الثائر الأممي تشي غيفارا وجسوره مع العالم العربي.. في ذكرى اغتياله
عمر بنعطية
في التاسع من أكتوبر عام 1967 سقط الثائر الأممي أرنستو تشي غيفارا قتيلا في أحراش بوليفيا بعد تعرضه للأسر والإعدام الميداني على يد الجيش البوليفي بمساعدة وإشراف من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
لم يكن رحيل غيفارا مجرد غياب لرمز أرجنتيني خاض الثورة الكوبية بجانب فيدل كاسترو، بل كان ميلادا لرمزية عالمية تجسد الرفض المطلق للهيمنة والإمبريالية.
لقد أدرك تشي مبكرا أن الثورة لا تحجم داخل الحدود الوطنية؛ فجاب العالم حاملا قضية التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، وكان للعالم العربي حصة مركزية في فكره وحراكه الجيوسياسي، بالنظر إلى زخم حركات التحرر التي شهدتها المنطقة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
غيفارا والعالم العربي..

شكلت الجولات الدبلوماسية والشعبية التي قام بها غيفارا إلى المنطقة العربية جزءا أساسيا من صياغة عقيدته في الأممية الثورية، والربط بين نضالات الشعوب في العالم الثالث.
فقد زار غيفارا القاهرة مرتين، الأولى في يونيو 1959 بعيد نجاح الثورة الكوبية مباشرة، حيث استقبله الرئيس جمال عبد الناصر بحفاوة كبيرة. تأثر غيفارا بالمهابة الناصرية وبمشروع الإصلاح الزراعي والتأميم. وعاد ليقضي في مصر أسابيع عدة عام 1965 قبل توجهه إلى الكونغو، حيث أجرى حوارات عميقة مع عبد الناصر حول استراتيجيات النضال المسلح وحرب العصابات.
وخلال زيارته لمصر عام 1959، أصر غيفارا على زيارة قطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية آنذاك. التقى بالقيادات المحلية واللاجئين الفلسطينيين في المخيمات، وكانت هذه الزيارة من أوائل اللحظات التي انتبه فيها القادة الثوريون في أمريكا اللاتينية إلى أبعاد المأساة الفلسطينية، مما ساهم في صياغة موقف كوبا التاريخي المناهض للاحتلال.

وكانت الجزائر بالنسبة لغيفارا تجسيدا حيا لنجاح حرب التحرير الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي. زارها عدة مرات بعد الاستقلال، واستقبل استقبال الأبطال من قبل الرئيس أحمد بن بلة. ألقى غيفارا في الجزائر عام 1965 خطابه الشهير في المنظمة الإفريقية-الآسيوية، والذي انتقد فيه الصمت الدولي ودعا إلى تضامن اقتصادي وعسكري حقيقي بين دول العالم الثالث.
وضمن جولته عام 1959 زار غيفارا دمشق وقام بجولة في أسواقها القديمة ومعالمها التاريخية، كما زار ضريح صلاح الدين الأيوبي. وعبر غيفارا خلال الزيارة عن إعجابه بتاريخ المنطقة ونضال الشعب السوري ضد الاستعمار الفرنسي، مؤكدا على أن معركة التحرر في الشرق الأوسط هي جزء لا يتجزأ من المعركة العالمية ضد الاستبداد.

وفي إطار الجولة ذاتها لربط الصلات مع دول عدم الانحياز وحركات التحرر الإفريقي، زار غيفارا الرباط في عهد حكومة الأستاذ عبد الله إبراهيم، حيث التقى خلالها بمسؤولين وشخصيات من الحركة الوطنية المغربية. وهدفت الزيارة إلى فتح قنوات التواصل الثقافي والدبلوماسي بين كوبا والمغرب، والاستكشاف المبكر لآفاق التعاون الإفريقي-اللاتيني.
لم تقتصر زيارة غيفارا للمغرب وتفاعله مع شؤونه على اللقاءات الدبلوماسية الرسمية، بل امتدت لتتقاطع مع رموز المقاومة والفكر الاتحادي والتحرري:
-عبد الكريم الخطابي، الملهم في حرب العصابات:
كان غيفارا معجبا أشد الإعجاب بالتكتيكات العسكرية والأعمال الحربية التي أدارها الأمير عبد الكريم الخطابي في معركة أنوال وثورة الريف. وقد التقى به غيفارا في القاهرة عام 1959 في مقر إقامته بملحق اللجوء السياسي، حيث عبّر غيفارا للخطابي عن امتنان الثوار الكوبيين لأساليبه النضالية، مؤكدا أن تكتيكات حرب العصابات التي اعتمدها كاسترو وغيفارا في جبال سيرامايسترا استلهمت جذورها الأولى من حرب الريف المغربية.
– عبد الله إبراهيم، التوافق الفكري واللقاء الرسمي:
خلال زيارته للرباط عام 1959، التقى غيفارا بالمناضل والزعيم النقابي عبد الله إبراهيم، الذي كان يشغل حينها رئيس الحكومة المغربية. شكل اللقاء فرصة لتبادل الرؤى حول الاستقلال الاقتصادي، ومواجهة الشركات العابرة للقارات، وبناء الدولة الوطنية الحديثة بعيداً عن الارتهان للدول الاستعمارية، حيث التقت النظرة الاشتراكية التحررية لغيفارا مع التوجه العلمي والوطني لعبد الله إبراهيم.
– المهدي بنبركة، هندسة الأممية الثورية ومؤتمر القارات الثلاث:

جمعت غيفارا بالشهيد المهدي بنبركة علاقة رفقة ونضال استثنائية ضمن مشروع العالم الثالثي لمواجهة الإمبريالية. عقد الرجلان لقاءات مكثفة في القاهرة والجزائر وهافانا لتأسيس منظمة التضامن مع شعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، والتنسيق لمؤتمر القارات الثلاث. كان بنبركة يرأس اللجنة التحضيرية للمؤتمر ويعمل يدا بيد مع غيفارا لتوحيد حركات التحرر في الجنوب العالمي، وهي الدينامية التي أزعجت الاستخبارات الدولية وكانت من أبرز الدوافع وراء اغتيال بنبركة بالباريس عام 1965، يعقبه اغتيال غيفارا نفسه بعد سنتين.
تأتي ذكرى اغتيال تشي غيفارا لتذكر بأن فكره لم يكن مجرد تنظير أيديولوجي، بل كان ممارسة ميدانية وعابرة للقارات. إن ربطه المباشر بين نضال زباتا في أمريكا اللاتينية وثورة الجزائر وقضية فلسطين يجعله حتى اليوم حاضرا في الوجدان العربي، لا كأيقونة تطبع على القمصان والملصقات فحسب، بل كرمز للتمرد على الظلم وسعى الشعوب نحو كسر أغلال الهيمنة.
