“قفطانك محلول أللَّا”.. عراء مخزني في شتاء موسكو
عبد الرحيم التوراني
تأنقت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري واستعرضت قفطانها المغربي في القمة الروسية – الإفريقية بقلب موسكو.. قفطان بلون جذاب ومشوش في آن واحد، يقف حائرا بين مهرجانات الموضة وأروقة الدبلوماسية الدولية…
وسط حشد مبعوثي القارة السمراء، بدت السيدة رئيسة الحكومة فريدة ومتفردة، لكنه تميز الشكليات لا تميز الذات… تميز ينبع من خزانة الملابس لا من ثقل الشخصية، ومن بريق الأنسجة لا من قوة الخطاب وسداد الرأي.. إذ لما عجزت عن امتلاك الجوهر هرعت يائسة إلى الفولكلور الاستعراضي، لتسجل حضورها في مسابقة كانت فيها المتسابقة الوحيدة بلا منافسين، إذ لم يجرؤ أحد سواها من ضيوف القمة على ارتداء زي فلكلوري، رغم أن القارة السمراء تزخر بأرديتها المثيرة بألوانها وتزاويقها الضاربة في البهرجة والألوان، من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين. بينما أصرّت السيدة المنصوري وحدها على تحويل أروقة القمة إلى منصة للسباق الفولكلوري.
لقد سبق أن سافر إلى موسكو من قبل رئيس الوزراء السابق سعد الدين العثماني واستقبله الرئيس فيلادمير بوتين، وتلاه من أتى بعده.. عزيز أخنوش… ومع ذلك لم يهرول أحدهما لارتداء الجلباب والعمامة الصفراء أو الطربوش الأحمر، مع بلغة بيضاء أو صفراء في القدمين.. أم أن ما يتاح للأنثى في عالم السياسة المخزنية يحرم على الذكر؟ أو أن السياسة أصبحت محكومة بمنطق الدفينة والمضمة والمجدول؟… الله أعلم!
حين انقضت بروتوكولات الاستقبال التي ذكرتنا بديكورات سهرة القفطان، جاءت اللحظة الفاصلة، لحظة الكلام… تقدمت معالي الوزيرة بنت الباشا لتتلو دون أدنى خجل ورقة كتبت لها بلسان الماريشال ليوطي… وكأن المغرب عاقر لا لسان له، أو دولة من تلك الكيانات التي سلبها المستعمر أرضها ولغتها وهويتها الجماعية، لتتحدث المنصوري بلغة المستعمر القديم في قلب العاصمة الروسية. بينما ينص دستور المملكة المغربية على أن العربية والأمازيغية هما اللغتان الرسميتان للدولة. علما بأن العثماني تكلم في موسكو بالعربية، بل حتى أخنوش الذي يعاني لسانه ما يعاني تلا خطابا باللغة العربية.
سيخرج علينا المريدون ليردوا بأنها لا تتقن لغة الضاد، بل إنها هي نفسها سارعت سابقا للدفاع عن عجزها اللغوي بحجة هي أقبح من الذنب ذاته، حين أتحفتنا بمقولتها الشهيرة إن المغاربة لم يأتوا بها إلى هذا المنصب لتتقن النطق بالتاء والطاء والهمزة… وفي هذا القول عين الجحود والنكران.. فالمغاربة لو عدنا لنسبة المشاركة والأرقام القياسية للمقاطعة في تاريخ الاستحقاقات، لم يأتوا بها مطلقا إلى هذا الكرسي… كان الأولى بها أن تتحلى بالشفافية وتلثغ باسم من أتى بها وتشكره علنا.. فؤاد عالي الهمة، العراب والمؤسس لحزب التراكتور، ذلك الحزب الذي رفعت جماهير انتفاضة 20 فبراير شعاراتها الحادة ضده بلا حاجة لترجمان، وكانت كلمة “ارحل“…
وبسبب هزة 20 فبراير المنبثقة من زلزال الربيع العربي، تعطلت عجلة صاحب الهمة عقدا ونصف من الزمن لتنفذ قرارها التأجيلي، فجيء ببنت الباشا عبد الرحمان المنصوري كواجهة أصلية لتسويق بضاعة كاسدة، مفادها أن المغرب يرعى حقوق النساء ويقلدهن المناصب العليا… غير أن الحقيقة الصارخة تؤكد أننا أمام كومبارس تحرك خيوطه من خلف الكواليس، ويلقّن النصوص كلمة كلمة إن هو خرج عن السطر… إنها مسرحية بائخة، مع الاعتذار الشديد لأبي الفنون، فالمسرح الذي نعيشه هنا عبثي بامتياز، عبث بإرادة الناس ومصالحهم وطموحاتهم الوطنية.
لذا وجب على الذين تأثروا بزهو القفطان على كتفي رئيسة الحكومة أن يستفيقوا من هذه البهرجة، فلسنا في حفل زفاف أو ختان أو منصة عروض أزياء.
كغالبية هذا الشعب كنا نتمنى النجاح لأي تجربة، لكن كيف للنجاح أن ينمو في أحضان حكومة يقودها حزب صنع في الورشة المخزنية كما تصنع طرابيش الشاشيات الحمر والبلاغي الجلدية؟ حزب ما أن أعلن عن ميلاده وعرف عرابه، حتى تهافت عليه الفاسدون من كل حدب وصوب، تهافت الذباب على قطعة دسم.. جاءه لصوص المال العام وتجار المخدرات على المستوى الدولي، ومروجو الأغذية الفاسدة كالفروماج المنتهي الصلاحية، وقناصو الفرص السياسية…
كيف ننتظر الصلاح والخير من كائن إداري هجين، يرتدي مسوح الحداثة والشعارات الديمقراطية، بينما يحفر معاول الفساد في البلاد وينخر في ركائز ومقومات التنمية؟
يكفي أن نلقي نظرة على السجل العام للتهم والفضائح التي تلاحق رموزه شعبيا وإعلاميا:
– المهدي بنسعيد: ولعنة فضائح السيارة الكهربائية التي تشغل الرأي العام.
– عبد اللطيف وهبي: بتصريحاته الهوجاء وقراراته التي تثير السخط والازدراء.
– أحمد اخشيشن: وأموال البرنامج الاستعجالي للتعليم المنهوية التي تبخرت أيام استوزاره.
– فاطمة الزهراء المنصوري: وفضائح التسيير وملفات تضارب المصالح الشائكة التي تجرجرها في تلابيب قفاطينها الفاخرة!
حين تمحى الحدود بين المهرجان الفولكلوري والمسؤولية السياسية، تصبح الدولة مجرد مسرح للعرائس، وتغدو قضايا الوطن المصيرية مجرد استراحة شاي في عرس إداري…
وأنا أختم هذه السطور، تداعت إلى ذهني تلقائيا كلمات الأغنية الشعبية لسليم الهلالي: “قفطانك محلول أللَّا!”.. ربما اختصر الهلالي بدقة ما عجزت عنه التقارير، فالسياسة التي تعتمد البهرجة والشكليات، يسقط قفطانها عند أول اختبار حقيقي، ليتركها عارية أمام وضوح الحقيقة… قفطان الحداثة المزيفة انحلت أزراره في شتاء موسكو، ولم يعد يستر من عورة البيروقراطية وصولة حزب التراكتور شيئا…
