أذربيجان بين الهوية الإسلامية والإرث السوفيتي وصراعات الجغرافيا السياسية (1)

أذربيجان بين الهوية الإسلامية والإرث السوفيتي وصراعات الجغرافيا السياسية (1)

د. زياد أسعد منصور

من حرب قره باغ إلى الحرب على إيران: أذربيجان بين تركيا وإسرائيل وروسيا والمصالح الإقليمية

       أعادت قضية الحجاب في المدارس الأذربيجانية إلى الواجهة تساؤلات تاريخية وسياسية تتجاوز حدود الزي المدرسي، وتمتد إلى طبيعة العلاقة بين الدين والدولة، وإلى الاختلافات العميقة بين أذربيجان وتركيا، رغم الروابط القومية واللغوية والثقافية التي تجمعهما.

فقد أثارت مشاهد متداولة لطالبات محجبات قيل إنهن مُنعن من دخول مدارسهن في أذربيجان، بسبب قواعد الزي المدرسي، موجة من الجدل امتدت إلى تركيا، حيث أعادت صور بعض الطالبات وهن يغادرن مدارسهن باكيات إلى الأذهان مرحلة من التاريخ التركي كانت فيها المحجبات يواجهن قيودًا على دخول الجامعات وبعض المؤسسات العامة.

ولم يكن انتقال هذا الجدل إلى تركيا أمرًا مستغربًا، فالبلدان يرتبطان بتحالف سياسي وعسكري واقتصادي وثيق، يستند إلى روابط قومية ولغوية وثقافية عميقة، طالما اختُزلت في الشعار الشهير:” أمة واحدة، دولتان”.

وقد ظهرت في الأوساط السياسية والإعلامية التركية أصوات تنتقد ما جرى، من بينها النائب مصطفى ينر أوغلو، الذي سبق أن انتمى إلى حزب العدالة والتنمية، ودعا الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إلى التدخل لمعالجة القضية.

وفي الثاني من تشرين الأول ، صدرت عن علييف تصريحات حادة رفض فيها التدخل الخارجي في شؤون بلاده، مؤكدًا أن أذربيجان تتخذ قراراتها باستقلالية، وأنها لا تحتاج إلى وصاية الآخرين.

ومع أن علييف لم يسمِّ تركيا، ولم يربط تصريحاته صراحة بقضية الحجاب، فإن تزامنها مع الجدل الدائر أثار تساؤلات بشأن حدود التوافق بين البلدين.

غير أن فهم هذه المسألة يتطلب تجاوز الحدث المباشر، والعودة إلى التاريخ الذي تشكلت خلاله هوية أذربيجان الحديثة.

فأذربيجان ليست مجرد دولة ذات أغلبية مسلمة تربطها بتركيا أواصر قومية وثقافية، بل هي مجتمع تشكلت مؤسساته الحديثة تحت تأثير تجارب تاريخية متعددة، من أبرزها الإرث الإسلامي الشيعي، والسيطرة الروسية، والحكم الاشتراكي السوفيتي الذي استمر أكثر من سبعين عامًا.

أذربيجان الشيعية وتركيا السنية: ما وراء الهوية القومية المشتركة

قد لا يكون معروفًا لدى قطاعات واسعة من القراء العرب أن غالبية المسلمين في أذربيجان ينتمون تاريخيًا إلى المذهب الشيعي الاثني عشري، بينما يغلب الانتماء السني على المسلمين في تركيا. وتشير التقديرات الدينية التي أوردتها وزارة الخارجية الأميركية في تقريرها عن الحرية الدينية لعام 2023 إلى أن المسلمين يشكلون نحو 96% من سكان أذربيجان، وأن نحو 65% من المسلمين شيعة، مقابل 35% سنة.

وبحساب هذه النسب من إجمالي السكان، يكون الشيعة نحو 62.4%، والسنة نحو 33.6%، بينما يشكل غير المسلمين نحو 4%. وترد في تقديرات ديموغرافية أخرى نسبة تقارب 2.6% للمسيحيين، الذين تضم جماعاتهم الأرثوذكس الروس والجورجيين، إلى جانب جماعات مسيحية أخرى.

وهنا تبرز خصوصية المجتمع الأذربيجاني؛ إذ إن الانتماء إلى الإسلام، سواء في صيغته الشيعية أو السنية، لا يعني بالضرورة التزامًا منتظمًا بالشعائر الدينية، ولا يقتضي تأييد إقامة دولة تقوم على المرجعية الدينية.

ولفهم هذه الخصوصية، ينبغي العودة إلى التاريخ المذهبي للمنطقة.

فقد ارتبطت أراضي أذربيجان الحالية لقرون بالمجال السياسي والثقافي الإيراني، وأسهم قيام الدولة الصفوية مطلع القرن السادس عشر في ترسيخ المذهب الشيعي الاثني عشري في أجزاء واسعة من هذا المجال.

ومع ذلك، فإن انتشار التشيع لم يؤدِّ إلى تكوين هوية سياسية واحدة بين المجتمعات الأذربيجانية والإيرانية؛ فقد تعرضت المنطقة لاحقًا لتحولات عميقة غيرت مسار تطورها التاريخي.

السيطرة الروسية وبداية التحول التاريخي

شكّل التوسع الروسي في القوقاز خلال القرن التاسع عشر نقطة تحول أساسية في تاريخ أذربيجان. فبعد الحروب الروسية الفارسية، انتقلت مناطق واسعة من جنوب القوقاز إلى السيطرة الروسية، بموجب معاهدتي غُلستان عام 1813 وتركمانچاي عام 1828.

وأدى هذا التحول إلى فصل سياسي طويل بين المناطق الأذربيجانية الواقعة شمال نهر أراس، التي أصبحت تحت الحكم الروسي، والمناطق الأذربيجانية الواقعة جنوبه، التي بقيت ضمن الدولة الإيرانية.

ومع مرور السنوات وعقود، أسهم اختلاف الأنظمة السياسية والمؤسسات الإدارية والتعليمية في تباين المسارات التاريخية، رغم استمرار الروابط اللغوية والثقافية والمذهبية بين السكان.

وقد شهدت المدن الأذربيجانية، ولا سيما باكو، تحولات اقتصادية واجتماعية واسعة مع تطور صناعة النفط وظهور نخب متعلمة وتأثر الحياة الثقافية بالتيارات الفكرية والسياسية القادمة من الإمبراطورية الروسية وأوروبا.

ومع انهيار الإمبراطورية الروسية، أُعلنت الجمهورية الديمقراطية الأذربيجانية عام 1918، لكنها لم تستمر سوى نحو عامين، إذ دخلت القوات البلشفية باكو عام 1920، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ البلاد.

سبعون عامًا من الاشتراكية السوفيتية: كيف تغيرت علاقة المجتمع بالدين؟

مثّل الحكم السوفيتي أحد أهم العوامل التي أسهمت في تشكيل أذربيجان المعاصرة. فمنذ عام 1920 وحتى استقلال البلاد عام 1991، عاشت أذربيجان ضمن نظام سياسي واقتصادي اشتراكي تبنى الأيديولوجيا الماركسية اللينينية، وسعى إلى إعادة تنظيم المجتمع وفق تصور يقوم على مركزية الدولة والحزب، وإخضاع المؤسسات الاجتماعية والثقافية لسلطتهما، كما أن الدين كان من أبرز المجالات التي سعت إلى تقويض تأثيره السياسات السوفيتية.

فقد تعرضت المؤسسات الدينية الإسلامية لقيود واسعة، وأُغلقت بعض المساجد والمدارس الدينية، وخضع النشاط الديني للرقابة، بينما اتجه النظام التعليمي الرسمي إلى ترسيخ الثقافة العلمانية والأيديولوجيا الاشتراكية.

لكن هذه السياسات لم تؤدِّ إلى اختفاء الإسلام من المجتمع الأذربيجاني، بل استمرت التقاليد الدينية والعائلية، وبقيت المناسبات والشعائر والرموز الإسلامية جزءًا من الحياة الاجتماعية، وإن اختلفت درجة حضورها من منطقة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر.

وقد أسهمت هذه التجربة الطويلة في إعادة تشكيل العلاقة بين الانتماء الديني والهوية الوطنية؛ إذ أصبح الإسلام لدى قطاعات من السكان مكوّنًا ثقافيًا وتاريخيًا، دون أن يرتبط بالضرورة بالمطالبة بإقامة نظام سياسي ديني.

 من هنا يمكن فهم جانب من الاختلاف بين أذربيجان وإيران، رغم اشتراك غالبية المسلمين في البلدين في المذهب الشيعي الاثني عشري، فبينما أقامت إيران بعد ثورة عام 1979 جمهورية إسلامية تستند إلى نظرية ولاية الفقيه، كانت أذربيجان لا تزال جزءًا من الاتحاد السوفيتي، وتخضع لمؤسسات سياسية وتعليمية واجتماعية تشكلت في إطار نظام اشتراكي علماني.

الاستقلال عام 1991: نهاية الاشتراكية وبقاء الإرث السوفيتي

عندما انهار الاتحاد السوفيتي عام 1991، استعادت أذربيجان استقلالها، وبدأت مرحلة جديدة من بناء الدولة الوطنية، وقد شهدت البلاد تحولًا اقتصاديًا واسعًا، تمثل في الانتقال التدريجي من الاقتصاد الاشتراكي الموجّه إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا، اعتمد بصورة متزايدة على استثمار موارد النفط والغاز وتطوير العلاقات التجارية والاستثمارية مع الخارج. لكن الاستقلال لم يؤدِّ إلى قطيعة كاملة مع الإرث السوفيتي.

فقد احتفظت الدولة بالطابع العلماني لمؤسساتها، وكرّس دستور عام 1995 الفصل بين الدين والدولة، كما نص على علمانية نظام التعليم الحكومي وضمان حرية الضمير والمعتقد. لقد حافظت أذربيجان بعد استقلالها على الطابع العلماني للدولة، مستندة إلى إرث مؤسسي وسياسي ترسّخ خلال عقود الحكم السوفيتي. وكرّس دستور عام 1995 هذا التوجه، فنصّ على الفصل بين الدين والدولة، وعلى علمانية التعليم الحكومي، بما يعكس استمرار أحد أبرز ملامح التجربة التاريخية الأذربيجانية في مرحلة ما بعد الاستقلال.

تركيا: من قيود الحجاب إلى توسيع حضوره في المجال العام

أما تركيا، فقد سلكت مسارًا تاريخيًا مختلفًا.  فعندما تأسست الجمهورية التركية عام 1923، تبنت القيادة الكمالية مشروعًا سياسيًا علمانيًا أعاد تنظيم العلاقة بين الدين والدولة، وقلّص حضور بعض المؤسسات والرموز الدينية في الحياة الرسمية.

وخلال مراحل لاحقة، ولا سيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين، فرضت السلطات التركية قيودًا على ارتداء الحجاب في الجامعات وبعض المؤسسات العامة، مما جعل القضية واحدة من أبرز موضوعات الجدل السياسي والاجتماعي.

لكن وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002 أطلق مرحلة جديدة شهدت تخفيف هذه القيود وإلغاء كثير منها، واتساع حضور الحجاب والمظاهر الدينية في المؤسسات العامة.

وهكذا، فإن تركيا التي عرفت سابقًا قيودًا على الحجاب شهدت تحولًا ملحوظًا في هذا المجال، بينما حافظت أذربيجان على نموذج علماني مختلف، متأثر بتاريخها الروسي والسوفيتي وبطبيعة مؤسسات الدولة بعد الاستقلال.

أزمة الحجاب: اختلاف التجارب لا انهيار التحالف

من هذا المنظور، يمكن العودة إلى قضية الحجاب التي أثارت الجدل بين الأوساط التركية والأذربيجانية. فالمشاهد المتداولة لطالبات محجبات في أذربيجان تستحضر لدى قطاعات من المجتمع التركي ذاكرة مرحلة القيود على الحجاب، بينما يجري النقاش داخل أذربيجان في سياق مختلف، يرتبط بتاريخ الدولة العلمانية ودورها في تنظيم التعليم والمجال الديني.

ولا يعني هذا الاختلاف بالضرورة وجود أزمة استراتيجية بين أنقرة وباكو، بل يكشف أن التقارب القومي واللغوي لا يلغي اختلاف التجارب التاريخية والسياسية.

فأذربيجان ليست امتدادًا للنموذج الإيراني لمجرد أن غالبية مسلميها شيعة، كما أنها ليست نسخة من تركيا لمجرد اشتراكها معها في اللغة والأصول الثقافية. إنها دولة تشكلت هويتها الحديثة عند تقاطع الموروث الإسلامي الشيعي، والانتماء القومي التركي، والتأثير الروسي، والتجربة الاشتراكية السوفيتية، غير أن هذه العناصر لا تفسر وحدها موقع أذربيجان في المنطقة.

فإذا كانت أزمة الحجاب تكشف اختلافًا بين تجربتين سياسيتين متحالفتين، فإن الصراع حول قره باغ، والعلاقات الأذربيجانية مع إيران وإسرائيل وروسيا، تكشف مفارقات أشد تعقيدًا.

والسؤال: فكيف تحالفت أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية مع تركيا ذات الأغلبية السنية في مواجهة أرمينيا، بينما حافظت إيران الشيعية على علاقات وثيقة مع يريفان؟ وكيف أصبحت إسرائيل شريكًا عسكريًا مهمًا لباكو، في الوقت الذي استمر فيه التأثير الروسي رغم الخلافات السياسية؟

هذه الأسئلة تقود إلى الحلقة الثانية، حيث تتقدم الجغرافيا السياسية والمصالح الاستراتيجية على كثير من الاعتبارات الدينية والمذهبية.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!