من الاعتراف بالثقافة إلى مساءلة السياسة الثقافية.. قراءة في البرنامج الحكومي (3)

من الاعتراف بالثقافة إلى مساءلة السياسة الثقافية.. قراءة في البرنامج الحكومي (3)

المختار العنقا الإدريسي

المحطة الرابعة: الحكامة الثقافية وتوزيع المسؤوليات بين المؤسسات والفاعلين

هل تحتاج السياسة الثقافية إلى رؤية مشتركة تتجاوز التدبير القطاعي؟

أولاً : من تعدد المجالات الثقافية إلى سؤال التكامل المؤسساتي

       إذا كانت المحطة السابقة قد انصرفت إلى تحديد الشروط التي تسمح بتحويل الالتزامات الثقافية المعلنة إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم ، فإن هذه المحطة تنتقل إلى سؤال لا يقل أهمية : فكيف يمكن تنظيم المسؤوليات وتنسيق الجهود بما يضمن انسجام السياسة الثقافية ، ويحول دون تشتت المبادرات أو انقطاع الصلة بين الأهداف المعلنة والنتائج المنتظرة ؟

خاصة وأن الثقافة بطبيعتها ، ليست شأناً محصوراً في قطاع إداري واحد . إنها تتقاطع مع التربية والتعليم العالي والبحث العلمي والإعلام والشباب والسياحة والتنمية الترابية ، كما ترتبط بعمل المؤسسات الثقافية والجماعات الترابية والجمعيات والهيئات المهنية والمبدعين والباحثين . ويبقى هذا التعدد ليس مشكلة في حد ذاته ؛ بل يمكن أن يشكل مصدر غنى ، متى انتظمت تدخلات مختلف الأطراف ضمن رؤية مشتركة ، وتحددت مسؤولياتها ، وتكاملت برامجها . غير أن تعدد المتدخلين قد يتحول ، في غياب التنسيق الفعال ، إلى عامل يضعف وضوح المسؤولية ، ويؤدي إلى تكرار بعض المبادرات و تناسخها ، أو ترك مجالات أخرى دون عناية كافية . ومن هنا، لا يكفي أن نعثر في البرنامج الحكومي على التزامات تتصل بالتراث أو الهوية أو الولوج إلى الثقافة أو التنمية الثقافية ؛ بل ينبغي أن نسأل عن موقع هذه الالتزامات ضمن تصور متكامل للحكامة الثقافية ، وعن الآليات التي تسمح بربطها بعضها ببعض ، وتحديد الجهات المكلفة بتنفيذها وتتبع نتائجها . ولا يعني ذلك افتراض غياب التنسيق أو قصور المؤسسات قبل فحص الوثائق المنظمة لعملها ، وإنما يعني أن انسجام السياسة الثقافية لا ينبغي أن يظل استنتاجاً نستخلصه من تقارب العناوين ، بل ينبغي أن تدعمه معطيات واضحة بشأن التخطيط والتنسيق والتنفيذ والتقييم .

ثانياً : المسؤولية الحكومية بين الاختصاص القطاعي والرؤية المشتركة

تقتضي الحكامة الثقافية التمييز بين مستويين متكاملين : مستوى التدبير القطاعي الذي تتولى فيه كل مؤسسة أو جهة مسؤولياتها المحددة ، ومستوى التنسيق العام الذي يضمن انسجام التدخلات مع الأهداف المشتركة . فقد يتطلب حفظ التراث تدخل المؤسسات المكلفة بالثقافة، وتعاون الجماعات الترابية، ومساهمة الباحثين والجامعات ، وانخراط قطاعات أخرى بحسب طبيعة المشروع . وقد يستدعي توسيع الولوج إلى الثقافة تنسيقاً بين المؤسسات الثقافية والتعليمية ، وبين الجهات التي تتولى توفير الفضاءات والتجهيزات والموارد اللازمة لتنشيطها .أما إدماج الثقافة في الحياة المدرسية ، فلا يمكن أن يتحقق بمجرد إعلان أهميتها ؛ إذ يستدعي التفكير في العلاقة بين المدرسة والمكتبة العمومية والمؤسسات الفنية دور الثقافة والجمعيات المؤهلة ، ضمن برامج واضحة تحترم اختصاصات كل طرف وتحدد مسؤولياته .فهذه الأمثلة – وغيرها – تطرح سؤالاً جوهرياً هو: هل تُدار المجالات الثقافية باعتبارها ملفات منفصلة ،أم يجري وصلها ضمن رؤية مشتركة تنظر إلى الثقافة باعتبارها بُعداً من أبعاد بناء الإنسان والتنمية والمواطنة؟

وللإجابة عن هذا السؤال ، ينبغي فحص ما تتضمنه الوثائق الحكومية والقطاعية من آليات للتنسيق ، وتحديد للاختصاصات ، وبرامج مشتركة ، وآليات للتتبع والتقييم . فالتقارب بين الأهداف لا يكفي وحده لإثبات وجود سياسة منسجمة ، مثلما أن توزيع الاختصاصات بين القطاعات لا يعني بالضرورة غياب الرؤية المشتركة . وعموما يبقى الرهان في نهاية المطاف ، هو الجمع بين وضوح المسؤولية القطاعية وفعالية التنسيق العام ؛ حتى لا تتحول الشراكة إلى وسيلة لتبادل المسؤوليات ، أو يصبح تعدد المؤسسات مبرراً لتعذر تحديد الجهة التي ينبغي مساءلتها عن النتائج المحققة .

ثالثاً : الجماعات الترابية الثقافة من المركز إلى المجال المحلي

تكتسب الحكامة الثقافية بعداً مجاليّاً أساسياً حين ننتقل من مستوى الاختيارات الوطنية إلى مستوى تنفيذها في المدن والأقاليم والجماعات ، حيث تتحدد فرص المواطنين الفعلية في الوصول إلى الفضاءات والخدمات والأنشطة الثقافية .

فالمؤسسات المركزية ، مهما كان دورها ضرورياً في وضع التوجهات العامة وتعبئة الموارد وصيانة التراث الوطني ، لا تستطيع وحدها الإحاطة باختلاف الحاجات الثقافية بين المجالات الترابية . كما أن المبادرات المحلية – على أهميتها – قد تظل محدودة الأثر إذا لم تتوفر لها شروط الاستمرار والتأطير والدعم والتنسيق . ومن هنا بالضبط ، يصبح من الضروري بحث موقع الجماعات الترابية في بناء السياسة الثقافية وتنفيذها ، ومدى قدرتها على الاستجابة للحاجات المحلية ، وإقامة شراكات مع المؤسسات العمومية والجمعيات والفاعلين الثقافيين .

ولا ينبغي أن ينحصر هذا النقاش في عدد المرافق الثقافية أو حجم التجهيزات المتوفرة ، بل يتعين أن يشمل أيضاً طبيعة البرامج المقدمة ، وانتظام الأنشطة ، ومدى استجابتها لخصوصيات المجال ، وقدرتها على إشراك السكان في تحديد الأولويات الثقافية . فالمرفق الثقافي الذي لا تتوفر له برامج منتظمة وموارد للتنشيط والتدبير قد لا يحقق الأهداف المرجوة من إحداثه . كما أن وجود فضاء ثقافي في مركز حضري لا يضمن بالضرورة استفادة سكان المناطق المحيطة به ، ما لم تُراعَ شروط الوصول والمشاركة وتنوع العرض الثقافي . ومن ثم فإن مساءلة الحكامة الثقافية محلياً تقتضي معرفة كيفية توزيع الأدوار والموارد بين المستوى الوطني والمستوى الترابي ، وكيفية إدماج الحاجات الثقافية المحلية في التخطيط ، ومدى وجود آليات للتنسيق والتقييم تسمح بتصحيح الاختلالات .

وعليه فان هذا التحليل يظل مرتبطاً بما يمكن إثباته من وثائق واختصاصات وبرامج وميزانيات ؛ اذ لا يصح أن نستنتج من مجرد الإشارة إلى الإنصاف المجالي أن التفاوتات قد عولجت ،كما لا يصح افتراض غياب التدخل المحلي دون فحص المعطيات المتاحة بشأنه .

رابعاً : المجتمع المدني والفاعلون الثقافيون من المشاركة العرضية إلى الشراكة الفعلية

لا تكتمل الحكامة الثقافية بمجرد تنسيق العمل بين المؤسسات الحكومية والترابية ، لأن الحياة الثقافية لاتصنعها الإدارة وحدها .فالجمعيات الثقافية… المبدعون … الباحثون … الناشرون … الفنانون … المهنيون … المبادرات المستقلة … وغيرهم يسهمون في إنتاج الثقافة ونشرها وتجديد أشكال التعبير عنها . وعادة ما تتيح هذه الفاعلية المجتمعية إمكانات مهمة لتوسيع المشاركة الثقافية ، وإبراز الخصوصيات المحلية ، واكتشاف الطاقات الإبداعية ، وإيصال الثقافة إلى فئات قد لا تصل إليها المؤسسات التقليدية بسهولة .

لكن الاعتراف بأهمية هذه الأدوار لا ينبغي أن يختزل في الاستشهاد بالمجتمع المدني عند الحديث عن التعبئة أو التنشيط . فالمشاركة الحقيقية تقتضي التفكير في موقع الفاعلين الثقافيين في تحديد الأولويات ، وصياغة البرامج وتنفيذها ، وتقييم نتائجها . وهنا تبرز ضرورة التمييز بين المشاركة الشكلية ، التي تقتصر على استدعاء الجمعيات أو إشراكها في أنشطة محدودة ، والشراكة الفعلية التي تقوم على أهداف واضحة،وتوزيع منصف للمسؤوليات ، ومعايير معلنة للدعم ،وشفافية في اختيار المشاريع ، وتقييم موضوعي للنتائج . كما أن دعم المبادرات الثقافية ينبغي ألا يتحول إلى علاقة تبعية تجعل استمرارية الفاعلين رهينة باعتبارات غير واضحة أو بتمويل ظرفي غير مستقر. والأجدى أن تقوم العلاقة بين المؤسسات العمومية والفاعلين الثقافيين على قواعد شفافة تضمن تكافؤ الفرص ، وتحترم استقلالية المبادرات ، وتربط الدعم بأهداف ثقافية واجتماعية معلنة . ولا يعني هذا المطالبة بإسناد مسؤوليات الدولة إلى الجمعيات أو تحميلها أعباء لا تتناسب مع إمكاناتها ؛ فالمسؤولية العمومية تظل قائمة ، بينما تؤدي الشراكة دوراً مكملاً في توسيع المشاركة وتجويد البرامج وإغنائها . ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه مساءلة السياسة الثقافية هو: هل يُنظر إلى الفاعلين الثقافيين باعتبارهم شركاء في التفكير وصنع الاختيارات ، أم باعتبارهم منفذين لبعض الأنشطة التي تحددها المؤسسات مسبقاً ؟ وهنا تظل الإجابة رهينة بفحص آليات التشاور والدعم والشراكة الفعلية ، لا بمجرد حضور مفردات المشاركة أو التعاون في الخطاب الرسمي .

خامساً : المؤسسات الثقافية والبحث العلمي من تدبير المرافق إلى إنتاج المعرفة

تحتاج السياسة الثقافية المتكاملة إلى مؤسسات قادرة على الجمع بين حفظ الذاكرة ، وتيسير الوصول إلى المعرفة ، وتشجيع الإبداع ، وإنتاج الدراسات التي تساعد على فهم التحولات الثقافية وتقييم السياسات المعتمدة . وتشمل هذه الوظائف المكتبات والمتاحف والمراكز الثقافية والمؤسسات الفنية ، فضلاً عن الجامعات ومراكز البحث والهيئات المعنية بالتوثيق وصيانة التراث . ولا تقتصر أهمية هذه المؤسسات على تقديم الخدمات أو تنظيم الأنشطة ، بل تمتد إلى إنتاج المعرفة التي تسمح بتحديد الحاجات الثقافية ، وفهم أنماط المشاركة ، وتقييم أثر البرامج العمومية .فمن دون معطيات موثوقة بشأن واقع المؤسسات الثقافية،ومواردها وطبيعة خدماتها، والفئات المستفيدة منها ، يصعب بناء اختيارات دقيقة أو معرفة مدى تقدمها نحو الأهداف المعلنة . هذا بالاضافة الى أن البحث العلمي والثقافي ليس نشاطاً لاحقاً على السياسة العمومية ، يُستعان به عند الحاجة إلى تقييم النتائج فحسب ؛ بل يمكن أن يسهم منذ البداية في تشخيص الحاجات ، وتحديد الأولويات ، وصياغة البرامج ، واختيار المؤشرات المناسبة.ومن هنا ، تبرز أهمية إقامة علاقات منتظمة بين المؤسسات الثقافية والجامعات ومراكز البحث ، بما يتيح الاستفادة من الخبرات المتخصصة ، ويشجع على إجراء الدراسات الميدانية ، ويوفر معرفة قابلة للاستخدام في التخطيط والتقييم . ويقتضي هذا التوجه كذلك أن تكون البيانات الثقافية الأساسية متاحة بصورة منظمة، مع احترام القواعد القانونية المتعلقة بالمعطيات والحقوق ،حتى لا تبقى المعلومات المتعلقة بالمرافق والبرامج والإنفاق والنتائج موزعة بين مصادر يصعب على الباحثين والمهتمين الوصول إليها ومقارنتها . ولا يمكن الجزم،انطلاقاً من التصريح الحكومي وحده ، بمدى توفر هذه الشروط أو غيابها. لذلك ينبغي أن تنصب المساءلة على البحث عن الأدلة في الوثائق القطاعية والمؤسساتية ، وفي التقارير والميزانيات والدراسات المتاحة .

سادساً : الحكامة الثقافية بين التنسيق والمساءلة من يتابع النتائج ؟

قد تتعدد المؤسسات والبرامج ، وقد تتوفر آليات للتشاور والتنسيق ، لكن ذلك لا يكفي لضمان حكامة ثقافية فعالة ما لم ترتبط هذه الآليات بمسؤوليات واضحة ونتائج قابلة للتتبع . فالتنسيق ليس غاية مستقلة ، بل وسيلة لضمان انسجام التدخلات وتحسين أثرها . كما أن إحداث لجنة أو هيئة مشتركة لا يثبت وحده نجاحها ؛ إذ ينبغي معرفة اختصاصاتها ، وطبيعة القرارات أو التوصيات التي تصدر عنها ، ومدى تنفيذها ، وكيفية إطلاع الرأي العام على نتائج عملها . ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة حين تعلن الحكومة عن آليات مؤسساتية للتنسيق والتتبع في بعض المجالات الثقافية واللغوية . فالمُساءلة لا تتوقف عند التحقق من وجود الآلية ، بل تمتد إلى تقييم أدائها ونتائجها ، ومدى قدرتها على تجاوز التداخل في الاختصاصات وتوفير معلومات موثوقة بشأن التنفيذ . ومن هنا ، فإن الحكامة الثقافية تحتاج إلى ثلاثة مستويات مترابطة هي :

  • التنسيق : لضمان انسجام تدخلات المؤسسات والقطاعات المعنية .
  • المساءلة : لتحديد الجهات التي تتحمل مسؤولية التنفيذ والنتائج .
  • الشفافية : من أجل إتاحة المعلومات المتعلقة بالبرامج والموارد والإنجازات بما يسمح بتقييمها .

ويمكن أن تضاف إلى هذه المستويات آليات للتشاور والتقييم المستقل ، متى اقتضت طبيعة البرامج ذلك ، بما يعزز الثقة في النتائج ويتيح اكتشاف الصعوبات وتصحيح الاختيارات . ويبقى الأهم هو أن تكون هذه الآليات متناسبة مع طبيعة كل التزام ؛ فلا تتحول الحكامة إلى شبكة معقدة من اللجان والتقارير التي تستنزف الوقت والموارد دون أثر واضح ، ولا تختزل في المقابل في تنسيق شكلي لا يتيح معرفة ما تحقق فعلاً .

إن المعيار الحاسم هو مدى إسهام الحكامة في تحسين الأداء الثقافي العمومي ، وتوضيح المسؤوليات ، وتوسيع المشاركة ، وضمان الاستفادة المنصفة من الموارد والخدمات .

سابعاً : نحو حكامة ثقافية تجعل المواطن شريكاً في تحديد الأولويات

إن الغاية من الحكامة الثقافية ليست تحسين التنسيق الإداري فحسب، بل ضمان أن تستجيب السياسة الثقافية لحاجات المجتمع وتنوعه ، وأن تتيح للمواطنات والمواطنين إمكان المشاركة في تحديد الأولويات ومناقشة النتائج . ويقتضي ذلك تجاوز تصور يجعل المواطن مجرد مستفيد من خدمات جاهزة ، نحو تصور يعترف به طرفاً في الحياة الثقافية ، له الحق في الوصول إلى المعرفة ، والمشاركة في الأنشطة ، والتعبير عن حاجاته ، والمساهمة في تقييم الخدمات والبرامج . ويمكن أن تتخذ هذه المشاركة صوراً متعددة ، من بينها المشاورات المحلية حول الحاجات الثقافية ، وإشراك الجمعيات والفاعلين المهنيين في إعداد البرامج ، ونشر المعطيات المتعلقة بالخدمات والميزانيات ، وتنظيم لقاءات دورية لمناقشة النتائج والتحديات . ولا ينبغي أن تتحول المشاركة إلى إجراء شكلي أو إلى وسيلة لتبرير اختيارات حُسمت مسبقاً ؛ بل ينبغي أن تكون لها قيمة فعلية في تحسين القرار العمومي ، مع توضيح كيفية الاستفادة من المقترحات المقدمة، وأسباب اعتماد بعضها أو عدم اعتماد البعض الآخر . كما أن إشراك المواطنين لا يعفي المؤسسات العمومية من مسؤولياتها ، ولا يعني نقل عبء التمويل والتدبير إليهم ، وإنما يتيح توسيع قاعدة المعرفة بالاحتياجات ، وتحسين ملاءمة البرامج ، وتعزيز الرقابة المجتمعية على التنفيذ . ومن هذا المنظور ، فإن الحكامة الثقافية الجيدة هي التي تجمع بين فعالية المؤسسات ، ووضوح المسؤوليات ، واستقلالية الفاعلين ، وشفافية التدبير ، ومشاركة المواطنين . وهي بذلك لا تكتفي بتنظيم كيفية تقديم الخدمات الثقافية ، بل تسهم في بناء علاقة ديمقراطية بين السياسات العمومية والمجتمع .

خلاصة المحطة الرابعة من تعدد المتدخلين إلى تكامل المسؤوليات

تكشف القراءة التحليلية للحكامة الثقافية أن تعدد المؤسسات والقطاعات والفاعلين ليس عائقاً حتمياً أمام بناء سياسة ثقافية متكاملة ، كما أنه ليس ضمانة تلقائية لنجاحها . فالأمر يتوقف على طبيعة العلاقات التي تنتظم بين هؤلاء المتدخلين، وعلى وضوح اختصاصاتهم ، وفعالية التنسيق بينهم ، وتحديد المسؤوليات ، وإتاحة المعلومات ، وإشراك الفاعلين والمواطنين في متابعة النتائج . وتقتضي مساءلة البرنامج الحكومي ، في هذا المستوى ، التمييز بين ما يعلنه التصريح من التزامات أو آليات محددة ، وما يحتاج إلى توضيح في الوثائق التنظيمية والبرامج القطاعية والميزانيات والتقارير . كما تقتضي عدم الخلط بين وجود آلية للتنسيق ونجاحها ، أو بين تعدد المؤسسات وتكامل أدوارها . ومن ثم ، فإن الحكامة الثقافية لا تُقاس بعدد الهيئات أو الاجتماعات أو اتفاقيات الشراكة ، بل بقدرتها على تحويل تعدد المتدخلين إلى نتائج ملموسة ؛ تتحدد في : برامج أكثر انسجاماً، ومسؤوليات أوضح، وموارد أكثر نجاعة ، ومشاركة أوسع ، وفرص أكثر إنصافاً للوصول إلى الثقافة .

المحطة الخامسة : العدالة الثقافية والديمقراطية المجالية

من الحق المعلن إلى المشاركة الفعلية

أولاً : حين يصبح السؤال الثقافي سؤالاً عن الإنصاف

      لا تكتمل مساءلة السياسة الثقافية بمجرد الوقوف عند الأهداف المعلنة ، أو فحص وسائل التنفيذ ، أو تحليل طبيعة العلاقات بين المؤسسات والفاعلين ؛ إذ يظل هناك سؤال أكثر اتصالاً بالإنسان الذي يفترض أن تكون هذه السياسة في خدمته : فمن يستفيد فعلياً من الثقافة ، وأين تتاح فرص الاستفادة منها ، ولمن تظل هذه الفرص محدودة أو بعيدة المنال؟

إن هذا السؤال ينقل النقاش من مستوى الاعتراف بأهمية الثقافة إلى مستوى توزيع الفرص الثقافية بين المواطنات والمواطنين ، ومن الحديث عن البرامج والمرافق إلى البحث في مدى قدرة مختلف الفئات والمجالات الترابية على الوصول إليها والمشاركة فيها . فقد تعلن السياسة العمومية عن أهمية الثقافة باعتبارها حقاً من الحقوق ، وقد ترصد موارد لإنشاء مؤسسات أو تنظيم تظاهرات أو صيانة معالم تراثية ، لكن هذه التدابير لا تكفي وحدها لإثبات تحقق الإنصاف الثقافي . إذ يمكن أن تتسع البنية التحتية الثقافية في بعض المجالات ، بينما تظل مجالات أخرى محدودة التجهيز أو ضعيفة العرض ؛ وقد تتنوع الأنشطة ، دون أن تتاح لجميع الفئات فرص متكافئة للمشاركة فيها . ومن هنا فإن العدالة الثقافية ليست مجرد عنوان أخلاقي أو شعار اجتماعي ، بل هي معيار لتحليل السياسة الثقافية والحكم على مدى استجابتها للحاجات المتنوعة للمجتمع . كما أنها لا تعني تقديم الخدمات نفسها بصورة آلية في كل مكان ، بقدر ما تعني مراعاة اختلاف الحاجات والإمكانات ، والعمل على إزالة العوائق التي تحول دون المشاركة الثقافية الفعلية .وعلى هذا الأساس، لا ينبغي أن نسأل فقط : ما الذي تعتزم الحكومة إنجازه في المجال الثقافي؟ بل ينبغي أن نضيف أسئلة اخرى ، منها : من سيستفيد من هذا الإنجاز ؟ وما الفئات التي يستهدفها؟ وما المجالات التي ستصل إليها آثاره ؟ وكيف يمكن التحقق من أن فرص المشاركة قد اتسعت بالفعل ؟

ثانياً : الإنصاف المجالي ، الثقافة بين المركز والهامش

يكتسب البعد المجالي أهمية خاصة في مساءلة السياسة الثقافية ، لأن فرص الوصول إلى الثقافة قد تتأثر بمكان الإقامة ، وبالقرب أو البعد عن المؤسسات الثقافية ، وبطبيعة العرض المتاح وانتظامه ، وبوسائل النقل والتواصل ، وبالإمكانات الاقتصادية والاجتماعية للأفراد والأسر . علما أنه لا ينبغي التعامل مع هذه الفوارق باعتبارها معطيات جغرافية محايدة ؛ فقد تتحول عندما لا تحظى بالمعالجة اللازمة ، إلى تفاوت في فرص التعلم والإبداع والتعبير والمشاركة في الحياة العامة . فالمدينة التي تتوفر على مكتبات ومراكز ثقافية ومسارح وفضاءات للفنون لا تقدم بالضرورة فرصاً متكافئة لجميع سكانها ، مثلما أن وجود مرفق ثقافي في جماعة ترابية لا يضمن وحده انتظام خدماته أو ملاءمتها لحاجات السكان . وفي المقابل ، لا ينبغي اختزال الحياة الثقافية في المؤسسات الكبرى أو الفضاءات الرسمية ؛ إذ يمكن للمبادرات المحلية والمكتبات الصغيرة والأنشطة الجمعوية والتعبيرات الفنية المرتبطة بالذاكرة المحلية أن تسهم بدورها في إغناء المشهد الثقافي . لذلك فإن الإنصاف المجالي (1) يقتضي النظر إلى توزيع المرافق والموارد ، وإلى طبيعة البرامج والخدمات المقدمة ، ومدى انتظامها ، وإمكان الوصول إليها ، وقدرتها على الاستجابة للخصوصيات الثقافية واللغوية والتاريخية لكل مجال . كما يستدعي التفكير في التكامل بين المستوى الوطني والمستوى الترابي ، بحيث لا تظل فرص الاستفادة من الثقافة رهينة بالإمكانات المالية للجماعات أو بوجود مبادرات محلية استثنائية . فالمسؤولية عن ضمان الحقوق الثقافية لا يمكن أن تُختزل في قدرة كل مجال على تعبئة موارده الخاصة ، بل تستدعي تضامناً وتنسيقاً يحدان من التفاوتات ويضمنان حداً من الفرص الفعلية للجميع . وعند قراءة الالتزامات الحكومية المرتبطة بتوسيع الولوج إلى الثقافة وتحقيق الإنصاف المجالي ، ينبغي التمييز بين إعلان هذا التوجه وبين إثبات أثره . فالتصريح عن نية توسيع العرض الثقافي يحدد اتجاهاً سياسياً ، لكنه لا يغني عن معرفة المجالات المستهدفة ، والموارد المرصودة ، والبرامج المبرمجة ، والجدول الزمني للتنفيذ ، والنتائج المنتظرة .

ثالثاً : الفوارق الاجتماعية الحق في الثقافة ليس امتيازاً

لا تتحدد العدالة الثقافية بالموقع الجغرافي وحده ، بل تتأثر أيضاً بالوضع الاجتماعي والاقتصادي ، وبمستوى الدخل ، وبالوقت المتاح ، وبالقدرة على تحمل تكاليف التنقل أو اقتناء الكتب أو متابعة العروض الفنية ، فضلاً عن طبيعة الحاجات والاهتمامات الثقافية . ومن ثم فإن إتاحة الثقافة للجميع لا تعني بالضرورة أن تكون جميع الأنشطة مجانية ، ولا أن تُلغى الاعتبارات المتعلقة بتكاليف الإنتاج والتدبير ؛ وإنما تعني ألا تتحول القدرة المالية إلى شرط يحرم فئات واسعة من المشاركة في الحياة الثقافية ، وألا تصبح الخدمات الثقافية الجيدة امتيازاً مرتبطاً بالقدرة على الأداء وحدها . وعليه فان معالجة هذه المسألة تتطلب تنويعا في أشكال العرض الثقافي ، وتطوير خدمات المكتبات العمومية ، ودعم المبادرات التي توسع الوصول إلى المعرفة والإبداع ، مع التنصيص على ضرورة اعادة النظر في الصيغ المناسبة لتيسير استفادة الفئات محدودة الدخل . كما تتطلب مراعاة اختلاف حاجات الأطفال والشباب والأسر وكبار السن ، دون تحويل هذه الفئات إلى تصنيفات جامدة أو افتراض أن حاجاتها الثقافية متطابقة . ويستدعي الأمر كذلك الانتباه إلى الفئات التي قد تواجه عوائق إضافية في الوصول إلى المؤسسات والأنشطة ،بما فيها الأشخاص في وضعية إعاقة ، والأشخاص المقيمون في مناطق بعيدة عن المرافق الثقافية ، والفئات التي تحول ظروفها الاجتماعية أو المهنية دون الاستفادة من الأنشطة المنظمة في أوقات محددة . ويبقى المقصود هنا ليس وضع قائمة مطالب معزولة ، بل التأكيد على أن السياسة الثقافية الفعالة هي التي تنطلق من معرفة الجمهور الذي تخاطبه ، وتدرس العوائق التي تحد من مشاركته ، وتختبر مدى ملاءمة برامجها لاحتياجاته.ولهذا فإن قياس النجاح بعدد التظاهرات أو الأنشطة وحده يظل غير كافٍ ؛ إذ ينبغي أن نعرف أيضاً طبيعة المستفيدين ،ومدى تنوعهم ، ومدى انتظام استفادتهم ، وما إذا كانت البرامج قد وصلت إلى فئات لم تكن قادرة على المشاركة من قبل .

رابعاً : الشباب والطفولة والثقافة بوصفها مجالاً للتكوين والإبداع

يحتل الأطفال والشباب موقعاً أساسياً في أي تصور ديمقراطي للثقافة ؛ فهم ليسوا مجرد جمهور مستقبلي ينبغي إعداده لتلقي المنتوج الثقافي ، بل فاعلون قادرون على التعبير والإبداع والمبادرة والمساهمة في تجديد الحياة الثقافية(2) . ومن هذا المنطلق ، فإن العلاقة بين المدرسة والثقافة تستحق عناية خاصة(3) . فالمدرسة التي تفتح أبوابها أمام القراءة والفنون والموسيقى والمسرح والتعبيرات الثقافية المتنوعة توسع أفق التعلم ، وتمنح المتعلمين فرصاً لتطوير الخيال والحس النقدي والتواصل والعمل الجماعي . كما أن وصل المؤسسات التعليمية بالمكتبات ودور الثقافة والمتاحف والفضاءات الفنية يمكن أن يجعل الثقافة جزءاً من التجربة اليومية للمتعلمين ، لا نشاطاً عرضياً مرتبطاً بمناسبات محدودة .

غير أن تحقيق هذه الغاية يحتاج إلى أكثر من الدعوة العامة إلى الاهتمام بالثقافة . فهو يستلزم برامج منتظمة … تأطيراً مناسباً … تكويناً للفاعلين … شراكات واضحة … موارد تسمح باستمرار الأنشطة وتوسيع نطاقها . كما ينبغي ألا تقتصر السياسة الثقافية الموجهة إلى الشباب على استهلاك المنتجات الثقافية الجاهزة ، بل أن تتيح لهم فرص الممارسة والإنتاج والنشر والعرض ، وأن تعترف بتعدد أشكال التعبير التي يطورونها ، مع تعزيز قدرتهم على التمييز النقدي والتفاعل المسؤول مع محيطهم .ومن المفيد في هذا السياق ، أن تتوجه المساءلة الثقافية الى البحث عن موقع الشباب في تصميم البرامج وتقييمها ، وعن مدى حضور المبادرات التي يقودونها ، وعن قدرة المؤسسات على توفير فضاءات آمنة ومفتوحة تتيح لهم التجريب والإبداع. فالمعيار ليس فقط أن نبرمج أنشطة لفائدة الشباب ، بل أن نمنحهم مكانة فعلية في الحياة الثقافية ، وأن نساعد على الانتقال بهم من موقع المتلقي إلى موقع المشارك والمبدع (4).

خامساً : التعدد اللغوي والثقافي من الاعتراف إلى تكافؤ الفرص

تقتضي العدالة الثقافية الاعتراف بتنوع المجتمع المغربي اللغوي والثقافي والتاريخي ، والنظر إلى هذا التنوع باعتباره رصيداً إنسانياً ومعرفياً ، لا مجرد معطى رمزي يستحضر في الخطابات العامة . فالتعدد لا يصبح مصدر غنى فعلياً إلا حين تتاح إمكانات التعبير عنه ، وصيانة ذاكرته ، ونقل معارفه ، وإنتاج الإبداع من داخله ، وإدماجه في الفضاءات والمؤسسات الثقافية بما يحفظ كرامة مكوناته ويعزز التفاعل بينها . ويكتسب هذا النقاش صلة خاصة بما يقرره الدستور المغربي بشأن الهوية الوطنية متعددة Rروافد [كذا في الأصل/الروافد]، وبمكانة اللغتين الرسميتين ، وبحماية مختلف التعبيرات الثقافية واللغوية . غير أن استحضار والمرجعية الدستورية لا يعفينا من مساءلة التدابير العملية التي تسمح بترجمة هذه المبادئ إلى فرص ملموسة في الإنتاج والنشر والتوثيق والتكوين والولوج إلى الخدمات الثقافية . ومن ثم ينبغي أن تتناول المساءلة مدى حضور التعبيرات اللغوية والثقافية المتنوعة في البرامج والمؤسسات ، وطبيعة الموارد المخصصة لها ، وفرص دعم المبدعين والباحثين والناشرين ، ومدى الاهتمام بالتوثيق وصيانة الذاكرة الثقافية المحلية والوطنية . كما ينبغي تجنب اختزال التعدد في عرض فولكلوري أو احتفالي عابر أو مناسباتي ؛ فالثقافة الحية لا تقتصر على استحضار الماضي ، وإنما تشمل القدرة على إنتاج معارف وأشكال تعبير جديدة ، وعلى جعل التراث مجالاً للفهم والتجديد والحوار بين الأجيال .وفي المقابل لا يصح ، افتراض أن جميع مكونات هذا التنوع تحظى والمعاملة نفسها أو أن اختلالات بعينها قائمة دون الرجوع إلى المعطيات المتاحة . فالتحليل المنهجي يقتضي فحص البرامج والموارد والنتائج ، ومقارنة ما يعلن من التزامات بما يتحقق فعلاً في المؤسسات والمجالات المعنية .

سادساً : كيف نقيس العدالة الثقافية ؟

إذا كانت العدالة الثقافية معياراً مركزياً في تقييم السياسة العمومية ، فإنها تحتاج إلى مؤشرات تسمح بتجاوز الانطباعات العامة ، وتساعد على تحديد مَوَاطن التقدم والاختلال . ولا يُقصد بالمؤشرات اختزال الثقافة في أرقام جامدة، بل توفير معطيات قابلة للفهم والمقارنة ، تضيء جوانب من الواقع ولا تدعي الإحاطة بكل أبعاده .

ويمكن بناء شبكة أولية للمساءلة الثقافية انطلاقاً من الأسئلة التالية :

  • التوزيع المجالي : كيف تتوزع المؤسسات والخدمات والبرامج الثقافية بين الجهات والأقاليم والجماعات ، وبين المجالات الحضرية والقروية ؟
  • إمكان الوصول : ما العوائق المالية والجغرافية والمادية التي قد تحول دون استفادة المواطنين من المرافق والأنشطة ؟
  • تنوع المستفيدين : هل تصل البرامج إلى فئات اجتماعية وعمرية متنوعة ، أم يتركز أثرها في جمهور محدود ؟
  • انتظام الخدمات : هل تقدم المؤسسات أنشطة وخدمات مستمرة ، أم يقتصر حضورها على مناسبات متفرقة ؟
  • المشاركة والإبداع : ما فرص المواطنين ، ولا سيما الشباب، في الممارسة والإنتاج الثقافي ، وليس الاستهلاك فقط ؟
  • التعدد اللغوي والثقافي : كيف ينعكس الاعتراف بالتنوع على البرامج والموارد وفرص النشر والتوثيق والإبداع ؟
  • الأثر: هل أسهمت البرامج في توسيع المشاركة الثقافية أو تحسين الوصول إلى المعرفة أو دعم المبادرات المحلية ؟

وعموما فان هذه المؤشرات تبقى في أمس الحاجة إلى بيانات موثوقة ، وإلى تعريف واضح لكل مؤشر، وتحديد مصدر معلوماته ودورية تحديثه والجهة المسؤولة عنه . كما ينبغي مراعاة اختلاف طبيعة البرامج الثقافية ، لأن مؤشراً يصلح لقياس انتشار خدمة المكتبات قد لا يكون مناسباً بمفرده لتقييم أثر مشروع فني أو مبادرة لحفظ التراث . والأهم أن تُقرأ الأرقام في سياقها ؛ فارتفاع عدد الأنشطة لا يدل بالضرورة على اتساع المشاركة ، وزيادة عدد المرافق لا تثبت وحدها تحسن جودة الخدمات ، كما أن انخفاض المشاركة في مجال معين قد يرتبط بعوامل متعددة ينبغي البحث فيها قبل استخلاص الأحكام . وبذلك يصبح التقييم وسيلة لفهم الواقع وتصحيح السياسات ، لا مجرد تمرين حسابي أو أداة لتجميل النتائج

سابعاً : من عدالة التوزيع إلى ديمقراطية المشاركة

قد تنجح السياسة الثقافية في توسيع عدد المرافق أو تنويع الأنشطة ، ومع ذلك تظل مشاركة المواطنين (ات) في تحديد الأولويات محدودة . لذلك فإن العدالة الثقافية لا تتعلق فقط بتوزيع الخدمات ، بل تشمل أيضاً توزيع فرص التعبير والتأثير في القرارات التي تحدد شكل الحياة الثقافية . فالمواطن(ة) ليس مستفيداً سلبياً ينتظر ما تقرره المؤسسات ، بل هو (هي) صاحب حق يمكن أن يساهم في تحديد الحاجات … اقتراح البرامج … مناقشة نتائجها . وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة على المستوى المحلي ، حيث يمكن للمشاورات واللقاءات والآليات التشاركية أن تساعد على التعرف إلى الحاجات الفعلية للسكان ، شريطة ألا تتحول إلى إجراءات شكلية لا يترتب عنها أثر في القرار . كما أن إشراك الجمعيات والفاعلين الثقافيين ينبغي أن يراعي تنوعهم واستقلاليتهم ، وأن يقوم على معايير واضحة في الدعم والشراكة ، حتى لا تُحصر المشاركة في الهيئات الأكثر قدرة على الوصول إلى المؤسسات أو في المبادرات التي تتوافق مسبقاً مع اختياراتها . ولا تعني الديمقراطية الثقافية أن تُترك الأولويات لتوازنات المصالح وحدها ، بل تقتضي قواعد تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص واحترام الحقوق ، مع بقاء المسؤولية العمومية قائمة عن حماية الحق في الثقافة وتيسير ممارسته . ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه تقييم السياسة الثقافية لا يقتصر على مدى وصول البرامج إلى المواطنين ، بل يشمل أيضاً مدى مشاركتهم في صياغة هذه البرامج ومناقشة آثارها .

خلاصة المحطة الخامسة العدالة الثقافية معيار لقياس الأثر

تفضي هذه القراءة إلى أن العدالة الثقافية ليست مجالاً إضافياً يمكن إلحاقه بالسياسة الثقافية بعد تحديد برامجها وميزانياتها ؛ إنها معيار ينبغي أن يحضر منذ تشخيص الحاجات وتحديد الأولويات ، مروراً بتوزيع الموارد وتنفيذ البرامج ، وصولاً إلى تقييم النتائج . فلا يكفي الاعتراف بالثقافة حقاً إذا ظلت فرص ممارستها متفاوتة ، ولا يكفي توسيع العرض الثقافي إذا لم نعرف من يستفيد منه ، ولا يكفي إنشاء المرافق إذا لم تتوفر لها شروط العمل والاستمرار ، كما لا تكتمل الديمقراطية الثقافية دون إتاحة فرص المشاركة والإبداع والتأثير في الاختيارات العمومية . وعند مساءلة البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031 ، يقتضي الأمر أن تُقرأ الالتزامات المتعلقة بتوسيع الولوج إلى الثقافة وتحقيق الإنصاف المجالي وصيانة التعدد الثقافي في ضوء ما يثبت من برامج وموارد وآليات تنفيذ ، ثم أن تُختبر نتائجها بمعطيات تسمح بمعرفة مدى وصولها إلى الفئات والمناطق المستهدفة .

وهكذا، تنتقل المساءلة من السؤال عما تعلنه الحكومة إلى السؤال عما يتغير في حياة المواطنين، ومن قياس حجم العرض الثقافي إلى تقدير مدى إنصافه وفاعليته . وهو ما يمهد ذلك للمحطة الموالية – السادسة – حيث يصبح السؤال أكثر تركيباً: هل تنتظم الالتزامات الثقافية المعلنة ضمن مشروع مجتمعي متكامل، أم أنها تظل مجالات متعددة تحتاج إلى مزيد من الربط والتنسيق والتحديد؟

الإحالات والهوامش

1- ورد في البرنامج الحكومي ، النقطة الثانية ضمن المرتكز الثالث صفحة 38 ، المعنونة ب ” توسيع الولوج الى الثقافة وتعزيز القرب والانصاف المجالي“: (تطوير وتأهيل المراكز الثقافية والمسارح ودور الثقافة والمكتبات والمعاهد الموسيقية ومراكز تفسير التراث وغيرها من التجهيزات الثقافية مع ضمان استدامة تشغيلها وتنشيطها).

2- تؤكد النقطة الرابعة ضمن المرتكز الثالث من البرنامج الحكومي صفحة 39 والمعنونة ب ” تنشيط الحياة الثقافية وتشجيع المشاركة والممارسة الثقافية ” على (توسيع قاعدة المشاركة والممارسة الثقافية من خلال دعم المبادرات والجمعيات والهيئات الثقافية والفنية وتنظيم ودعم التظاهرات الفنية والثقافية وتشجيع القراءة والفنون والموسيقى ومختلف أشكال التعبير والابداع).

3- تنص النقطة الثانية من المحطة الرابعة الواردة في التصريح الحكومي على ضرورة ادماج الثقافة في الحياة المدرسية.

4- يشير البرنامج الحكومي في الصفحة 36 على أن الحكومة تركز (جهودها على ترسيخ مكانة المجتمع المدني كشريك أساسي في التنمية من خلال تطوير منظومة جمعوية مستقلة ومهيكلة بما يمكنها من الاضطلاع بأدوارها الدستورية بفاعلية، وفي هذا الصدد تعطى الحكومة الأولوية لتقوية الشراكة بين الدولة والجمعيات … وتعمل على تقوية قدرات الجمعيات للنهوض بالمجتمع المدني) .

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!