أحمد بنميمون قاصّاُ: سُوسْيُولوجيا الحِرمَان والظّلم
د. عبد الجبار العلمي
مِن الجدير بالملاحظة ـ في البداية ـ أن هذه المجموعة من القصص كُتبت عامي: 2014 و2015، عدا قصة ” زنقة .. زنقة ” المؤرخة بأبريل 2011. ويبدو من خلال التواريخ التي يحرص المؤلف على تذييل نصوصه بها، أنها كتبت تحديداً في الشهر الأخير من سنة 2014 والشهر الأول من سنة 2015، وذلك بشكل مستمر، يفصل بين كتابة قصة وأخرى بضعة أيام، بل إن بعضَها كتب في أيام متوالية أو متقاربة. والأمر له دلالته كما يتبدى من خلال قراءة هذا المتن القصصي، ذلك أن الذات الكاتبة قد أثقلتها هموم جسيمة مؤرقة لا قبل لها بتحملها، فنثرتها في هذه القصص دفعة واحدة، وكأنها تريد أن تتخلص من عبء ما تعانيه سواء على المستوى الذاتي أو المستوى الموضوعي: محلياً وقومياً ووجودياً وإنسانياً عاماً.
وقد جمعهما المؤلف في كتابين: “حكايات ريف الأندلس” الصادر عن دار سليكي أخوين بطنجة، سنة 2015؛ و”شهود السَّاحة” الصادر عن المجلس الوطني للإعلام، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، سنة 2016. وتتناول هذه القصص التي يضمُّها الكتابان، الموضوعات التالية:
ـ موضوعةُ الموت / الاستبداد / الحرية / سيادة قانون القوة / الظلم الاجتماعي/ تردي الوضع الثقافي.
لقد عبر الشاعر القاص المغربي أحمد بنميمون ـ كعهدنا به في كتاباته الشعرية والنثرية ـ بكثير من المرارة والصدق عن هذه القضايا فيما كتبه من هذا الكم الغزير من القصص، فجعلنا نتعاطف مع أبطالها وشخوصها من المقهورين والمهمشين والمعذبين في هذه الأرض الجحيمية، كما وضع يدنا على العديد من المشاكل والعيوب التي تعتور واقعنا الخاص والعام على مختلف المستويات. إلا أنه لا يقدم حلولاً أو علاجاً لها. ويبدو أنه يتبنى بذلك التقنية الجديدة في الفن القصصي المعاصر التي لا “تعتمد على التبرير، بل تطرح القضايا العامة والخاصة في أبعادها الإنسانية العميقة، محاولة أن تفتح العيون على المشاكل لا أن تحل المشاكل، وبذلك تحدث المشاركة الوجدانية التي تجعل القارئ نفسه بطلاً يعمل، ويتألم ويأمل وييأس ويخوض مع أشخاص القصة معركة الحياة.” ([1])
إنها من نوع القصص التي “تصيب القارئ بالقلق والتأزم، ولا تمنحه الراحة التي يتنفس فيها الصعداء “كما حدده القاص أحمد بوزفور ([2])، فليس في هذا العالم القصصي إلا ما يؤرق ويبعث على السخط والحزن والألم واليأس والرعب ، والإحساس بالضياع والعبث وقسوة الحياة ودنو الموت.
وسنحاول فيما يلي أن نقدم بإيجاز الموضوعات التي تمت الإشارة إليها آنفاً من خلال بعض النماذج من هاتين المجموعتين القصصيتين :
1 ـ موضوعة الموت:
تحضر موضوعة الموت بشكل لافت في العديد من قصص المجموعة ، نتوقف عند نموذجين منها هما : “بهجة الموت” و “بفعل فاعل”.
فكرة الأولى تتسم بالطرافة والغرابة والابتكار، السارد فيها شخص يُحْتَضَر، يصف حالة احتضاره ومراسم المأتم، وحضور المعزين إلى بيته، ونقله على النعش إلى مثواه الأخير ، ويعبر عن بهجته وسعادته بموته وتخلصه من أعباء الحياة المختلفة..
أما الموت في القصة الثانية، فيتجاوز الموت الفيزيقي إلى الموت الرمزي: موت الضمائر والنفوس لدى بعض الموظفين الذين يتخذون التسلق والانتهازية ومبدأ الغاية تبرر الوسيلة سبيلاً للوصول إلى مناصب سامية، فيربحون ما طمحوا إليه من سلطة ومال وجاه زائف، ويخسرون أنفسهم، ولا تخلو هذه القصة أيضاً من طرافة، فبطل القصة الموظف السامي يعود إلى بيته ليخلو إلى نفسه، فلا يجدها. يخاطبها فلا تجيبه، يرجها رجاً، فلا تحرك ساكناً. “لقد قتلها ولا يزال لم يفطن إلى موتها بعد ” ..
2 ـ موضوعة الاستبداد:
من القصص التي ترصد هذه الموضوعة بشكل أساسي قصتان، هما: “عاشْ.. عاشْ” و”زنقة .. زنقة”. فالأولى تمتح أحداثَها وشخوصَها من الواقع المغربي على عهد الاستعمار، حيث كان بعض رجال السلطة (الباشوات، ومنهم باشا اسمه عاشعاش)، يستغلون نفوذهم في قهر وقمع المستضعفين من أبناء جلدتهم، ويذيقونهم أفظع صنوف العذاب والتنكيل والإذلال. وإذا كانت هذه القصة قدمت الاستبداد بشكل واقعي قائم على وقائع تاريخية معروفة، يمثل فيها بعض رجال السلطة المتعاونين مع الاستعمار المستبد الصغير، حسب عبدالرحمن الكواكبي، فإن قصة “زنقة .. زنقة” تقدم لنا صورة شديدة الرعب للمستبد الكبير بما يجسده من تسلط وقسوة وجبروت وطغيان في واقع عربي معاصر، وذلك في إطار مختلف: إنها قصة يختلط فيها الواقع بالخيال، وتتسربل بالأجواء العجائبية وبالكوابيس المرعبة، كما تختلط فيها الأزمنة: زمن طفولة السارد ـ المشارك بشقاوته وبراءته، وزمن كهولته بوطأته وواقعه الدموي الرهيب.
3 ـ موضوعة الحرية:
تمثل هذه الموضوعة قصتان هما: “أجنحة وجدران” و”الحلم القريب”. في الأولى نصادف طفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة (حسب التعبير المتداول)، تتكئ في سيرها على عكازتين، وتقف لتنعم النظر إلى طيور تتقافز فوق أرصفة الشارع، وترى فيها رمزاً للحركة والحرية والانطلاق التي افتقدتها بسبب عاهتها التي ألمت بها ، وترفض بحدة هدية الراوي المتمثلة في عصفور صغير في قفص يقتنيه لها من بائع طيور. تتميز القصة بشاعرية مرهفة وتصوير مؤثر، تذكرنا بقصيدة للشاعر الإسباني خوان رامون خيمينيث يصور فيها طفلة عرجاء تريد أن تجري مثل أترابها لتشاركهم عدوهم ولعبهم. والقصة ذات أبعاد إنسانية تعلي من شأن قيمة الحرية المغتصبة في عالم يسوده القهر والقمع وتحكم الأقوياء والطغاة.
أما القصة الثانية “الحلم القريب”، فترصد بطريقة فنية تمزج بين الواقع والحلم والرمز معاناة الشعب الفلسطيني من اغتصاب لحريته وأرضه من لدن العصابات الصهيونية، مؤكدة على المقاومة سبيلاً لتحرير الوطن المحتل. وإذا كان العنوان “الحلم القريب” يوحي بالأمل إلا أن تحقيقه مشروط بالفعل والمقاومة والتشبث المستميت بالأرض. والحقيقة أن القصة تومئ إلى افتقاد الإنسان العربي عموماً للحرية بجميع أنواعها في معظم الأقطار العربية.
4 ـ سيادة قانون القوة:
تمثل قصة “ريشة في مهب الريح” هذه الموضوعة بطريقة تمزج بين الواقع والفنتازيا، فالبطل “غالب ريشة” نحيف خفيف. وزنه وزن ريشة، يعبث به الهواء كما يشاء ، ولا يستطيع أن يجد له مكاناً في عالم لا يقيم الاعتبار إلا للقوة بمختلف تجلياتها. ولعل القاص يومئ بذلك إلى ضآلة الإنسان وانسحاقه وتشيئه في مجتمع يسوده قانون الأقوياء، يمتلئ بالقسوة والظلم والقهر، ولا مكان فيه للمستضعفين والمطحونين المقهورين. يقول السارد: “لا فائدة في الخروج إلى عالم لا متعة فيه لمن كان في وزن ريشة، ولا تتضخم فيه إلا أجساد الظالمين الغلاظ القساة “. وإذا شئنا أن نضيف إلى القصة دلالة أكثر شمولية ، يمكن القول إنها تشير إلى أن الإنسان المقهور يوجد بين فكي قوتين : قوة القدر القاهر ، وقوة البشر الظالم.
5 ـ الظلم الاجتماعي:
تحظى موضوعة الظلم الاجتماعي الذي تعاني منه شرائح اجتماعية واسعة تنتمي إلى قاع المجتمع، باهتمام ملحوظ من لدن كاتب هذه المجموعة، مما يعني انحيازه إلى الفئات الفقيرة المحرومة المهمشة، ومعانقته لقضايا الناس البسطاء. وقد رصد لها العديد من قصص المجموعتين، نذكر منها على سبيل المثال “الاحتقار” ـ “غربة المطرود”ـ “أوركسترا وسط الطريق” ـ “في مديح عراء ومبكى ظل” ـ “شمس صغيرة” ـ “الاثنين يبدأ الأحد”، فأبطال القصص وشخوصها هم من العاطلين والمعتوهين والشباب الضائع المنحرف ومتعاطي المخدرات والكحول وجامعي القمامة وحُفَّار القبور والعاهرات، وغيرهم من النماذج البشرية الهامشية البائسة.
وقد تناولت القصة القصيرة المغربية في الستينيات من القرن الماضي واقع التهميش والحرمان والظلم الاجتماعي الذي تعيشه الفئات الفقيرة من المجتمع، ويبدو أن واقع الحال الذي ترصده قصص المجموعة التي كتبت حديثاً، لا يختلف عما كان سائداً في الماضي، إن لم يكن أكثر حدة وفظاعة. يقول الناقد نجيب العوفي “ما أشبه الليل بالبارحة. لقد جرت بلا شك مياه كثيرة تحت الجسر. لكن مواكب العاطلين والمعطلين والهامشيين، فيما يبدو في توالد مستمر وثبات مستمر، تراوح في المكان والزمان، والقصة القصيرة المغربية شاهدة على ذلك” ([3])
وسنتوقف عند نموذج من قصص المجموعة التي تعالج الموضوعة المنوه إليها أعلاه، هي قصة “الإثنين يبدأ الأحد”. تتناول هذه القصة قضية حساسة، هي حياة البغايا في المواخير التي أقامها الاستعمار الإسباني في بعض المدن المغربية بالشمال المغربي، ومعاناة الفتيات اللواتي أرغمتهن ظروفهن الاجتماعية إلى ممارسة هذه المهنة. وتشير القصة إلى ظاهرة غريبة تمثل مدى قسوة المجتمع وتزمته ومحافظته المبالغ فيها، وهي معاقبة البنت من لدن عائلتها بسببٍ قد يكون مجرد علاقة بريئة بالجنس الآخر، بزجها في ماخور بعيداً عن أهلها ومدينتها، وهذا ما حصل لأهم شخصيات القصة “طنبوقة” الفتاة الجميلة القادمة من تطوان التي نبذها أهلها ورموا بها في ماخور بمدينة أخرى للتخلص من العار الموهوم. يقول السارد: “إيه يا أحلى عاهرات هذه الزنقة. لقد كنتِ ابنةَ بيت كبير، وقضت إرادة خبثاء أن يسقطَ بك وعدٌ قطعتِه على نفسِك مع حبيب، أن تَصِلي إلى الحضيض. ” ([4])
5 ـ تردي الوضع الثقافي:
ثمة همومٌ كثيرةٌ تشغلُ الذاتَ الكاتبة، وتقض مضجعَها، وتملؤُها بكثير من المرارة والألم وعدم الارتياح، كما سلفَ الذكر، ولم تكن لتغيبَ عن اهتمامِ الكاتب في هذه المجموعة من القصص، وهو المثقفُ الحريص على جمال لغتنا واستقامتها فيما يَكتُبُ من أعمال إبداعية، والقابضُ على جمر الإبداع الشعري منذ سنوات الستين، أزمةُ الوضعِ الثقافي الراهن محلياً وعربياً. وتمثلُ هذه القضية قصةُ «كلمات فكلمات». ([5]) لقد وجَّهَ الشاعرُ القاصُّ أحمد بنميمون نقداً لاذعاً إلى الوضعية المتردية التي باتَ عليها الشِّعْرُ وتظاهراتهُ وأمسياتُه من ركود وكساد. ولا تخلو القصةُ من سخريةٍ مرَّةٍ بما يدعوه البعض بشعر ما بعد الحداثة: (قصيدة النثر) تحديداً، الذي يعتبره الكثيرون الشَّكْلَ الأوحدَ في الساحة الشعرية، ممارسينَ نوعاً من الإقصاءِ للأشْكالِ الشعرية الأخرى، والحالُ أنَّ معظمَ كاتبيه يعانون من فقرٍ لغوي مدقع، فضلاً عن ضعفِ امتلاكهمْ لأدواتِ هذا الجنس الأدبي العصي، وعدمِ اطلاعهم الواسع على تراثنا الشِّعري في أروع نصوصه قديماً وحديثاً. والحقيقة أن الكاتبَ عبَّر في كثيرٍ من أحاديثهِ عن رأيهِ في القضية، وقد أرادَ هنا أن يعبِّرَ عنها فنِّياً من خلالِ سردٍ قصصي. ويمكنُ اعتبار هذه القصة من نوعِ القصص التي تنتمي إلى ما دعاهُ عِزَّة القمحاوي بالمقالة السَّردية لدى دراستهِ نصوصَ إبراهيم أصلان في كتابه هذا الأخير بعنوان «خلوة الغلبان».
ومما تجدرُ ملاحظتُه أَنَّ هذه المجموعة َالقصصيةَ شديدة الارتباط بواقع الإنسان، بهمومه وانشغالاته المختلفة ، وواقع الحياة بمشاكله وقضاياه الكبرى. ويرى الأستاذ أحمد اليبوري أن القصة هي ” أدب الحياة ، يعكس ذبذباتها في دقة ووضوح وصدق “، وقد بقيت محتفظة منذ نشأتها وإلى الآن بهذه الخاصية. ([6])
مكونات الخطاب القصصي في المجموعة:
1ـ طرائق السرد:
من طرائق السرد التي تلفت نظر القارئ في بعض قصص المجموعة ، أن السارد ـ الشاهد، يسرد الأحداث إلى أحد أصدقائه ذاكراً اسمه أو مغفِلاً ذكره ، داعياً إياه إلى متابعة ما يحكيه ، ونمثل لذلك بالنماذج التالية : “الإثنين يبدأ الأحد” و”أوركسترا وسط الطريق” و”غربة المطرود “؛ ففي الأولى يحكي السارد لصديقه عبدالبديع وقائع غريبة، ويدعوه إلى مشاركته ما يعاينه من أحداث مهولة . فيخاطبه : ياعبدالبديع يابن السكاكيني ـ ياصديقي عبدالبديع ـ ياصاحبي. “وبغيتك ياعبدالبديع إن كنت تريد الوقوف على وجه المأساة العاري … والألم الفظيع .. فإنك واجدهما على ألسنة العاهرات ، بل إنه يحاول أن يستدرجه إلى حكي ما قد يعرفه هو من حكايات ووقائع ومشاهد تتعلق بحياة البغايا في الماخور الذي أقامه الاستعمار في حي من أحياء مدينتهما الصغيرة المحافظة ، أو تتصل ببعض شباب المدينة الذين كانوا يهجرون زوجاتهم ويسعون إلى الماخور للارتماء في أحضان أبشع البغايا. إن السارد الشاهد لا يخاطب المسرود له خارج القصة مباشرة ، وإنما يخاطب “المسرود له داخل القصة الذي هو في نهاية المطاف شخصية كالشخصيات الأخرى” ([7]) ، سارداً له أحداثاً عجيبة، ووقائع غريبة، فكأنه شهرزاد، محمل بالحكايات المتشعبة المتنوعة، لم يكف عن حكايتها إلا بعد أن أدركهما الصباح. “ماذا ؟ يبدو أن قِّصَّتي طالت فنمتَ، فلنكفَّ الآن، فقد أدركنا الصباح”.
أما في القصة الثانية ، فيلتمس القائم بالسرد من صديقه البشير أن ينظر إلى ذلك الشاب الغريب الأطوار الذي كان يقف وسط مدار الطرقات في إحدى المدن المغربية، ينظم سير السيارات بإشارات من يده التي تحمل قلماً ، كأنه قائد أوركسترا ، “أنظر ياسي البشير .. “، فكان هذا الطلب هو المحفز الأساس لسرد القصة المؤثرة التي تصور برقة وشاعرية نماذج من الناس نعرفها في العديد من مدننا بسلوكات غريبة تجعل الناس يصفونهم بالجنون، ولكن عمى المجتمع وضعف بصيرته، يحولان دون رؤية روح البراءة والطهارة والنزعة الخيرة في أمثال هؤلاء الناس البسطاء الهامشيين. “لقد قلت لصديقي البشير فيما بعد : فما شهد أحد عليه أنه أقلق عابراً يمر أمامه، أو هب في وجه طفل، أو تحرش بامرأة أو فتاة”.
وفي قصة “غربة المطرود”، نتلقى أحداث القصة عن طريق حوار يدور بين السارد جار الشخصية المتحدث عنها: الطفل البدين الفقير الجائع المنقطع عن الدراسة ، ابن حفار القبور ، وبين صديقه الذي لا يعير اهتماماً إلى ما يحكيه له السارد الشاهد من أحداث تتعلق بمعاناة الطفل البائس. والملاحظ أن الضمير المهيمن على السرد هو ضمير المخاطب سواء في الحوار بين السارد وصديقه ، أو في الحوار الداخلي الذي يدور في خلد الطفل البدين عن وضعه المأساوي ومصيره المجهول.
تتنوع طرائق السرد في هذه المجموعة القصصية، كما تم التنويه إلى ذلك أعلاه وتختلف الضمائر المستخدمة من لدن سارديها، من المخاطب المفرد مذكراً ومؤنثاً، إلى المخاطبين بصيغة الجمع، إلى ضمير الغائب وضمير المتكلم مفرداً وجمعاً. ومن شأن ذلك أن يتيح تنوعاً في أسلوب الخطاب، وتكسيراً لرتابة السرد.
2 ـ الحوار:
لا تكاد يخلو المتن القصصي المدروس من الحوار، ويمكن أن نقسمه إلى قسمين:
أ ـ الحوار باللغة الفصيحة ، وهو المهيمن على المتن القصصي.
ب ـ الحوار باللغة العامية المتطابقة مع طبيعة الشخوص القصصية كما هوالحال في قصة ” الإثنين يبدأ الأحد ” حيث بلغ الحوار بين الشخصيتين ( العاهرتين ) درجة كبيرة من الواقعية والتطابق مع طبيعتهما ووضعيتهما الاجتماعية.
3 ـ اللغة المستعملة في النصوص : لغة قصص المجموعة لغة سلسة منسابة متدفقة، تتميز بجمل طويلة و استعمال أدوات الربط، والابتعاد عن اللغة البرقية الخالية من الروابط المستعملة في بعض النماذج القصصية التيعرف بها بعض كتاب هذا الفن عربياً وعالمياً. وقد حالف التوفيق القاص باعتماده الجمل ذات النفس الطويل ، لأنها كانت الوسيلة الأنسب لاستيعاب ما تنوء به ذاته من هموم ثقيلة مؤرقة ، وما يمتلئ به واقع الإنسان من مآسي ، تحتاج إلى حيز لغوي أرحب للتعبير عنها. ولعل ما يلاحظ من طول نفس قصص هذه المجموعة أن يرجح ما ذهبنا إليه ، عدا قصة ” زيارة غامضة”.
ومما تجدر ملاحظته هنا ، أن الشاعر أحمد بنميمون خلع جبة الشاعر في هذه القصص ، إيمانا منه بضرورة مناسبة المضمون للشكل ، وتجنباً من تقديم المأساة في طبق من ذهب حسب تعبير الأستاذ أحمد اليبوري. ولكننا مع ذلك ، نصادف في بعض القصص مقاطع وصفية تتسربل بلغة شعرية باذخة ، خاصة حين يتعلق الأمر بوصف مظاهر طبيعية في مدينة أثيرة لدى الكاتب. ( قصة ” في مديح عراء ومبكى ظل “).
ومن الوسائل الفنية الأخرى الموظفة في بعض قصص المجموعة:
ـ استغلال الأحلام والكوابيس والرموز ـ التقاط مواقف إنسانية شديدة الرهافة والشاعرية (قصة أجنحة وجدران)
بقي أن نقول في الختام: إن قصص الشاعر القاص أحمد بنميمون إضافة جديدة متمزية إلى فن القصة القصيرة المغربية بنائياً ودلالياً، صاغها «بيدين متقدتين ووجدان باهر» حسب تعبير إدوار الخراط في حديثه عن التجربة القصصية ليحيى الطاهر عبدالله.
الهوامش:
[1] ـ انظر : تطور القصة القصيرة في المغرب / مرحلة التأسيس ، أحمد اليبوري ، منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة ، الطبعة الأولى ، الدار البيضاء، 2005، ص : 49
[2] ـ الزرافة المشتعلة، شركة النشر والتوزيع ـ المدارس، ط . 1 ، الدار البيضاء، 2000، ص: 16
[3] ـ الشخصية الهامشية، وفضاء الهامش في قصص محمد بيدي ، مجلة لآفاق ـ 81 ـ 82 ، عدد فبراير 2012، ص : 57.
[4] ـ «حكايات ريف الأندلس»، ص: 40 وما بعدها.
[5] ـ «حكايات ريف الأندلس»، ص: 80 .
[6] ـ تطور القصة في المغرب / مرحلة التأسيس، ط . 1 ، 2005 ، ص : 165.
[7] ـ جيرار جنيت ، عودة إلى خطاب الحكاية، ترجمة محمد معتصم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ، 2000 ، ص : 173.
