القاعدة التي كُتبت على ثلوج روسيا ودماء جيوشها (4)

القاعدة التي كُتبت على ثلوج روسيا ودماء جيوشها (4)

د. زياد أسعد منصور

         في الأكاديميات العسكرية يتعلم الضباط كيف تبدأ الحروب، وكيف تتحرك الجيوش، وكيف تُحسب موازين القوى، وتُحمى خطوط الإمداد، وتُضرب مراكز القيادة، لكن التاريخ يعلّم شيئًا أكثر تعقيدًا من الحساب العسكري المباشر؛ فهو يعلّم أن القوة لا تُقاس فقط بمقدار ما تستطيع دولة أن توجهه من ضربات إلى خصمها، وإنما كذلك بمقدار ما يستطيع ذلك الخصم أن يتلقاه من ضربات من دون أن يفقد قدرته على الاستمرار. وهذه قاعدة شديدة الأهمية عند دراسة روسيا، لأن تاريخها لا يقدم صورة دولة لم تعرف الهزيمة، بل يقدم تجربة أكثر تعقيدًا بكثير: دولة خسرت حروبًا، وانهارت أنظمتها السياسية أكثر من مرة، وفقدت أراضي ونفوذًا وملايين البشر، ثم استطاعت في مراحل مختلفة أن تعيد تكوين أدوات القوة من جديد. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت روسيا قابلة للهزيمة، فقد أثبت التاريخ أنها كذلك، وإنما لماذا كان تحويل الهزيمة العسكرية إلى انهيار نهائي للدولة أكثر صعوبة في بعض مراحل تاريخها مما توقعه خصومها.

الجغرافيا قبل الدبابة

تبدأ الإجابة من الجغرافيا، ولكن ليس بالمعنى الساذج الذي يحول المساحة إلى ضمانة للنصر. فروسيا، بمساحتها التي تبلغ نحو 17.1 مليون كيلومتر مربع، ليست قوية لمجرد أنها كبيرة؛ إذ تستطيع الدول الكبيرة أن تُهزم مثلما تستطيع الدول الصغيرة أن تنتصر. غير أن المساحة تغير طبيعة الحساب العسكري لأنها تمنح الدولة عمقًا لا يظهر في عدد الدبابات والطائرات. فمن المراكز الروسية الغربية تمتد البلاد إلى الأورال، ثم إلى سيبيريا، ثم إلى الشرق الأقصى، وبين هذه المناطق شبكة هائلة من المدن والسكك الحديدية ومراكز الإنتاج ومصادر الطاقة والمواد الخام. ولذلك فإن الجيش الذي يتقدم داخل هذا الفضاء لا يواجه الوحدات العسكرية الموجودة أمامه وحدها، بل يواجه كذلك المسافة التي تفصله عن قواعده، والحاجة المتزايدة إلى الوقود والذخيرة والصيانة والغذاء والاتصالات وحماية خطوط الإمداد.

ولا يعني ذلك أن الجغرافيا تقاتل بدل الجنود، بل إن قيمتها تظهر فقط عندما تستطيع الدولة تحويلها إلى قدرة سياسية واقتصادية وعسكرية. فالصحراء التي لا طريق فيها ليست بالضرورة قوة، والمساحة التي لا تستطيع الدولة إدارتها قد تتحول إلى عبء، والموارد الموجودة تحت الأرض لا تصبح قوة إلا عندما توجد مؤسسات تستطيع استخراجها ونقلها وتصنيعها. ولذلك فإن العمق الروسي لم يكن في التاريخ مجرد آلاف الكيلومترات الفارغة، بل كان، في لحظات معينة، مجالًا يسمح بالتراجع وإعادة التنظيم ونقل الصناعة وتعبئة موارد جديدة وإطالة أمد الحرب إلى النقطة التي يبدأ فيها الزمن نفسه بالعمل ضد الخصم.

1812: عندما لم يكن احتلال موسكو نهاية الحرب

تقدم حملة نابليون سنة 1812 أحد أشهر الأمثلة على هذه العلاقة بين الجغرافيا والزمن. فقد دخل الجيش الفرنسي وحلفاؤه الأراضي الروسية بقوة هائلة، وخاضوا معارك دامية، ووصل نابليون في النهاية إلى موسكو. ومن منظور الحرب التقليدية كان الوصول إلى مدينة بهذا الحجم والرمزية يمكن أن يبدو خطوة تقترب من الحسم، لكن احتلال موسكو لم ينتج التسوية السياسية التي كان نابليون ينتظرها، ولم يؤد إلى انهيار الدولة الروسية أو قبولها شروطه. ومع امتداد الحملة أصبحت المسافة التي قطعها الجيش الفرنسي جزءًا من مشكلته، إذ ازدادت صعوبة الإمداد، وتراكمت الخسائر، وانتشرت الأمراض، وتراجع الغذاء والعلف، ثم جاء الانسحاب في ظروف قاسية ليحوّل الحملة إلى واحدة من أشهر الكوارث العسكرية في التاريخ الأوروبي.

ولهذا فإن اختزال حملة 1812 في العبارة الشعبية التي تقول إن «الشتاء الروسي هزم نابليون» يحجب المعنى الأعمق للتجربة. فالشتاء كان عاملًا مهمًا، لكنه لم يكن جيشًا مستقلًا قاتل الفرنسيين؛ كانت هناك الاستراتيجية الروسية، والمسافات، والخسائر القتالية، والأمراض، والإمداد، والمقاومة، والطقس، وكلها تفاعلت داخل فضاء جغرافي جعل استمرار الحملة أصعب مع مرور الوقت. والدرس الذي تركته 1812 لم يكن أن من يدخل روسيا سيُهزم حتمًا، وإنما أن الوصول إلى مركز سياسي أو احتلال مدينة كبرى لا يساوي بالضرورة القدرة على فرض نهاية الحرب على دولة تملك عمقًا يسمح لها بالاستمرار.

الهزيمة التي تكسر الأسطورة

لكن التاريخ الروسي نفسه يحول دون تحويل تجربة نابليون إلى قاعدة مطلقة تفسر كل الحروب التي خاضتها روسيا. ففي حرب القرم (1853–1856) لم تكن الإمبراطورية الروسية تواجه قوة منفردة؛ إذ تحول الصراع مع الدولة العثمانية إلى مواجهة دولية بعد دخول بريطانيا وفرنسا الحرب إلى جانب العثمانيين، ثم انضمام مملكة سردينيا إلى التحالف، الأمر الذي فرض على روسيا مواجهة قوة بحرية وصناعية ومالية أوروبية كبيرة على عدة جبهات. وقد أظهرت الحرب، ولا سيما حصار سيفاستوبول، قدرة روسية كبيرة على الصمود، لكنها كشفت في الوقت نفسه أوجه قصور في منظومة النقل والإمداد والتسليح والتنظيم مقارنة ببريطانيا وفرنسا. وانتهت الحرب بمعاهدة باريس سنة 1856، التي فرضت قيودًا مهمة على الوجود العسكري الروسي في البحر الأسود. ولذلك لا ينبغي تصوير النتيجة باعتبارها انهيارًا عسكريًا روسيًا شاملًا، ولا إنكار كونها هزيمة سياسية واستراتيجية؛ بل كانت نتيجة حرب خاضتها روسيا ضد تحالف دولي قوي في ظل اختلالات عسكرية ولوجستية داخلية، وأصبحت نتائجها أحد دوافع الإصلاحات الكبرى في عهد ألكسندر الثاني.

أما الحرب الروسية–اليابانية (1904–1905) فكانت مختلفة في ظروفها، وإن كانت تكشف بدورها حدود الاعتماد على الحجم الجغرافي والسكاني وحده. فقد واجهت روسيا اليابان في مسرح عمليات بعيد جدًا عن مراكزها السكانية والصناعية الأوروبية، وكانت قدرتها على نقل القوات والإمدادات إلى منشوريا مقيدة إلى حد بعيد بخط السكك الحديدية السيبيري الذي لم تكن طاقته آنذاك كافية لحشد كامل الإمكانات الروسية بسرعة. وحققت اليابان انتصارات كبرى في بورت آرثر وموكدن وتسوشيما، لكن انتهاء الحرب جاء أيضًا في وقت كانت فيه الإمبراطورية الروسية تواجه أزمة داخلية وثورة 1905 واضطرابات سياسية واجتماعية واسعة. ولذلك كانت معاهدة بورتسموث تسويةً أنهت الحرب قبل أن تتحول إلى صراع يستنزف كامل الموارد البشرية والمادية للإمبراطورية الروسية. ومن ثم فإن الوصف الأدق ليس إنكار الهزيمة العسكرية الروسية في ميادين رئيسية، فهي موثقة تاريخيًا، وإنما التأكيد أن نتيجة الحرب لم تكن دليلًا على عجز روسيا المطلق عن مواصلة القتال؛ فقد تشكل القرار بإنهائها من تفاعل الهزائم الميدانية، وصعوبة المسرح الآسيوي وخطوط الإمداد، والكلفة المالية، والأزمة الثورية الداخلية. وهذا التمييز ضروري لفهم التاريخ العسكري الروسي: فروسيا امتلكت قدرة استثنائية على استيعاب الصدمات والاستمرار في حروب طويلة، لكنها لم تكن محصنة من الهزيمة عندما اجتمعت الضغوط الخارجية مع اختلالات عسكرية وسياسية داخلية.

ومن هنا تظهر قاعدة لا تقل أهمية عن قاعدة العمق الجغرافي. فالدولة لا تُهزم فقط عندما يخترق العدو حدودها، بل قد تصبح الهزيمة أخطر عندما تجد الأزمة الخارجية داخل الدولة أزمة أخرى تنتظرها. فالضغط العسكري يستطيع أن يستنزف الجيش، لكن تفاعله مع أزمة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية قد يحول الهزيمة من حدث يقع على الجبهة إلى أزمة تصيب النظام نفسه. وهذه النقطة ستظهر بأقصى وضوح بعد أكثر من عقد، عندما دخلت الإمبراطورية الروسية الحرب العالمية الأولى وهي تملك مساحة هائلة وسكانًا وموارد ضخمة، ثم اكتشفت أن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة القدرة المؤسسية على استخدامها إلى ما لا نهاية.

1917: عندما لم تعد المسافة قادرة على إنقاذ الدولة

استنزفت الحرب العالمية الأولى الإمبراطورية الروسية عسكريًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وتراكمت الخسائر وأزمات التموين ومشكلات النقل والتضخم والتوتر السياسي، حتى جاءت ثورة شباط 1917 وسقط النظام القيصري. وتكمن أهمية هذه اللحظة في أنها تكشف الحدود النهائية للجغرافيا؛ فالدولة تستطيع أن تتراجع مئات الكيلومترات أمام جيش خارجي، لكنها لا تستطيع أن تتراجع بعيدًا عن أزمة شرعيتها الداخلية، وتستطيع أن تعبئ ملايين الرجال، لكن التعبئة نفسها قد تصبح عبئًا إذا عجز الاقتصاد والمجتمع والنظام السياسي عن تحمل تكلفتها.

ولهذا فإن قوة روسيا التاريخية لم تكن يومًا في المساحة وحدها، وإنما في قدرة الدولة على تحويل المساحة إلى موارد منظمة، والموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى قوة عسكرية، والقوة العسكرية إلى هدف سياسي يستطيع المجتمع أن يفهمه ويتحمل تكلفته. فإذا تعطلت هذه السلسلة، تتحول عناصر القوة نفسها إلى مصادر للضغط؛ فالمساحة تحتاج إلى إدارة، والجيش الكبير يحتاج إلى غذاء وسلاح وتمويل، والإمبراطورية الواسعة تحتاج إلى مركز سياسي قادر على المحافظة على تماسكها. وعندما يفشل المركز، لا تنقذه الخريطة وحدها.

1941: عندما تحركت الدولة إلى الخلف كي تستطيع العودة إلى الأمام

جاء الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي سنة 1941 ليضع هذه العلاقة بين الدولة والجغرافيا والصناعة أمام أعظم امتحان عرفته روسيا في العصر الحديث. ففي الأشهر الأولى من عملية بارباروسا تعرض الجيش الأحمر لخسائر كارثية، وسقطت مساحات واسعة، ودُمرت تشكيلات عسكرية، وأُسر أعداد هائلة من الجنود السوفيت، ووصلت القوات الألمانية إلى أعماق الدولة. ولو كان الحكم على مستقبل الاتحاد السوفيتي قد بُني في صيف 1941 على مقدار ما خسره في الأسابيع الأولى وحدها، لكان من السهل تصور أن انهياره أصبح مسألة وقت.

لكن الحرب لم تكن تجري عند الجبهة وحدها. ففي الخلف كانت الدولة تنقل أعدادًا ضخمة من المنشآت الصناعية والمعدات والعمال شرقًا بعيدًا عن مناطق الاحتلال والقتال، ثم تعيد تشغيل جزء مهم من قدرتها الإنتاجية. وهنا يتحول مفهوم العمق الاستراتيجي من فكرة مجردة إلى واقع مادي؛ فالجغرافيا لا تنتج الدبابة، لكنها تمنحك المكان الذي تستطيع أن تنقل إليه المصنع الذي ينتجها، والمسافة لا تصنع الذخيرة، لكنها تستطيع أن تمنح الصناعة مجالًا تستمر فيه بعيدًا عن الجيش المعادي. وعندما تضاف إلى ذلك التعبئة البشرية الواسعة، وإعادة تشكيل الوحدات العسكرية، والقدرة الصناعية السوفيتية، ومساعدات الحلفاء المهمة عبر برنامج الإعارة والتأجير، نفهم لماذا لا يمكن تفسير الانتصار السوفيتي لا بـ«الشتاء الروسي» وحده ولا بأسطورة قدرة خارقة على التضحية.

كانت الحرب، في جوهرها، صراعًا على القدرة على تحويل الزمن إلى قوة. فالجيش الذي يبني خطته على انتصار سريع يرى في الشهر الأول فرصة للحسم، أما الدولة التي تستطيع الاستمرار فإنها تستطيع، إذا بقيت مؤسساتها ومصانعها ومواردها تعمل، أن تجعل كل شهر إضافي فرصة لإنتاج سلاح جديد، وتدريب جنود جدد، وتصحيح أخطاء سابقة، وإعادة تنظيم ما تحطم. لكن الزمن ليس حليفًا مجانيًا؛ فهو يعني كذلك مزيدًا من القتلى والدمار والإنفاق. ولذلك فإن القدرة على الاستمرار ليست هي الانتصار، لكنها تمنع الخصم من اعتبار الصدمة الأولى نهاية الحرب.

الاقتصاد الذي يقف خلف الجبهة

ومن هنا يصبح فهم الاقتصاد الروسي جزءًا من فهم القوة العسكرية نفسها. فروسيا ليست جيشًا موضوعًا فوق أرض فارغة، وإنما دولة تملك موارد ضخمة من النفط والغاز والفحم والمعادن والأراضي الزراعية والغابات والمياه، إلى جانب قاعدة صناعية واسعة. ولا تجعل هذه الموارد الاقتصاد الروسي مكتفيًا بذاته، لأن الاقتصاد الحديث يعتمد على شبكات عالمية من التكنولوجيا والتمويل والآلات والإلكترونيات والخدمات وسلاسل التوريد، لكن امتلاك الطاقة والمواد الأولية والغذاء داخل الحدود يمنح الدولة هامشًا مختلفًا عن دولة تعتمد اعتمادًا شبه كامل على الخارج في حاجاتها الأساسية.

ولهذا ينبغي التمييز بين قدرة العقوبات على إيلام اقتصاد ما وبين قدرتها على دفعه إلى الانهيار. فالعقوبات تستطيع أن تجعل التكنولوجيا أغلى وأصعب وصولًا، وأن تحد من الاستثمار والتمويل، وأن تقلص بعض الأسواق، وأن تفرض على الدولة البحث عن طرق تجارية أطول وأكثر تكلفة، لكنها لا تحول تلقائيًا دولة منتجة للطاقة والغذاء والمواد الخام إلى دولة عاجزة عن تشغيل اقتصادها. وفي المقابل، لا يعني استمرار الاقتصاد أن العقوبات بلا أثر؛ لأن التكيف نفسه يستهلك موارد، وتحويل التجارة إلى أسواق جديدة له تكاليف، وتوجيه نسبة أكبر من العمال ورأس المال والإنتاج نحو المجهود العسكري يعني أن قطاعات أخرى من الاقتصاد تدفع الثمن.

ومن هنا يصبح السؤال الأكثر جدية بعيدًا عن الثنائية البسيطة بين «نجاح العقوبات» و«فشلها»: ما مقدار الكلفة المتراكمة التي تستطيع الدولة تحملها، وما مقدار قدرتها على إعادة توزيع هذه الكلفة داخل الاقتصاد والمجتمع، وهل تستطيع آليات التكيف أن تعمل بالسرعة نفسها التي تتراكم بها القيود؟ فالاقتصاد في الحرب لا يعيش فقط على مقدار المال الموجود في الخزانة، بل على قدرته على تحويل المال إلى مواد وطاقة وعمال ومصانع ومنتجات تصل في النهاية إلى الجبهة.

المصنع خلف الجندي

الحرب الحديثة تستهلك الذخيرة والمدفعية والصواريخ والطائرات المسيّرة والمركبات والإلكترونيات والوقود بكميات تجعل عدّ الأسلحة الموجودة في المستودعات عند بداية الحرب معيارًا ناقصًا للقوة. فالمخزون، مهما كان ضخمًا، قابل للنفاد، بينما تصبح القاعدة الصناعية العسكرية هي العنصر الذي يحدد مقدار ما تستطيع الدولة تعويضه بعد سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات من القتال. وهنا يظهر الفارق بين جيش يملك أسلحة كثيرة ودولة تستطيع إنتاج أسلحة جديدة وإصلاح المعدات المتضررة واستبدال ما تفقده والمحافظة على سلسلة الإمداد التي تجعل الجيش قادرًا على الاستمرار.

لكن الصناعة ليست آلة مستقلة عن بقية المجتمع. فهي تحتاج إلى العمال والطاقة والتقنيات والمواد الخام والنقل والتمويل، ولذلك فإن قاعدة صناعية ضخمة يمكن أن تكون عنصر قوة وفي الوقت نفسه مصدر ضغط على الاقتصاد المدني. وتزداد المشكلة عندما تعتمد بعض الصناعات على مكونات وتقنيات متقدمة يصعب إنتاجها محليًا أو الحصول عليها تحت العقوبات. ومن هنا تصبح الحرب الصناعية في القرن الحادي والعشرين أيضًا حربًا على أشباه الموصلات والآلات الدقيقة وسلاسل التوريد والتمويل والقدرة على الالتفاف على القيود التجارية.

وبذلك لا يعود السؤال الاستراتيجي: كم صاروخًا تملك الدولة الآن؟ بل: ما المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والصناعية التي تقف خلف ذلك الصاروخ، وكم مرة تستطيع إعادة إنتاجه بعد استخدامه؟ فالجيش الذي يظهر على الجبهة ليس سوى الجزء المرئي من بنية أكبر بكثير تمتد من المنجم وحقل النفط إلى المصنع والسكك الحديدية والجامعة والموازنة العامة.

الإنسان والذاكرة: ما لا يظهر في جداول القوة

ومع ذلك تبقى هناك قوة لا يستطيع الاقتصادي أو الجنرال قياسها بسهولة، هي مقدار الألم الذي يستطيع المجتمع تحمله قبل أن يتغير موقفه من الحرب. ولا يوجد شعب يولد محبًا للموت، ولا يمتلك الروس طبيعة بشرية مختلفة تجعلهم قادرين بالفطرة على احتمال الخسائر، كما أن المجتمع الروسي، شأنه شأن أي مجتمع كبير، ليس كتلة سياسية واحدة. لكن التاريخ يترك ذاكرة، والذاكرة بدورها تؤثر في الطريقة التي يفهم بها الناس الخطر والتضحية والوطن.

في الذاكرة الروسية تحتل حروب 1812 والحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية، ثم لينينغراد وموسكو وستالينغراد وكورسك وانتصار 1945، مكانة تتجاوز كتب التاريخ لتدخل في ذاكرة العائلات والتعليم والنصب والطقوس العامة للدولة. وعندما ينجح الخطاب السياسي في تقديم صراع ما إلى قطاعات واسعة من المجتمع باعتباره دفاعًا عن الوطن لا مجرد نزاع على مصالح خارجية، فإنه يستطيع أن يستدعي هذا المخزون التاريخي ويمنح التضحية معنى يتجاوز الحساب الفردي المباشر. غير أن الذاكرة لا تلغي حدود الاحتمال؛ فهي قد تفسر الألم وتمنحه معنى، لكنها لا تستطيع أن تجعل الاقتصاد غير محدود أو السكان غير قابلين للإنهاك أو الأخطاء العسكرية بلا نتائج. فالإنسان لا يحتمل الألم لأنه لا يشعر به، وإنما يستطيع أحيانًا احتماله عندما يعتقد أن له معنى. ولذلك فإن الحرب الطويلة ليست صراعًا على الأرض والسلاح والموارد وحدها، بل هي أيضًا اختبار لقدرة المجتمع على تحويل التضحية إلى معنى تاريخي وجماعي. وفي الحالة الروسية تكتسب مفاهيم الوطن (Родина)، والدفاع عن الأرض، والصمود، والتضحية في مواجهة الغزو الخارجي مكانة عميقة في الذاكرة التاريخية والثقافة الوطنية، تشكلت عبر تجارب متراكمة من الحروب والغزوات، وبلغت ذروتها الرمزية في ذاكرة «الحرب الوطنية العظمى» والانتصار على ألمانيا النازية سنة 1945. ولذلك لا يصح تفسير القدرة الروسية على تحمل الخسائر بمنطق القوة العسكرية والمادية وحده؛ إذ ارتبطت تاريخيًا أيضًا بإحساس راسخ بأن الدفاع عن الوطن، عندما يُنظر إلى الحرب بوصفها تهديدًا للأرض والدولة والمجتمع، يتجاوز الحسابات الفردية المباشرة ويصبح واجبًا جماعيًا وامتدادًا لذاكرة الأجيال السابقة. ومن هنا فإن فهم السلوك الروسي في الحروب الطويلة يقتضي أخذ هذه البنية التاريخية للانتماء والتضحية والصمود بجدية.

1991: عندما انهارت الدولة من الداخل

تكشف تجربة تفكك الاتحاد السوفيتي عن حقيقة مختلفة تتجاوز موازين القوة العسكرية التقليدية؛ فقد ظل الاتحاد حتى سنواته الأخيرة قوة عظمى تمتلك ترسانة نووية هائلة، وقوات مسلحة واسعة، وموارد طبيعية وبشرية وجغرافية استثنائية، ولم يكن تفككه نتيجة هزيمة عسكرية أمام قوة خارجية أو احتلال أجنبي لأراضيه. وإنما جاء في سياق تراكم عوامل اقتصادية وسياسية ومؤسسية وقومية، وتغير العلاقة بين المركز والجمهوريات الاتحادية، والصراع على السلطة والاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه الدولة في سنواتها الأخيرة. ومن ثم فإن نهاية الاتحاد السوفيتي لا تنتقص من القوة التاريخية لروسيا ولا من تضحيات شعوب الاتحاد، بل توضح أن بقاء الدول الكبرى لا تحدده القدرة العسكرية وحدها؛ إذ يعتمد كذلك على تماسك مؤسسات الدولة، وفاعلية الاقتصاد، واستقرار النظام السياسي، وقدرة المركز على إدارة العلاقة بين مكونات الاتحاد. ولذلك تمثل سنة 1991 حالة تاريخية مختلفة جذريًا عن هزائم الحروب التقليدية: لم تسقط موسكو أمام جيش غازٍ، ولم تُهزم القوات السوفيتية في حرب أنهت الدولة، وإنما انتهى الاتحاد السوفيتي عبر عملية سياسية ودستورية وصراعات داخلية معقدة أدت إلى ظهور خمس عشرة دولة مستقلة، وفي مقدمتها الاتحاد الروسي بوصفه الدولة المستمرة للاتحاد السوفيتي في عدد من المجالات القانونية والدولية.

لكن انهيار الاتحاد السوفيتي كشف في الوقت نفسه الفارق بين انهيار نظام سياسي واختفاء المجال الذي قام فوقه. فروسيا الاتحادية خرجت من الانهيار وهي تملك مساحة هائلة وموارد ضخمة وترسانة نووية وقاعدة صناعية وعسكرية ومقعد الاتحاد السوفيتي الدائم في مجلس الأمن. دخلت التسعينيات في أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية قاسية، وتراجع نفوذها، لكنها لم تختفِ، ثم بدأت خلال العقود اللاحقة في إعادة بناء جانب من مؤسسات الدولة وقدراتها. وهكذا عاد التاريخ مرة أخرى ليطرح السؤال نفسه: ما الذي ينهار عندما تنهار دولة، وما الذي يبقى بعدها قادرًا على بناء دولة أخرى؟

بين أسطورتين

وقد وقع خصوم روسيا أحيانًا في خطأ التقليل من قدرتها على الاحتمال، لأن القوة الروسية في تجارب تاريخية كبرى لم تكن تُقاس فقط بحجم الجيش الموجود عند بداية الحرب، بل بقدرة الدولة والمجتمع على إعادة إنتاج القوة بعد تلقي الضربة الأولى. ففي مواجهة نابليون سنة 1812 لم يؤدِّ سقوط موسكو إلى إنهاء الحرب أو إخضاع الإمبراطورية، كما أن الكوارث العسكرية التي تعرض لها الاتحاد السوفيتي في الأشهر الأولى من الغزو الألماني سنة 1941، بما فيها فقدان أعداد هائلة من الجنود ومساحات واسعة من الأراضي والمراكز الاقتصادية، لم تتحول إلى انهيار نهائي. استطاعت الدولة السوفيتية نقل جزء كبير من صناعاتها شرقًا، وتعبئة موارد بشرية ومادية ضخمة، وتعويض جانب من خسائرها، ثم الانتقال تدريجيًا من الدفاع إلى الهجوم حتى وصلت قوات الجيش الأحمر إلى برلين سنة 1945. ومن هنا فإن إحدى السمات المهمة في التاريخ العسكري الروسي والسوفيتي ليست «استحالة الهزيمة»، وإنما القدرة، في ظروف تاريخية معينة، على منع الهزيمة الأولية من أن تصبح هزيمة نهائية، وتحويل الزمن والمسافة والموارد والتعبئة والصناعة إلى عناصر في إعادة بناء القوة وصناعة النصر.

وهذه الحقيقة هي التي تجعل التصورات التي تراهن على أن الضغوط العسكرية أو الاقتصادية ستقود روسيا، بصورة آلية وسريعة، إلى فقدان قدرتها على مواصلة الصراع تصورات تحتاج دائمًا إلى اختبار تاريخي دقيق. فقد أظهرت تجارب كبرى أن الجغرافيا الروسية الواسعة تستطيع توفير عمق استراتيجي، وأن الموارد والسكان والقدرة الصناعية والتنظيمية يمكن أن تمنح الدولة مجالًا لتعويض جانب من الخسائر، بينما تحتل مفاهيم الوطن والصمود والتضحية مكانة عميقة في الذاكرة الروسية، ولا سيما من خلال تجربة «الحرب الوطنية العظمى». وقد أخطأ نابليون، ثم أخطأت القيادة النازية بصورة أكثر كارثية، عندما تصورت إمكان الوصول إلى حسم سريع قبل أن تتحول الحرب إلى اختبار طويل للموارد والقدرة على التعبئة. ولهذا فإن الدرس الذي يمكن استخلاصه ليس أن روسيا تمتلك حصانة أسطورية من الهزيمة، بل أن هزيمتها لا يمكن افتراضها انطلاقًا من التفوق الأولي للخصم أو من حجم الخسائر التي تتعرض لها في مرحلة من مراحل الصراع؛ فالتاريخ الروسي يقدم أمثلة بارزة على دولة ومجتمع استطاعا تحمل صدمات كان خصومهما يتوقعون أن تكون حاسمة، ثم إعادة تنظيم الموارد والقوة العسكرية وقلب اتجاه الحرب. ومن هنا تسقط أوهام «النصر السهل» على روسيا: لا لأن التاريخ يضمن لها الانتصار في كل حرب، بل لأن تاريخها نفسه يحذر من الخلط بين إيلام روسيا وبين كسر قدرتها على الاستمرار، وبين تحقيق انتصار ميداني عليها وبين فرض هزيمة استراتيجية نهائية عليها.

الغرب في أوكرانيا: حين يصطدم رهان إضعاف روسيا بدروس التاريخ

أعادت الحرب في أوكرانيا إلى الواجهة سؤالًا قديمًا في علاقة روسيا بخصومها. إلى أي حد يمكن تحويل التفوق الاقتصادي والتكنولوجي والمالي الخارجي إلى قدرة على فرض نتيجة استراتيجية على دولة تمتلك عمقًا جغرافيًا وموارد ضخمة وقاعدة صناعية وعسكرية وقدرة تاريخية على التكيف مع الحصار والضغط؟ فمنذ 2022 راهنت الولايات المتحدة وحلفاؤها على مزيج واسع من دعم أوكرانيا عسكريًا وماليًا، وعزل روسيا اقتصاديًا وتكنولوجيًا، وفرض عقوبات غير مسبوقة على قطاعات من اقتصادها ونظامها المالي. وكانت التقديرات الاقتصادية الأولى شديدة القسوة؛ ففي نيسان 2022 توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الروسي بنسبة 8.5 في المئة خلال ذلك العام، قبل أن يتبين أن الانكماش الفعلي كان أقل كثيرًا، وأن الاقتصاد الروسي استطاع امتصاص جانب من الصدمة وإعادة توجيه جزء من تجارته وصادراته. وقد أقر صندوق النقد لاحقًا بأن الاقتصاد الروسي أظهر مرونة في ظل العقوبات، رابطًا ذلك باستمرار صادرات النفط وتحول جزء منها نحو أسواق أخرى، إلى جانب الإنفاق والاستثمار المحليين المرتبطين بظروف الحرب. وهذا لا يعني أن العقوبات كانت بلا تكلفة أو أن روسيا محصنة اقتصاديًا، وإنما يعني أن الانتقال من إحداث الضرر إلى تحقيق الغاية السياسية المرجوة ليس عملية آلية.

وهنا يصبح التاريخ أكثر من مجرد استدعاء لنابليون أو هتلر؛ إنه تحذير من افتراض أن الضغط الشديد يساوي بالضرورة الانهيار أو الاستسلام. فروسيا واجهت عبر تاريخها أزمات وحروبًا وهزائم جزئية وخسائر بشرية ومادية هائلة، لكنها أظهرت في محطات حاسمة قدرة على تحويل المساحة والزمن والموارد والتعبئة والصناعة والذاكرة الوطنية إلى عناصر لإعادة تكوين القوة. ومع ذلك، لا يمنح التاريخ روسيا ضمانة للنصر في أوكرانيا، مثلما لا يمنح خصومها ضمانة لهزيمتها؛ فالظروف العسكرية والتكنولوجية والسياسية في القرن الحادي والعشرين مختلفة جذريًا عن 1812 و1941. والدرس الأكثر قابلية للدفاع عنه تاريخيًا هو أن الرهان على هزيمة روسيا لمجرد تراكم العقوبات أو الخسائر أو طول أمد الحرب قد يكرر خطأ قديمًا: الخلط بين قدرة الخصم على إلحاق الأذى بروسيا وبين قدرته على كسر إرادتها وقدرتها المادية على الاستمرار. فروسيا التي تتعرض للضغط ليست بالضرورة روسيا التي تقترب من الانهيار، والخسارة في مرحلة من الحرب ليست بالضرورة مقدمة لهزيمة استراتيجية نهائية.

القاعدة التي كُتبت على الثلج والدم

ومن كييف القديمة إلى موسكو، ومن المغول إلى نابليون، ومن القرم وتسوشيما إلى ثورة 1917، ومن بارباروسا وستالينغراد إلى أفغانستان وانهيار الاتحاد السوفيتي، لا يقدم التاريخ الروسي قصة انتصار دائم، بل يقدم سؤالًا متكررًا عن العلاقة بين السقوط والبقاء. فقد تنهزم الجيوش من دون أن تنهار الدولة، وقد تنهار الدولة من دون أن يحتلها جيش أجنبي، وقد يسقط النظام بينما تبقى الجغرافيا والموارد والمجتمع قادرة على إنتاج مركز سياسي جديد.

ولهذا فإن إحدى السمات البارزة في التجربة التاريخية الروسية كانت القدرة على البقاء وإعادة تكوين القوة بعد الأزمات الكبرى. فروسيا لم تصنع مكانتها التاريخية لأنها تجنبت الخسائر، وإنما لأنها استطاعت في محطات حاسمة أن تتحمل خسائر كان يمكن أن تقوض دولًا أقل امتدادًا وموارد، ثم تعيد تنظيم قواها وتعبئة إمكاناتها ومواصلة الصراع. ومن هنا لا يكفي، عند قياس القوة الروسية بعد حرب أو أزمة، إحصاء ما خسرته؛ بل ينبغي النظر أيضًا إلى ما بقي في حوزتها، وما بحوزتها هو مساحة تمنحها عمقًا استراتيجيًا، وموارد طبيعية واسعة، وقدرات بشرية وعلمية، وقاعدة صناعية وعسكرية، ومؤسسات دولة قادرة على التعبئة، فضلًا عن تقاليد تاريخية راسخة في ربط الدفاع عن الوطن بالصمود والتضحية. لقد كانت هذه العناصر، بدرجات مختلفة ومن دون أن تكون ثابتة في جميع العصور، جزءًا من قدرة روسيا على تجاوز أزمات كبرى وإعادة بناء قوتها بعد أن اعتقد بعض خصومها أنهم اقتربوا من استنزافها.

ومن هنا فإن الخطأ المتكرر في قراءة روسيا هو الخلط بين إلحاق خسائر كبيرة بها وبين إنهاء قدرتها على إنتاج القوة. فالتاريخ الروسي يقدم أمثلة واضحة على أن فقدان الأرض مؤقتًا، أو تكبد خسائر عسكرية جسيمة، أو التعرض لضغط اقتصادي شديد، لا يكفي في ذاته للحكم على النتيجة النهائية لصراع طويل. ففي 1812 دخل نابليون موسكو، لكن ذلك لم يمنحه الانتصار السياسي الذي أراده؛ وفي 1941 فقد الاتحاد السوفيتي أراضي ومدنًا ومصانع وجيوشًا كاملة في الأشهر الأولى للغزو الألماني، ومع ذلك استطاع نقل جزء ضخم من قدرته الصناعية شرقًا، وتعبئة موارد جديدة، وإعادة بناء قواته، ثم الانتقال من الدفاع إلى الهجوم حتى الوصول إلى برلين. ولذلك فإن الدرس الأكثر أهمية في هذه التجارب ليس الادعاء بأن روسيا عصية على الهزيمة، وإنما أن قوتها التاريخية كثيرًا ما ظهرت بصورة أوضح بعد الضربة الأولى، وتمثلت في القدرة على امتصاص الصدمة، وكسب الزمن، وتعبئة الاحتياطيات، وإعادة بناء القوة، ثم تحويل البقاء نفسه إلى نقطة انطلاق لاستعادة المبادرة. وهذه الخاصية هي التي تجعل أي استراتيجية تقوم على افتراض أن الضغط الأول أو الخسائر الأولى ستكفي وحدها لإخراج روسيا من معادلة القوة استراتيجيةً تتجاهل واحدًا من أكثر الدروس وضوحًا في تاريخها العسكري.

الدولة التي تعلّمت أن تسأل ما الذي بقي؟

بدأنا هذه السلسلة قبل نحو ألف عام، في عالم لم تكن فيه روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا دولًا قومية حديثة، وكان أمراء البيت نفسه يتقاتلون على كييف ويستعين بعضهم بالبشينغ والفارانج والبولنديين. ثم رأينا عالم روس يتفتت، والمغول يدخلون كييف، وموسكو تصعد في الشمال الشرقي، والأراضي الروثينية تسلك مسارات مختلفة داخل ليتوانيا والكومنولث البولندي–الليتواني، ثم ظهر القوزاق وخميلنيتسكي وبيرياسلاف ومازيبا وبولتافا، قبل أن يدخل عصر القومية الحديثة ويجعل التاريخ نفسه جزءًا من تعريف الأمة.

وفي القرن العشرين رأينا الإمبراطوريات تنهار، والثورات تعيد بناء الدول، والحرب العالمية تحول الجغرافيا والصناعة والإنسان إلى أدوات بقاء، ثم رأينا الاتحاد السوفيتي الذي خرج منتصرًا من أعظم حرب في تاريخه يتفكك بعد أقل من نصف قرن من دون جيش أجنبي يدخل عاصمته. وفي القرن الحادي والعشرين عادت أسئلة الأرض والأمن والهوية والذاكرة إلى قلب العلاقة بين روسيا وأوكرانيا، حتى أصبح الماضي نفسه جزءًا من النزاع على معنى الحاضر.

ومن هذه الرحلة التاريخية الطويلة تبرز حقيقة أكثر دلالة من القول إن روسيا «لا تُهزم»: وهي أن القوة الروسية لا تُقاس بلحظة واحدة من الحرب، ولا بحجم الضربة الأولى التي تتلقاها، بل بقدرتها على البقاء وإعادة تنظيم مواردها واستعادة المبادرة. فقد عرفت روسيا التراجع والخسائر والأزمات، لكنها أظهرت في محطات مفصلية قدرة استثنائية على تحويل ما بقي لديها إلى أساس لقوة جديدة. وهنا تحديدًا تكمن أهمية الجغرافيا والموارد والسكان والصناعة ومؤسسات الدولة والقدرة على التعبئة؛ فهذه العناصر لا تعمل منفصلة، وإنما تتفاعل مع الزمن لتمنح روسيا عمقًا يسمح لها، في ظروف تاريخية معينة، بامتصاص الصدمات وإطالة قدرتها على المقاومة ثم إعادة بناء أدوات القوة. ولذلك فإن قراءة روسيا من خلال خسائرها وحدها لا تقل قصورًا عن قراءتها من خلال انتصاراتها وحدها؛ لأن أحد أهم مفاتيح تاريخها يكمن في المسافة الفاصلة بين الضربة التي تتلقاها والجواب الذي تستطيع بناءه عليها.

ومن هنا أيضًا أخطأ بعض خصوم روسيا عندما اعتبروا التراجع بدايةً حتمية للنهاية، أو تصوروا أن خسارة الأرض والرجال والموارد ستتحول تلقائيًا إلى فقدان الإرادة والقدرة على الاستمرار. فقد أثبتت التجارب الكبرى، وخصوصًا في 1812 و1941–1945، أن قوة روسيا لا تظهر دائمًا في منع الخصم من التقدم منذ البداية، بل قد تظهر في حرمانه من تحويل تقدمه إلى حسم سياسي نهائي، ثم إجباره على خوض حرب أطول مما خطط لها، بينما تعمل المساحة والموارد والتعبئة والصناعة والزمن على تغيير ميزان الصراع. وهذه ليست أسطورة عن دولة لا يمكن هزيمتها، بل درس أكثر صرامة في قراءة القوة: روسيا التي تتراجع ليست بالضرورة روسيا التي انتهت قدرتها على القتال، وروسيا التي تتحمل الخسائر ليست بالضرورة روسيا التي فقدت القدرة على صناعة النصر. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه خصمها ليس الاعتراف بقوتها، بل إساءة تقدير المدى الذي تستطيع عنده تحويل الصمود إلى إعادة بناء، وإعادة البناء إلى قوة، والقوة ــ عندما تتوافر الظروف التاريخية والسياسية والعسكرية المناسبة ــ إلى انتصار.

ربما هنا، لا في عدد الدبابات ولا في عدد الرؤوس النووية وحدها، يوجد المعنى الأعمق للدرس الذي كُتب مرارًا على امتداد التاريخ الروسي. فقوة روسيا لم تكن في قدرتها على تجنب الضربات، بل في قدرتها على البقاء بعدها وتحويل الصمود إلى قوة جديدة. دخل نابليون موسكو، لكنه لم يستطع أن يجعل سقوط المدينة نهايةً لروسيا أو أن يفرض عليها السلام الذي أراده؛ ووصل الجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية إلى مسافات هددت قلب الدولة السوفيتية، وخسرت البلاد ملايين البشر ومساحات هائلة من أراضيها ومراكزها الاقتصادية، لكن الدولة لم تفقد قدرتها على التعبئة والقتال، وانتقلت بعد ذلك من الدفاع عن موسكو وستالينغراد إلى الهجوم الذي انتهى في برلين. وفي كلتا التجربتين كان الخطأ الحاسم في حسابات المعتدي هو الاعتقاد أن مقدار ما خسرته روسيا يكشف وحده مقدار ما بقي لها من قوة، بينما أثبتت الأحداث أن ما تستطيع روسيا تعبئته بعد الكارثة قد يكون أكثر أهمية من حجم الكارثة نفسها.

ولهذا فإن العبارة التي تختصر هذا التاريخ ليست أن روسيا لا تعرف الخسارة، بل أن الوصول إلى أبوابها لم يكن في التجارب الكبرى مرادفًا لإخضاعها. فالمساحة والموارد والصناعة والدولة والجيش لم تكن سوى جانب من المعادلة؛ أما الجانب الآخر فكان قدرة المجتمع على ربط الدفاع عن الأرض بفكرة الوطن، «رودينا»، وتحويل الاستمرار نفسه إلى فعل مقاومة. ومن هنا تكتسب صورة الكرملين معناها الرمزي. ليست المسألة أن التاريخ يمنح روسيا حصانة أبدية، فالتاريخ لا يقدم ضمانات لأحد، وإنما أن تجارب 1812 و1941 حذرت من إعلان نهايتها بينما ما تزال تحتفظ بأدوات إعادة بناء قوتها. قد يصل العدو إلى موسكو، وقد يحاصرها، وقد يعتقد أن المعركة انتهت؛ لكن التاريخ الروسي يذكّر بأن الوصول إلى قلب روسيا شيء، وإنزال العلم عن الكرملين شيء آخر.

وهنا تستعيد كلمة Родина — رودينا معناها الأبعد من السياسة اليومية. إنها ذلك الشيء الذي يعتقد الإنسان أنه سيبقى عندما تتغير الحكومات والأعلام والحدود، والذي يجعله ينظر إلى تاريخ أسلافه، بانتصاراتهم وهزائمهم، باعتباره جزءًا من قصته هو.

ولهذا ربما تتجلى القاعدة الروسية التي تركها التاريخ، والمتمثلة بأن روسيا لا تسقط، ومن الصعوبة هزيمة شعبها وايمانه بترابه جراء تجارب تاريخية طويلة، سبق أن ذكرناها. من هذا المنطلق هناك رغبة روسية جامحة بأن لا يذل شعب أوكرانيا الشقيق، بل أن تدفع الزمرة التي استولت على السلطة بطرق ملتوية ثمن أخذ روسيا وأوكرانيا وشعبيهما رهينة لإرادتها في انتهاج مسار يخالف التاريخ المشترك. فروسيا رغبة قساوة صراعها تبدو أكثر إنسانية بحقيقة قاسية، فهي تدرك إن سقطت، فما عليك أن تسأل أولًا ما الذي سيبقي من أرث بطولي وذاكرة مؤلمة. هنا بالذات تكمن قيمة هذا الشيء العظيم الذي تختصره كلمة واحدة: رودينا- الوطن.       انتهى

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!