وتجلياته.
غير أن الحركات الاحتجاجية الكبرى، ساهمت بدورها في بلورة قناعة، على ما يبدو، لدى الجميع الفاعلين السياسيين، خاصة منذ مطلع تسعينات القرن الماضي بأهمية التكيف والحوار، بدل المواجهة والصراع الذي ظل مهيمنا، لعقود مع البحث بالمقابل عن مقاربات جديدة في عمليات الحوار ما بين السلطات الفاعلين السياسيين والاجتماعيين .
وعلى الرغم مما يلاحظ من تحولات، فإن يصعب القول بأنها أدت بشكل نهائي وجذري إلى إعادة النظر بشكل جذري في علاقة الدولة بالمجتمع، ذلك لأن مؤشرات عقد التسعينات، لم ترق إلى مستوى تغيير البنيات الاجتماعية التقليدية التي ظلت تتحكم فيها سلوكيات وتوازنات غالبية الفاعلين . بيد أن تحقيق ذلك، ” ظل رهينا بمدى قدرة الفاعلين على مأسسة الحوار الاجتماعي والسياسي، مع تقديم تنازلات متبادلة وتوافق حول القضايا العالقة”، كما سجلت هيئة الانصاف والمصالحة في تقريرها الختامي.
الصحافة والسياسة
وبخصوص العلاقة ما بين الصحافة والسياسة، فإنها كانت وثيقة الصلة، على الرغم من أن الإعلام ليس مجرد ناقل محايد، بل يؤثر ويتأثر، كما تساهم الأحداث المهمة في دفعه إلى الأمام لأجل الاستجابة للمتغيرات بمرونة تامة، حيث يلاحظ بأن العلاقة ما بين الفعل السياسي ووسائل الإعلام، أصبحت في الوقت الراهن، أكثر تداخلا. فهذا الترابط بين الحقلين معا، أخذ في التعاظم بفضل التطور التكنولوجي والثورة الرقمية التي أصبح لها تأثيرا متصاعدا على عملية التنشئة الاجتماعية، مقابل تراجع لدور الأسرة والمدرسة في هذا المجال.
بنيات المجتمع
وعلى الرغم من تعقد العلاقة بين السياسي والصحفي، كما هو الشأن بالنسبة للعلاقة بين الثقافي والسياسي، فإن ذلك يسمح ببناء فرضيات ومعطيات مساعدة على تركيب العلاقة بينهما. كما يتجاذب التفكير في هذه العلاقة في غالب الأحيان، إرادة الهيمنة والاستقطاب، وهو ما يكشف المواقف الضدية المتباينة، جانبا من خلفيات التنافر والتوتر القائم بين المجالين والفاعلين من جهة السياسي والإعلامي من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم وسائل الإعلام فهما شموليا، دون التطرق إلى بنيات ومؤسسات المجتمع ونظمه المختلفة، فوسائل الإعلام بأشكالها التقليدية والجديدة، هي جزء من البناء الاجتماعي لأي بلد، وأن تطورها، يعد نتيجة لعمليات التطور السياسي، وأن الإعلام يتأثر إيجابا أو سلبا، بالبيئة السياسية والاجتماعية وبالأنساق الإيديولوجية.
نقاش عمومي
وباعتبار أن الاستقلال بين هذه الحقول نسبي، وهو ما يصعب العثور عليه في نسقنا السياسي الوطني، وهذا ما يجعل وسائل الإعلام لا تستطيع البقاء مستقلة عن البيئة المحيطة بها، ذلك لأن الاستراتيجية والفلسفة السياسية لكل دولة، تحدد حجم ومضمون وسائل الإعلام التي تعكس في حقيقة الأمر تموجات المجتمع وطبيعته. كما إنه في الوقت الذي تكون فيه الأحزاب السياسية، قد فقدت مصداقيتها لدى الرأي العام، وهو ما يلاحظ حاليا، فإن الإعلام بإمكانه، أن يصبح المصدر الرئيس الذي تستقى منه المواطنات والمواطينين الأخبار والمعلومات.
فمن خلال ما أفرزته الانتخابات في 23 شتنبر 2026 التي بلغ معدل المشاركة فيها، نسبة 38.02 بالمائة التي تعد أدنى نسبة مسجلة في الانتخابات التشريعية منذ إقرار دستور 2011 ، وهو معدل يسائل الجميع ، ويتطلب فتح نقاش عمومي متعدد الأبعاد، لمقاربة تداعيات هذه النسبة وانعكساتها على النسق السياسي المغربي.
