“أصوات خلف القضبان”: الألم والكتابة

“أصوات خلف القضبان”: الألم والكتابة

عبد القادر الشاوي

1

           هذا كتاب – أطروحة ثقافية، للباحثة نجوى غميجة، عن تجارب الكتابة الأدبية لفئة من المعتقلين السياسيين في تجربتين متجاورتين وبينهما بعض الملامح المتشابهة على أكثر من مستوي: المرحلة الديكتاتورية الإسبانية التي قامت على إثر حرب أهلية طاحنة، قادها فرانكو، ومن تعاون معه بالمال والسلاح والدعم (جنود مغاربة أيضا)، على جبهةٍ من أجل إسقاط الجمهورية الإسبانية، وإقامة مملكة العنف والاستعباد التي تواصل إرهابها على مجموع التراب الإسباني أزيد من أربعين سنة.

أما التجربة الأخرى، فهي المغربية بناء على المصطلح الشائع الذي نحتَه لَبِيبٌ دَرِبٌ على المُخَاتلة بعنوان (سنوات الجمر الرصاص)، التي تمتد على طول مرحلة محددة تبدأ من 1956 بداية الاستقلال، إلى تاريخ وفاة الحسن الثاني في 1999. مرحلة هامة شهدت من الأحداث الجسام في كل شيء ما كان داعيا لِمَا ظَهَرَ، منذ بداية الألفية الثالثة، على أنه إلى التغيير العام الذي طالبت به أنواع منوعة من المعارضات السياسية والعسكرية والمجتمعية أقرب. ومنهم من عده إصلاحا، أو تحولا، أو انتقالا، أو إعمالا لأساليب مختلفة، بعضها جُرّب على عجل، لتغيير وجهة الملك والبلاد، بالإضافة إلى التجاوب النسبي مع الأشواق التي عبرت عنها كثير من الفئات الاجتماعية في هذا البلد.

2

والكتاب-الأطروحة انطلاقا من هذا التمهيد يحاول الإحاطة بذلك، ويأتي نشره، مع أن بحثه وتخريج خلاصاته تم من قبل، في وقت يبدو أنه صار مطبوعا بالاهتمام والمراجعة بالنقد أيضا لقضايا وتصورات واختيارات، اعتمدها النظام القائم، ظلت “حبيسة” مختلف السياسات المعارضة التي قامت في وجهه قرابة أربعين سنة من قبل، والتي، فيما يبدو، لم تكن تملك من الوعي النقدي ما يكفي، أو قد يُلِحُّ إلحاحا، لكي تحقق تلك السياسات المعارضة شيئا من التحول الدستوري والقانوني المضمون في الاتجاه الديموقراطي المطلوب والمشتهى. وظني أن هناك أسبابا نفسية وعقلية لا تبرر دائما الخوض في تجارب العمل العام بمختلف مظاهره وأوجهه في السنوات والعقود الماضية، لأن التوجه الفكري والإيديولوجي في الطرح الذي يبرر النسيان هو أن “التقدم” إلى أمام هو الذي يتماشى مع التطور التاريخي الذي يجب الاهتمام به قصدا، والمساعدة على دفعه مُهِمَّةً إلخ وهو الأهم والأجدى في التقدير الخاطئ للتوجه إياه.

3

ومن خلال قراءتي للكتاب-الأطروحة أدركتُ بصورة تلقائية، ولعل الإدراك التلقائي نابع من اهتمامي بمؤلفات السيرة الذاتية وما يجاورها من كتب إبداع تخييلية، أن البحث اعتمادا على الأسلوب المقارن بين نظامين وسياقين وتجارب أدبية منتقاة، وبناء على المتون المعتمدة نفسها، لا يمكن أن يقوم وينطلق إلا إذا كان الوعي النقدي عنوان منهج تكاملي، لا يترك البواعث السياقية، بما للأنساق الفكرية والإيديولوجية والسياسية وغيرها من تأثير وتفاعل، على الهامش لا يقربها الباحث (ة) لعلة من العلل، من جهة، ولا يصل إلى الخلاصات، من جهة أخرى، قبل إعمال النظر، تحليلا وتعليلا، فيما يدرسه ويطرحه للعموم، أو للخصوص، وقد يكون هو نفسه، فوق ذلك، مؤثرا في التراكم الذي تحققه الثقافات والمسارات الإنسانية المبدعة في مختلف المجالات.

أقصد بهذا أن الكتاب الأطروحة بَحَث السياق منهجيا، وهو التجربة السياسية والإنسانية التي تبلورت في ظل نظام للحكم غير ديموقراطي تميز بما تتميز به عادة أنظمة وسلط ذات طبيعة استثنائية، وجعل من أدب النصوص التي كتبها بعض المعتقلين الذين خضعوا، في مسار حيواتهم الشخصية، أو نتيجة لنضالهم السياسي الكفاحي، لسياسة تلك الأنظمة وللقيود التي تضعها لتقييد مختلف أشكال الممارسة الحرة، بل والوجود الإنساني المختلف والمتنوع الذي يكون عليه وجود الفرد والجماعات في المجتمع. ولا يهم هنا، بحكم الطبيعة الأدبية التخييلية، وسردها الإشهادي والحميم، أن تكون تلك النصوص متطابقة مع الظروف العامة التي تكونت فيها، أو أرادت التعبير عنها. وانتهى البحث من خلال تحليل النصوص المعتمدة، والمقارنات الممكنة بين الأوضاع والعلاقات والشبكات الرمزية التي أنتجتها النصوص بلغاتها المختلفة وطرائق سرودها المتعددة إلخ إلى خلاصات أساسية نابعة من تحليل مجموعة من المظاهر التي تعكس في رأيي ثلاث قضايا هامة، أساسها الاختلاف مع التشابه، بين التجربتين المغربية والإسبانية:

1- النص الأدبي المتعلق بالنشاط الذهني للمناضل المعتقل في ظل شروط استثنائية تقمع فيه مختلف القدرات المعبرة عن الذاتية والحرية والاستقلالية والحميمية. وهو نص مُنْتَج، أو مُفَكَّر فيه، من ضمن الشروط العقابية التي يَصُوغُها الحكم اللاّعادل الصادر في حق المناضل السياسي “الواعي بذاته” (مهما كانت درجة وعيه بها)، من جانب، والشروط الداخلية الخاصة بالمؤسسة السالبة للحرية، من الجانب الثاني، فينتج عن ذلك على مستوى الذات: الظلم الذي يؤكد الحكم العقابي، والمعاناة الناتجة عن ظروف تنفيذ العقاب نفسه، مع التأكيد على أن ما قد يوجد من اختلاف بين الظلم والمعاناة ليس إلا في الشكل، لأن العنف هو نفسه طبيعة مؤكدة لهما معا. ولا يهم في هذه الحالة أن يكون إنتاج نص أدبي في هذا السياق قد كتب في “الداخل” أم في “الخارج”، في طراوة العنف أم في شجون الاستذكار النوستالجي، باللغة العالمة أم بطريقة السرد المنسرح، بالعواطف المفكرة فيها للتبجح المُخْزِي والمظلومية الحقيرة والادعاء الأجوف، أم على نوع من الحياد “المستحيل” الذي يبرز، انطلاقا من تواضع الوعي والفكر والرفاقية، الدور الجماعي على أنه الدور الفاعل ضدا على الذاتية المغرقة في النرجسية المريضة. إننا أمام نص الظلم والمعاناة، المنع والإباحة إلخ، مع الاستحضار الدائم للاختلافات الموجودة في أسلوب المقارنة بين التجربتين المغربية والإسبانية، فندرك على هذا الأساس، خلافا لما سوف يدركه الباحثون عن الأسانيد المُوَثَّقة، أن الأمر يتعلق في النهاية بالنص الأدبي، مكتملا، أو في طور الاكتمال، في علاقة بالقواعد المعيارية المرعية في الكتابة: أي نص أدبي إبداعي فني، على درجة من الحميمية، قالبه النوعي سيرة ذاتية، أو مذكرات أو، بشكل عام، كتابات مرجعية مع حضور قوي للذات وللبوح لا للحقيقة ولا للكذب.

2- أدب سجني، أدب السجون، قد يقول قائل، أو هو أدب مُفَكَّر فيه ومكتوب بطريقة سردية بين أسوار السجن فعليا، أو على بعد مسافة زمنية ومكانية منه، كما قد يقول آخر. أو هو أدب وكفى يقوم على الشهادة للتعبير عن الألم، أو العنف إلخ. وبطبيعة الحال لا يجب أن نتعامى عن أن نصوصا من هذا النوع، لأنها غالبا ما تتمنطق بقول الحقيقة، وتفصح عن الإدانة وتجاهر بالفضح ولا تترفع عن إزجاء الدروس الأخلاقية التي يجب أن يعتبر بها من لم يعتبر بعدُ، هي نصوص ذاتية يمكن أن تكون مُخْتَلَقَة تماما، لا تًمُت بِصِلَةٍ إلى أية تجربة إنسانية، ولا علاقة لها بأي مكان عقابي، أو ذكرى معاشة. ويمكن الاطمئنان إلى أنه من الممكن، في الشرط الحالي من تطور “تكنولوجية” الأدب والثقافة، أن يعمد من يشاء من الأفراد، لسبب من الأسباب التي تدعوه إلى ذلك، إلى “تأليف” ما قد يشاء من المؤلفات في المجالات التي قد يختارها للتأليف بمشيئة الذكاء الاصطناعي. وعموما فإن “الأدب السجني” المبحوث في هذا الكتاب -الأطروحة هو الأدب الذاتي الخاص المكتوب في السجن، أو خارجه، أكان سيرة ذاتية، أو كتابات حميمة، أو مذكرات، وهو ثمرة حالة من القمع والمعاناة التي لا يمكن إسكات ألمها لأنها متجذرة في الوجدان راسخة في العقل السليم.

3- الانتقال الديمقراطي (مفهوم وتجربة خاصة) وهو في المطلق ثمرة حركة نضال من أجل التحرر وإنشاء مؤسسات الحكم، وسيادة القانون وممارسة الحريات. والمهم، في علاقة بالبحث-الأطروحة، أن الأدب، من خلال الشروط التي يُنْتَج فيها، يتفاعل تفاعلا واضحا، في المجال المخصوص للبحث وبناء على النصوص الأدبية المنتقاة في الدراسة، مع المفهوم الخاص للانتقال الديموقراطي في التجربتين المغربية والإسبانية، مع الفارق والتمايزات.

الباحثة نجوى غميجة
الباحثة نجوى غميجة

واعتقادي الشخصي الذي عبرت عنه في تقديمي لهذا البحث- الأطروحة أن الأدب بشكل عام، مكتوبا كان أو مدروسا كنصوص، يتداعى مع حقائق ومجالات التطور العام في التجربة المحددة التي تؤطر الكتابة الإبداعية والبحث القائم على المقارنة. ولا مجال هنا للحديث عن أي انعكاس مهما كانت درجته، ولا عن أي توثيق مهما كانت نيته، ولا عن حقائق مهما كانت صدقيتها على صعيد المجتمع، أو على صعيد الفكر، أو في الذات نفسها. إن الكفاية اللغوية إلى جانب الوعي النقدي علامتان أساسيتان يتحلى بهما الكاتب، لصوغ مختلف الأوضاع المفكر فيها، أو التي عيشت وانتقلت إلى الوجدان والذائقة بأعقد، أو أيسر، الطرق المؤثرة في الأفراد وفي الجماعات.

وبناء على ذلك انتهت أطروحة البحث إلى القول: إن “الأدب السجني” في المغرب وإسبانيا، هو تلك النصوص التي تعتمد “تجربة السجن السياسي كمرجع”، وتضع استراتيجية شهادية وخطابية من خلال تسليط الضوء على القمع التعسفي والكشف عن مظاهر الاستبداد التي تميزت بها الحياة السياسية في المغرب طوال عقود، ومثلها، وإن يكن على امتداد فترة زمنية أطول، التجربة الفرانكوية التي تميزت بديكتاتورية فعلية أعدمت، بعد إسقاط الجمهورية، مختلف مظاهر الحياة الديموقراطية في إسبانيا.

شارك هذا الموضوع

عبد القادر الشاوي

ناقد وكاتب روائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!