الصحافي لا يتقاعد… أو جمال المحافظ وسؤال النضال الإعلامي
إدريس جــبـري
من القواعد الذهبية لعلماء أصول الفقه، كما هو متداول وشائع، قاعدة: المناسبة شرط. وشرط هذا اللقاء ومناسبته هو الاحتفاء بالمنجز الصحافي والإعلامي للكاتب الصحافي والإعلامي، والباحث الأكاديمي، والمناضل الوطني الدكتور الحاج جمال المحافظ، بمسار مهني وعلمي ومدني ونضالي يستحق، على الأقل، ومن باب أضعاف الإيمان، الاحتفاء به من خلال قراءة أعماله العلمية، ومبادراته المدنية والإنسانية. وهي البادرة الطيبة التي قامت بها جمعية خريجات وخريجي مدارس محمد الخامس، بنزوعها الوطني الأصيل، والمحتفى به واحدا من خريج هذه المدارس وأثارها ماثل في مؤلفاته، وشاهد على أنه مرّ من هذّه المؤسسة التعليمية الوطنية العتيدة، حتى تخرج من جامعة محمد الخامس (أول جامعة مغربية تأسست بظهير ملكي أصدره المرحوم محمد الخامس نفسه سنة1957)، بشهادة الدكتوراه في القانون العام، تحت إشراف الأستاذ الحسن بوقنطار.
أفضال محمد الخامس على المحتفى به المواطن جمال المحافظ، كما يدعو الأستاذ إدريس اليزمي رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، عابرة لكل ما كتبه ويكتبه، وما كانه ويكونه. والفضل بالطبع، للسيدة للرئيسة، وسيدة الربوة، والهمة العالية: الأستاذة خديجة شاكر، وهي تطل من فوق، و” تحلق عاليا، وقدميها على أرض صلبة”، تتابع المشهد الفكري والسياسي والتربوي والأدبي والثقافي والإعلامي في المغرب بامتداداته. وترصده وتُشرف على قراءته ونقده، وتَرأس جلساته، وتُوجه وتُؤطر، وتُقوّم وتُكرم بحب وعطاء ووفاء، لا تمييز في كل ذلك بين الذكر والأنثى (والذكر عندها كالأنثى تماما).
والدليل على ذلك، احتضان السيد العميد الأخ والصديق عبد اللطيف كدّاي لهذا الاحتفاء بكلية العلوم والتربية، بجامعة محمد الخامس بالرباط، بأحد رفاقه في الجمعية المغربية لتربية الشبيبة “لاميج” (AMEJ)، وهو يتيح للسيدة الرئيسة الأستاذة خديجة شاكر، فرصة تثمين عطاءات خريجات وخريجي مدارس محمد الخامس، وجمال واحد منها، وفي الوقت نفسه عضو من أعضاء الجمعية البررة. وهي مناسبة لأجزل الشكر للسيدة الرئيسة على شرف دعوتها للمشاركة في هذا التكريم والوفاء لأحد خريجي المدارس، وذلك بالإسهام في قراءة أعمال الدكتور جمال المحافظ، ومشاكسته بحب وتقدير، كما أجزل الشكر أيضا للسيد العميد الذي وفر هذا الفضاء الجميل لاحتضان هذه القراءة، وهذا الاحتفاء المستحق. والشرف لي أن تترأس هذه الجلسة الكاتبة الصحافية والإعلامية الألمعية، والباحثة الأكاديمية المدققة، الأخت مونية المنصور، وسأمتثل لكل قراراتها، والتزم بتوجيهات في هذه القراءة التي أقترح على هذا الحضور الطيب من أصدقاء وزملاء وأحببته بمرجعيتهم ومقاماتهم ورمزياتهم، فضلا عن جيل المستقبل من الطلبة الذين حضروا، بكثافة، للمشاركة في هذا الاحتفاء البهي بالحاج جمال. الإنسان والإعلامي والجمعوي والنقابي والمناضل….
وأقترح في هذا السياق، ولهذه المناسبة، مداخلة “فطيرة” لم تنضج بعد، اخترت لها عنوان، “الصحافي الذي لا يتقاعد… أو جمال المحافظ وسؤال النّضال الإعلامي”، بفرضييتن، الأولى، الصحافي والإعلامي جمال المحافظ لا يتقاعد…والثانية، أن جمال المحافظ صحافي وإعلامي مناضل، بالمعنى الذي سنبسطه في هذه الورقة.
أولا-مسار بناءالمشروع العلمي لجمال المحافظ، أو الصحافي – الإعلامي الذي لا يتقاعد…
إنارة وإفشاء سر:
على أساس استقراء بسيط لكل الكتب التي أصدرها الحاج الدكتور والمواطن جمال المحافظ سيدرك قارؤه وقارئته، بأنه بالفعل قد كتب هذه الكتب جميعها، بعد نهاية الخدمة الوظيفية، ومباشرة بعدما أُحيل على التقاعد الإداري سنة 2017.
لَفظْتُ الماءَ من فمي، وتنفست الصّعداء، وقلت، على غرار قولة أرخميدس: وجدتها!، وجدتها! وما وجدته وجدته في تمهيد الكاتب لكتابه، الإعلام وسط التيار. من هذا التمهيد أورد لكم ورد في الصفحة 7، قوله الآتي:”يندرج كتاب الإعلام وسط التيار ضمن سلسلة مؤلفات بدأت بالضبط في أبريل 2017، سنة الإحالة على التقاعد الإداري من وكالة المغرب العربي للأنباء التي تزامنت مع مبادرة تقديم دكتوراه حول مسار وتحولات النقابة الوطنية للصحافة المغربية من التأسيس في 1963 إلى 2011 ، سنة إقرار الدستور الجديد.، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، وذلك بناء على توصية من الصحفي والوزير والدبلوماسي محمد العربي المساري… وهذا ما جعلني أبادر إلى تغيير الموضوع الذي سبق أن سجلته تحت عنوان، حزب الاستقلال من المعارضة إلى المشاركة في الحكومة ما بين 1977 و1983”.
إن الشهادة أعلاه تؤكد بالقوة والفعل أن الصحافي لا يتقاعد ، خاصة إذا كان من طينة جمال المحافظ، من “أبناء الرباط داخل السور”، وهو عاشق ولهان بالمهنة، ومنخرط صادق في أسئلتها وصياغة أجوبتها، والتأليف فيها، وبنَفسٍ ” نضالي” مسؤول، عابر لكل ما يكتب ويؤلف وينشر. قد تكون مرحلة التقاعد المهني لحظة اختمار ذخيرة الرفيق جمال أو البيك داتا (Sa Big Data ) عبر مؤلفاته للأجيال المتعاقبة. وهو ما حصل بالفعل، إذ توالت مؤلفاته في الصدور بعد التقاعد الإداري، بدءا من كتابه، أو أطروحته التي أشرف عليها الأستاذ الحسن بوقنطار، وتحولت إلى عنوان، “الصحفيون المغاربة، الأداء النقابي في الإعلام: المسار والتحول 2019. وفيه يستعرض المناضل النقابي جمال تاريخ النقابة الوطنية للصحافة المغربية (SNPM)، ومسارات تطورها، ومظاهر تحولاتها؛ ثم أعقبه بكتاب آخر، سنة 2020، تحت عنوان، حفريات صحافية… من المجلة الحائطية إلى حائط فيسبوك، تعقب فيه حفريات الصحافة المغربية، ورصد مؤشرات انتقالها من الكتابي (المجلة الحائطية، في تجربة جمعية لاميج) إلى الرقمي وما يرتبط به .وفي السنة الموالية، سيصدر سنة 2021، كتاب تحت عنوان، العقل السياسي والعقل الصحفي، تناول فيه، إلى جانب شهادات صحافيين مهنيين مرموقين، تجربة الصحافي الاتحادي محمد البريني، ورهان التوفيق بين السياسي والمهني، وذلك في مناسبة تكريمه بموسم أصيلا الثقافي في دورتها الثانية والأربعين سنة 2021( رقم 42. ). وفي سنة 2023، سيصدر جمال المحافظ كتابه، الإعلام في زمن اللايقين، وفيه يعمق البحث في ما وصل إليه الإعلام في ظل الثورة الرقمية وبروز الذكاء الاصطناعي، ومآلاته الغامضة واللايقين، المنذرة بانفجار المشهد الإعلامي وضياع وظائفه النبيلة.
إن التقاعد الإداري لا يثني الصحافي من الكتابة، ولا يمنعه من رصد المشهد الإعلامي بمواطن قوته وضعفه،كما هو ديدان الحاج جمال، وصلات ذلك بالمجتمع والدولة، ذلك ما يعكسه كتابه الاستباقي، الإعلام ومونديال 2030، الذي أصدره سنة 2025، وفيه رصد هذا الحدث العالمي المرتقب وآفاقه ورهاناته، واقترح أن يكون الإعلام أفقا للتفكير. في هذه التظاهرة العالمية بأبعادها المتعددة…
تقاعد الحاج جمال المحافظ…لم يتقاعد الحاج جمال المحافظ… ذلك ما أمعن الأستاذ الحسن بوقنطار في تأكيده وإقراره في تقديمه للكتاب، لما قال: ” على خلاف العديد من الأطر التي انزوت واعتزلت بعدما نهاية مسارها المهني وإحالتها على التقاعد، فإن جمال المحافظ، اكتسب نفسا إضافيا مكنه من الاشتغال على الكثير من القضايا التي تشغل بال الإعلام بصفة خاصة، والمجتمع بصفة خاصة”(ص4).
التقاعد المهني ليس نهايةً للعالم، وبلا بدايةَ الانزواء واعتزالِ الحياة، وانتظار الموت المحتوم. تلك قناعة الكسالى والمتقاعسين وضعاف النّفوس، ممن لا همةَ لهم ولا نفعاً يُرجى منهم. وحدهم الأبطال التراجيديون، وأخال جمال المحافظ واحدا منهم، ممن لا يقبلون الاستكانة للزمن ومداراته، ولا يسلمون بالحلول الوسطى. إنه شباب يتجدد، وطاقة تتدفق، ووطنية تتجسد، وصدق يفيض، وعطاء يتجدد، ووفاء بلا حدود… فهو لا يعرف منطق الزمن، ولا إكراهاته. يسير في اتجاه المستحيل، وينظر في الشمس ولا يعبأ، وعينه أن يضع صخرة سيزيف، أو صخرة الإعلام في قمة الجيل، ويحلق عاليا ضدا على قوة التيارات وسرعته، وجارف الأعاصير العتية. هذا ما يعكسه كتابه الأخير، إعلام وسط التيار الذي أعتبره، كتاب ضد التقاعد الوظيفي، ومقاومة له، بل وثورة عليه، وعلى المستكنين والمستسلمين له؛ بل اعتبره حصيلة تجربة عمر طويل في الممارسة المهنية، وثمرة معاناة كثيفة في الكتابة الصحافية، والعمل على تطويرها، وشهادة حية على تاريخ هذه المهنة جيل بعد جيل، وبنزوع نضالي لا يفتر…
…الصحافة والإعلام في حياة جمال المحافظ إكسيرَ حياته، بل شرط وجوده. وللاستدلال على هذه الفرضيات، ونحن في مقام الوفاء والاعتراف أقترح عليكم قراءة هذا الكتاب، نوعا من القراءة ” المشاكسة”، وبقفشات اللحظة.
ثانيا- إعلام وسط التيار أوالمناضل الصحافي جمال المحافظ وسط الأعاصير
من شروط الكتابة العلمية القادرة على الفعل والتأثير وترك الأثر، أولا، الحُرقة التي تلازم الكاتب وتحفزه المواكبة والكتابة والتأليف والنشر، ثانيا، الذخيرة، ومن لا ذخيرة لا يقدر على الكتابة ومستلزماتها، ولا يمكن أن يكون في دائرة الكتاب والباحثين، ومن أي موقع أو تخصص، في تراكمها واتساع مداها، عبر القراءة وفعل الزمن، إنها المعرفة بموضوع الكتابةLogos ، ثم ثالثا، شخصية الكاتب، أو إيتوسه Ethos ، قبل الكتابة وفي الكتابة، لأن الكتابة لأهلها دون غيرهم، ثم رابعا وأخيرا، الأداء بمراعاة المتلقي (Pathos) وشروط تلاقيه. وأعتقدها الشروط التي جعلت من جمال المحافظ، كاتبا صحافيا وإعلاميا، وباحثا أكاديميا، يقرأ ويكتب وينشر ويُقرأ، ويناقش ويُحتفى به، كقليل ممن اجتباهم الله والزمن للكتابة والإبداع فيها، سواء زمن التقاعد الوظيفي أو قبله. ولكم الدليل من كتابه الأخير، منطلقا، ومن جميع كتبه، ذهابا وإيابا.
- 1. في تقديم الكتاب، يضم كتاب، إعلام وسط التيار، ثلاثة فصول، تمتد على 217 صفحة من الحجم المتوسط. أولها حول تحولات الإعلام، وإعلام التحولات، وثانيها، الإعلام والسياسة ما بين الحدود والهيمنة، ثم ثالثها، أسئلة التنظيم الذاتي، ما تتسم بهذه الفصول من عناوين كثيرة، وتشقيقات عديدة، ثم أخيرا فهرسا من سبع صفحات. وستكون لهندسة الكتاب آثارها على طبيعة الكتاب، ومقروئيته، كما سنرى.
- 2. من عنوان الكتاب، وعتبته الأولى، إعلام وسط التيار. وددت لو استعاض الحاج جمال نعته لوضع الإعلام الراهن الذي تحدث عنه في هذا الكتاب، بالتيار، بنعت الإعصار، للاختلاف من حدة النعتين، بالنظر لما تطرق إليه على امتداد الكتاب. فالتيار، في المعاجم العربية، مرتبط بحركة سطحية في ماء المحيط بسبب التيار. وحتى ربط التيار بالوسط عوض الأطراف، قد لا يؤدي المعنى لأن وجود الإعلام وسط التيار يرتبط بحركة اعتماد، أي لولبية، يدوخ ولا يتمدد، ويلتهم ذاته، ولا يتحرك. أما الإعصار فيفيد ما عبر عنه باللايقين الذي عرفه الإعلام العالمي والوطني، وغير المسار، وهو يصيبه بما يغير ملامحه، ويضيع هويته. وهو ما ورد في عنوان مقال للكاتب في كتابه، الإعلام ومونديال 2023، تحت عنوان، ” صمود وسط أعاصير” (من ص179- 185)، وهو يتحدث عن صمود الإذاعة/الراديو لأكثر من قرن من الزمن رغم منافسة الوسائل الإعلامية والتواصل الأخرى.
- 3.لوحة الكتاب للفنان المكي بلامينو (Mekki Palamino ou Palomino). ورغم أميتي في الثقافة التشكيلية، فيبدو لي أنها لوحة أولا، لفنان تشكيلي داخل أسوار الرباط، من أصول عريقة ضاربة في أعمال الموريسكيين الاأندلسيين القاطنين بالرباط، وثانيا، لوحة فنية بطعم زخرفي بصري ، تُوحي بما يعرف بعقدة سليمان( nœud de Salomon)، وتحيل عليها بتصرف فني واضح. وأجواء القلم والكتابة والخط والحبر والريشة. وهي لوحة قد لا تعكس وضعية الإعلام وسط التيار، وما يرتبط به من اضطرابات أو اختلالات أو تحولات نوعية متوقعة؟ لاشي في اللوحة يوحي بوجود الإعلام وسط تيار، كهربائي أو مائي أو أدبي أو فني…وبالتالي لا يفتح أفقا لقارئة أو قارئ يترقب تداعيات التيار ولوازمه في مجال الإعلام عموما. المهم أنكما من الرباط وجواراته الثقافية والتاريخية والجغرافية والحضارية…
- 4. في تقديم الكتاب، كما هو مثبت أسفل الكتاب بخط عريض ومضغوط: تقديم ذ. الحسن بوقنطار وتلك سُنة حسنة سنها بعض الكُتّاب، في مقدمتهم جمال المحافظ في أغلب كتبه، إن لم أقل في كلها. وهي سنة تدل على قيم الوفاء والاعترافوالتواضع التي نشأ عليها الحاج جمال في أسرته الرباطية وجوارها القريب والبعيد، وبالأساس من مدرسة مربي الأجيال محمد الحيحي. عادة ما يختار الحاج من يتصدر كتبه ويقدم لها، من أصدقائه أو أساتذته ( ذ.عبد الله البقالي، ذ.إدريس اليزمي، ذ حسن طارق، ذ.إدريس جبري…). وبالمناسبة، أشد على يديك بحرارة وبصدق الحاج جمال، وأنت المحافظ على تلك القيم التي نحن بصددها في هذا اللقاء، لما اخترت أستاذك المشرف على أطروحتك الجامعية الأستاذ الحسن بوقنطار، بقيمته الأكاديمية، و رمزيته الوطنية، ومرجعيته الإيديولوجية ليقدم لكتابك الأخير هذا، وتشرف به، ويشرف به الكتاب .ذلك ما أكده في تقديم الكتاب، لما قال: ” في هذا الكتاب الجديد يواصل ذ جمال المحافظ تأملاته حول الواقع الإعلامي، وهو ينهل في ذلك من تجربته كصحفي ومسؤول بوكالة المغرب العربي للأنباء، وكمنخرط في العمل الجمعوي، خاصة ضمن الجمعية المغربية لتربية الشبيبة…” (ص4) فالتربية والأخلاق والقيم هي بوصلة الحياة عند الحاج المواطن جمال المحافظ، وهو ما يحفظ إنسانيته، ويصونها
تذكير وتثبيت:
لعل هذا ما يفسر الحضور اللافت لأخلاقيات المهنة في الكتاب، وتكوين الصحافة، والدعوة إلى فتح أوراش التربية على الإعلام، أو ما يسميه بالإعلام التربوي ( ضمن المقررات الدراسيةص27- 41- -36..- 58)، دون التركيز على قانون الصحافة والنشر الغائب في كثير من مؤلفاته، إلا بالذكر العابر…
قوة ما بعد التقاعد والدقة في الرصد والسرعة في التقاط ما يجب التقاطه
- فائض العناوين، وزائد التقسيمات والترقيم: على امتداد الكتاب، وباقي كتبك، نلاحظ الكثرة الزائدة في التقسيمات والتشقيقات، وهذا ربما يُعرقل القراءة المُنسابة، بل ويُشوش عليه، فيصير قارئك كمن يأكل على جرار سريع في ربوة كثيرة الحفر والمضايق…أو كما يحلق عاليا ورجليه معلقتين أو مكبلتين….وبالتالي فالتقسيم والتشقيق ليس إجرائيا، ولا بيداغوجيا في الكتاب، وأنت المعلم الخبير.
- قلق الحاج جمال المحافظ، وهو يرصد الإعلام وسط التيار ويتأمل مآلاته. من يقرأ الكتاب، ينصت لنبضات قلب الرفيق جمال، على امتداد الكتاب، ويحس بقلقه الشديد إزاء وضع المشهد الصحافي والإعلامي ومستقبله. فالإعلام عنده موضوع للقراءة وأداة لتحليل قضايا الدولة والمجتمع. هذا ما يسوغ دفاعه عن الديمقراطية، ومرافعته على الحرية، ويدعو إلى تكوين الصحافيين والإعلاميين وتحسن وضعيتهم الاجتماعية….خاصة في زمن التيارات القوية، وبالأحرى الأعاصير التي يتحرك فيه الإعلام، زمن الرقمنة، وتبعاته على مهنة الصحافة وأخلاقيتها، مخرجاته لايقينية، وعائمة ومرتباب في مآلاته(ص52). وهذا مصدر توجسه من حال الصحافة والإعلام، وصعوبة الوصول إلى الحقيقة، والانتصار لقيمة الحرية والديمقراطية والمواطنة والكرامة (ص65).ارتباطا بما سبق، نجد جمال المحافظ إعلاميا مناضلا…
- 7.جمال المحافظ الصحافي المناضل، وأدعي فرضيا، أن الحاج إنسان وإعلامي ونقابي وجمعوي مناضل بالقوة وبالفعل. ولا نقصد بالمناضل معنى الارتماء في أحضان إيديولوجية منغلقة، أو محكومة بما ينازع الحق في الخبر ونشره من حياد وموضوعية واستقلالية. وهو ماتنبه إليه لما سمى الحدود بين الصحافة والنضال بالحدود المبهمة والملتبسة، أو الرمادية (ص61-63-64). وهو ما جعله يخص الفصل الثالث لهذا الموضوع، وهو يعالج سؤال الصحافة والسياسة، وما يميزهما. الأولى محكومة بأخلاقيات المهنة وضمير الصحافي، والثانية ملازمة للمصالح والتوازنات. مما يطرح سؤالا عريضا مفاده: هل من حق الصحافي أن يكون له رأي في السياسة؟ صحيح، كما يقول المواطن جمال المحافظ، ” ليس مطلوبا منه أن يكون لا يساريا ولا يمينيا ولا إسلاميا حتى، وإنما صحافيا نزيها، لأن الصحافة مهنة، والنضال مهنة أخرى”(ص66) .وفي هذا نظر، لأن النضال ليس مهنة، بقدر ما هو موقف ورؤية وقناعة واختيار وصراع وسط التيار والإعصار.، ” يناضل للنشر والتقصي حول مختلف الأحداث وتعميم المعلومات والمعطيات.”(ص85) …ألم يكن الصحافي مناضلا لمّا كان يتعقب المحاكمات وملفات الفساد والاعتقال والاختطاف والتعذيب في أجناس صحافية من قبيل التحقيق والاستقصاء والحوار…(ص87-95)، وكان يطالب بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان (ص107-108-)، أو كما كان يسعى أن يتحول الإعلام إلى سلطة أولى عوض الرابعة (ص123) وخلخلة اليقينيات (ص144). ألم يكن تأسيس المجلس الوطني بما هو تنظيما ذاتيا، وبلغة الحاج جمال، ” ثمرة نضال نقابي امتد لعقود” (ص155). ( ص45-46-49.-85…)
ِبناء على ما سبق، جمال المحافظ شبيه بزرادشت نيتشه يحلق عاليا، ورأسه في السماء، إنسانا وإعلاميا وجمعويا، يوفي الوقت ذاته، يقف على أرضية صلبة، ورجليه مغروستين في مجتمعه راصدا لقضاياه وأسئلته وقيمه، يشخصها ويسائلها وينقدها، وبآليات بيداغوجية المعلم والمربي، فيكرر ويعيد ويؤكد، وينصح ويقترح … وينتقل من قضية إلى أخرى، في ظل التحولات النوعية السريعة التي يتحرك فيها الإعلام والإعلاميين، وفي وسط التيار، كما تفعل النحلة، وهي تنتقل من زهرة إلى أخرى، ومن وردة إلى أخرى أي من قضية إلى أخرى، ومن مطلب إلى أخر، ومن اقتراح إلى آخر، وبهمة نقابي مناضل، يأخذ ويطلب… وما أخذ الحاج جمال المحافظ سوى حب الناس وتقديرهم، وعلى امتداد مساره المهني وبعده….فمن اعتاد أن يعطي فهو يعطي دون حساب، وقليلا ما يعرف أن يأخذ سوى ما يزيد في حب الناس له.
