أذربيجان بين الهوية الإسلامية والإرث السوفيتي وصراعات الجغرافيا السياسية (2)
د. زياد أسعد منصور
من أزمة الحجاب إلى جذور الدولة العلمانية: أذربيجان الشيعية وتركيا السنية
كشفت قضية الحجاب في أذربيجان قد عن جانب من الاختلاف بين تجربتها التاريخية وتجربة تركيا، لكنها في نفس الوقت كشفت أن العلاقات الإقليمية لهذا البلد تظهر مفارقات أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل فيها الهوية القومية والمذهبية مع اعتبارات الأمن والجغرافيا والمصالح الاستراتيجية.
فأذربيجان، ذات الأغلبية الشيعية، ترتبط بتحالف وثيق مع تركيا، ذات الأغلبية السنية، وتقيم علاقات عسكرية وأمنية واقتصادية متقدمة مع إسرائيل، بينما تتسم علاقاتها مع إيران الشيعية بمزيج من التعاون والتنافس والتوتر. وفي الوقت نفسه، لا تزال روسيا حاضرة في حساباتها السياسية والأمنية، رغم سعي باكو إلى توسيع استقلالها الاستراتيجي عن موسكو.
وتطرح هذه العلاقات سؤالًا يتجاوز أذربيجان نفسها، وهو: إلى أي مدى تحدد الانتماءات الدينية والمذهبية تحالفات الدول، ومتى تتقدم عليها المصالح القومية والجغرافيا السياسية؟
قره باغ: تحالف تركي أذربيجاني يتجاوز الاختلاف المذهبي
يقدم الصراع حول إقليم قره باغ (ناغورني كارباخ) مثالًا واضحًا على طبيعة التحالف بين تركيا وأذربيجان.
فمنذ تفكك الاتحاد السوفيتي، تحولت قضية قره باغ إلى أحد أهم محددات السياسة الخارجية الأذربيجانية، وأصبحت استعادة الأراضي التي فقدت باكو السيطرة عليها خلال الحرب الأولى في تسعينيات القرن العشرين هدفًا مركزيًا للدولة.
وقد وجدت أذربيجان في تركيا حليفًا سياسيًا وعسكريًا مهمًا، يستند دعمه إلى الروابط القومية واللغوية، وإلى مصالح استراتيجية مشتركة في جنوب القوقاز. ومع اندلاع الحرب الثانية في قره باغ في أيلول/سبتمبر 2020، برز هذا التحالف بصورة أكثر وضوحًا.
فقد قدمت تركيا دعمًا سياسيًا وعسكريًا لأذربيجان، وأدت الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية التركية دورًا مهمًا في العمليات القتالية، إلى جانب منظومات تسليح أخرى حصلت عليها باكو من مصادر متعددة، من بينها إسرائيل.
وانتهت الحرب باتفاق لوقف إطلاق النار في نوفمبر- تشرين الثاني 2020، برعاية روسية، استعادت أذربيجان بموجبه السيطرة على مناطق واسعة، قبل أن تستعيد السيطرة الكاملة على قره باغ في سبتمبر- أيلول 2023.
وقد رافقت التطورات الأخيرة موجة نزوح جماعي للسكان الأرمن من الإقليم، مما أضاف أبعادًا إنسانية وسياسية إلى النزاع، إلى جانب أبعاده الإقليمية والعسكرية.
لكن أهمية هذه الحرب بالنسبة إلى ما نعالجه، لا تقتصر على نتائجها العسكرية؛ فهي تكشف أن أذربيجان الشيعية اختارت التحالف الوثيق مع تركيا السنية، انطلاقًا من روابط قومية ومصالح استراتيجية مشتركة، لا من وحدة الانتماء المذهبي.
إيران الشيعية وأرمينيا المسيحية: مفارقات الجغرافيا والمصالح
تكشف العلاقات الإيرانية الأرمينية إحدى أبرز مفارقات الصراع في جنوب القوقاز. فإيران، التي تتبنى رسميًا المذهب الشيعي الاثني عشري، لم تكتفِ بإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية مع أرمينيا المسيحية، بل قدمت لها خلال حرب قره باغ الأولى، بين عامي 1992 و1994، دعمًا اقتصاديًا ولوجستيًا شمل إمدادات الغذاء والوقود، فضلًا عن السماح بمرور إمدادات عبر أراضيها، من بينها أسلحة وفق شهادات قُدمت إلى الكونغرس الأميركي.
وكان لهذا الدعم أهمية خاصة في ظل إغلاق الحدود الأرمينية مع تركيا وأذربيجان، وصعوبة طرق الإمداد الأخرى، مما جعل المنفذ الإيراني أحد العوامل التي ساعدت أرمينيا على تجاوز عزلتها الجغرافية والاقتصادية.
وهنا تتجلى المفارقة التاريخية: فقد حافظت إيران الشيعية على علاقات داعمة لأرمينيا المسيحية خلال صراعها مع أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية، في حين أصبحت تركيا ذات الأغلبية السنية الحليف الإقليمي الأبرز لأذربيجان.
غير أن هذه السياسة الإيرانية لم تكن تعبيرًا عن اصطفاف ديني، بل ارتبطت بحسابات جيوسياسية معقدة، شملت مواجهة النفوذ التركي المتنامي، والحفاظ على الحدود الإيرانية الأرمينية، ومراقبة تأثير النزعات القومية الأذربيجانية في شمال غربي إيران.
أما خلال حرب قره باغ الثانية عام 2020، فقد استمرت العلاقات الإيرانية الأرمينية، وظهرت اتهامات بمرور معدات عسكرية إلى أرمينيا عبر إيران، لكن السلطات الإيرانية نفت السماح بنقل الأسلحة، وأعلنت تأييدها وحدة الأراضي الأذربيجانية وضرورة انسحاب القوات الأرمينية من المناطق المعترف بها دوليًا جزءًا من أذربيجان.
وهكذا، فإن قراءة الموقف الإيراني تقتضي التمييز بين الدعم الاقتصادي واللوجستي الموثق خلال حرب التسعينيات، والاتهامات المتعلقة بالدعم العسكري خلال حرب عام 2020، دون تجاهل التناقض بين الروابط المذهبية المشتركة والمصالح الاستراتيجية المتعارضة. في كل حال لا يمكن فهم هذه السياسة من دون النظر إلى الحسابات الإيرانية الأوسع.
فإيران تضم داخل حدودها عددًا كبيرًا من المواطنين الناطقين باللغة الأذربيجانية، ولا سيما في شمال غربي البلاد، وتراقب بحساسية الخطاب القومي العابر للحدود، فضلًا عن تنامي النفوذ التركي في جنوب القوقاز.
كما تنظر طهران بقلق إلى العلاقات الأمنية والعسكرية بين أذربيجان وإسرائيل، وإلى أي ترتيبات إقليمية قد تؤثر في حدودها المباشرة مع أرمينيا.
ومن هنا، فإن العلاقات الإيرانية الأرمينية لا تمثل بالضرورة اصطفافًا دينيًا، بل تعكس اعتبارات تتعلق بالتوازنات الإقليمية والأمن القومي وطرق التجارة والاتصال الجغرافي.
بهذا المعنى، فإن المذهب الشيعي المشترك لم يمنع التوتر بين إيران وأذربيجان، كما أن الاختلاف الديني بين إيران وأرمينيا لم يحل دون تطوير علاقاتهما.
إسرائيل وأذربيجان: تحالف أمني يتجاوز الانتماءات الدينية
تكتسب العلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية أهمية خاصة في فهم السياسة الخارجية لباكو. فقد طورت أذربيجان منذ استقلالها علاقات مع إسرائيل شملت مجالات الطاقة والتجارة، والتكنولوجيا، والتعاون العسكري، والأمني.
وأصبحت إسرائيل أحد الموردين المهمين للسلاح الأذربيجاني، بينما يمثل النفط الأذربيجاني مصدرًا مهمًا لإمدادات الطاقة الإسرائيلية.
وقد ظهر وزن هذه العلاقات خلال حرب قره باغ عام 2020، عندما استخدمت القوات الأذربيجانية منظومات تسليح إسرائيلية إلى جانب التكنولوجيا العسكرية التركية.
وتكشف هذه الشراكة عن طبيعة السياسة الأذربيجانية القائمة على تنويع مصادر التسليح والتعاون الأمني، وعدم حصر العلاقات الخارجية في الانتماءات الدينية أو القومية. رغم ذلك، فإن العلاقات مع إسرائيل كانت أيضًا أحد مصادر التوتر مع إيران، التي تنظر إلى التعاون العسكري والاستخباراتي بين باكو وتل أبيب بوصفه مسألة تتصل بأمن حدودها الشمالية.
وقد ازدادت حساسية هذه المسألة مع تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل، ثم مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عام 2026.
الحرب على إيران: هل يمكن أن تتحول أذربيجان إلى جبهة شمالية؟
أعادت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير- شباط 2026، طرح تساؤلات بشأن أهمية الأراضي الأذربيجانية في الحسابات العسكرية والاستخباراتية المتعلقة بإيران. فأذربيجان تقع على الحدود الشمالية الغربية لإيران، بالقرب من مناطق تضم تجمعات كبيرة من السكان الإيرانيين الناطقين بالأذربيجانية، وفي مقدمتها تبريز والمناطق المحيطة بها. وهذا الموقع يجعل أي نشاط عسكري أو استخباراتي أجنبي محتمل على الأراضي الأذربيجانية قضية بالغة الحساسية بالنسبة إلى طهران.
ففي الخامس من يونيو- حزيران 2026، نشرت شبكة سي آن آن تقريرًا استند إلى مصادر مطلعة، تحدث عن وجود عناصر عسكرية واستخباراتية إسرائيلية في أذربيجان خلال الحرب، وعن استخدام مواقع قريبة من الحدود الإيرانية في أنشطة استطلاع واستخبارات وعمليات مرتبطة بالطائرات المسيّرة.
غير أن الحكومة الأذربيجانية نفت هذه الاتهامات بصورة قاطعة، وأكدت أنها لم تسمح باستخدام أراضيها في عمليات عسكرية أو استخباراتية ضد إيران أو أي دولة أخرى، فيما ولم تتوافر أدلة علنية مستقلة تكفي لحسم صحة جميع التفاصيل الواردة في التقرير. رغم ذلك فإن احتمال استخدام الولايات المتحدة للأراضي الأذربيجانية لشن عمليات ضد إيران، فيبقى سيناريو جيوسياسيًا يمكن بحث دوافعه ومخاطره، ويمكن أن يحدث، وإن كنا لسنا بصدد بحث دوافعه ونتائجه.
وتنبع أهمية هذا السيناريو من الموقع الجغرافي لأذربيجان، ومن علاقاتها الأمنية مع إسرائيل والولايات المتحدة، ومن قربها من المراكز السكانية والعسكرية والاقتصادية في شمال غربي إيران.
في كل حال، فإن مثل هذا الاحتمال، إن حدث سينطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة إلى باكو نفسها. بمعنى آخر، فإن أي تحول للأراضي الأذربيجانية إلى قاعدة لعمليات ضد إيران قد يعرّض منشآتها الاقتصادية وطرق الطاقة والتجارة ومناطقها الحدودية لمخاطر أمنية، وقد يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة في جنوب القوقاز.
وقد ظهرت خطورة التوتر المباشر في الخامس من مارس- آذار 2026، عندما أعلنت أذربيجان تعرض مواقع في إقليم نخجوان لهجوم بطائرات مسيّرة، واتهمت إيران بالمسؤولية عنه، بينما نفت طهران استهداف الأراضي الأذربيجانية.
فعليًّا فإن هذه الحادثة أظهرت مدى حساسية الحدود بين البلدين، وخطورة انتقال المواجهة الإقليمية إلى منطقة القوقاز. على هذا الأساس، فإن أذربيجان تواجه معادلة دقيقة. من ناحية ترتبط بعلاقات استراتيجية مع إسرائيل، وتسعى إلى تطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى تتشارك حدودًا مباشرة مع إيران، وتدرك أن الانخراط في مواجهة عسكرية معها قد يفرض عليها تكاليف أمنية واقتصادية وسياسية كبيرة.
وتكشف هذه المعادلة أن الانتماء المذهبي لا يكفي لتفسير سلوك الدول؛ فأذربيجان ذات الأغلبية الشيعية لا تتبنى النظام السياسي الإيراني، لكنها لا تستطيع أيضًا تجاهل المصالح التي تفرضها الجغرافيا المشتركة مع إيران.
روسيا: إرث إمبراطوري وسوفيتي ونفوذ مستمر
عمليا لا يمكن معالجة ما يجري في أذربيجان من دون التوقف عند العامل الروسي، ولهذا بعده التاريخي، وبعده الآني. فروسيا ليست مجرد دولة كبرى مجاورة، بل قوة ارتبطت بتاريخ أذربيجان الحديث منذ القرن التاسع عشر، ثم أسهمت الحقبة السوفيتية في تشكيل جانب كبير من مؤسساتها الإدارية، والتعليمية، والعسكرية، والثقافية، فيما استمر هذا التأثير حتى بعد الاستقلال عام 1991، من خلال العلاقات الاقتصادية والبشرية، وحضور اللغة الروسية، والروابط التي نشأت بين النخب والمؤسسات خلال الحقبة السوفيتية، بحيث ظلت موسكو طرفًا رئيسيًا في الصراع حول قره باغ، سواء من خلال علاقاتها الأمنية التاريخية مع أرمينيا، أو من خلال دورها في الوساطة بين باكو ويريفان.
وقد ظهر هذا الدور بوضوح في اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2020، الذي نص على نشر قوات روسية لحفظ السلام في قره باغ، لكن استعادة أذربيجان السيطرة الكاملة على الإقليم عام 2023، ثم انسحاب قوات حفظ السلام الروسية عام 2024، كشفا عن تحولات مهمة في موازين القوى في جنوب القوقاز.
ومع ذلك، فإن تراجع الدور العسكري الروسي المباشر في قره باغ لا يعني انتهاء التأثير الروسي في أذربيجان. فالعلاقات التي تشكلت خلال أكثر من قرن من الحكم الروسي والسوفيتي لا تختفي بمجرد انسحاب القوات أو تغير التحالفات.
لقد شهدت العلاقات بين باكو وموسكو توترات جديدة عقب سقوط طائرة ركاب أذربيجانية في ديسمبر-كانون الأول 2024، وما تبعه من خلافات بشأن المسؤولية عن الحادث، ثم أزمات دبلوماسية خلال عام 2025، لكن هذه الخلافات لم تُلغِ المصالح الاقتصادية والجغرافية المتبادلة، ولا أهمية روسيا في حسابات الأمن الإقليمي.
ومن ثم، فإن أذربيجان تسعى إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي، مستفيدة من تحالفها مع تركيا، ومن مواردها النفطية والغازية، ومن علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع تجاهل روسيا أو إخراجها من حساباتها الإقليمية.
أذربيجان بين أربع مؤثرات تاريخية واستراتيجية
تكشف هذه التطورات أن فهم أذربيجان المعاصرة يتطلب تجاوز التصنيفات الدينية والمذهبية المبسطة. فهي دولة ذات أغلبية شيعية، لكنها لا تتبنى النموذج السياسي الإيراني. وهي تنتمي إلى الفضاء القومي والثقافي التركي، لكنها تختلف عن تركيا في تجربتها التاريخية وعلاقة الدولة بالدين. كما أنها خرجت من الاتحاد السوفيتي، لكنها لم تتخلص من جميع آثار الحكم الروسي والسوفيتي في مؤسساتها وثقافتها وعلاقاتها الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، أقامت شراكات أمنية وعسكرية مع إسرائيل، ووسعت علاقاتها مع الولايات المتحدة، دون أن يعني ذلك بالضرورة استعدادها للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.
وهكذا، فإن أذربيجان تقف عند تقاطع أربع مؤثرات رئيسية، وهي: الموروث الإسلامي الشيعي، والانتماء القومي التركي، والإرث الروسي والسوفيتي، والمصالح الجيوسياسية التي تفرضها علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية.
ومن هذا المنظور، يمكن العودة إلى قضية الحجاب التي كانت نقطة الانطلاق في مقالتنا الأولى هذه: فما بدا في البداية خلافًا حول قواعد الزي المدرسي يكشف، عند وضعه في سياقه التاريخي، جانبًا من اختلاف التجارب السياسية والاجتماعية بين أذربيجان وتركيا.
أما حرب قره باغ والعلاقات مع إيران وإسرائيل وروسيا، فتظهر أن هذه الاختلافات لا تمنع قيام تحالفات استراتيجية عميقة، كما أن الاشتراك في المذهب الديني لا يضمن بالضرورة وحدة المواقف السياسية.
فأذربيجان قريبة من تركيا في اللغة والهوية القومية، ومن إيران في الموروث المذهبي، ومن روسيا في جانب كبير من تاريخها المؤسسي، لكنها تسعى إلى إدارة علاقاتها مع هذه القوى وفق حساباتها الوطنية ومصالحها الاستراتيجية. ولعل هذه هي الخلاصة الأبرز التي تكشفها التجربة الأذربيجانية: أن الدول لا تصنع سياساتها من هويتها الدينية أو القومية وحدها، بل من تفاعل التاريخ والجغرافيا والمؤسسات والمصالح وموازين القوى.
فقد تجمع الشعوب روابط اللغة والمذهب والتاريخ، لكن لكل دولة تجربتها الخاصة، وحدود سيادتها، وحساباتها التي قد تتفق مع روابط الهوية أو تتجاوزها.
