أفق نور الدين محقق.. من الحكي إلى شعرية المدن
أحمد المعطاوي
1- في البدء كان الشعر
أحب الشعر وأغرم به وولج إلى رحابه من الباب السحري، باب العشق. كتب عن أوريديس، وعن أفروديت وعن هيلين، كما كتب عن ليلى وعن فاطمة وعن جيهان وعن كل جميلات العالم شرقا وغربا. وجاب العالم وكتب عن المدن الكبرى فيه، تلك المدن التي تسكن الوجدان ولا تفارقه. كتب عن الدار البيضاء، وعن طنجة، وعن مراكش، وعن غرناطة وباريس ونيويورك، ولم ينس أن يكتب عن قرطاج وروما. وهو في كتاباته الشعرية هاته، ظل مخلصا لنبض الشعر العميق الموغل في التأمل الفلسفي من جهة والمفتتن بالأساطير اليومية التي تتشكل بالقرب منا جميعا دون أن ننتبه إليها من جهة أخرى.
هكذا اقتربنا من شعره ونحن نلج إلى عوالمه من خلال ديوانيه الشعريين الجميلين: “دفاتر طنجة العالية ” و”إشراقات مراكش الحمراء”.
2- عوالم المدينة وشعرية الحكي
منذ البداية، وكأن الشاعر نور الدين محقق كان على موعد مع السفر. فالسفر ذريعة الشاعر للقاء مع المحبوبة، تلك الأنثى الملآى بالجمال. وهو في سفره إليها، يقطع المسافات، مسافات البعد التي يحولها إلى مرآة شعرية يرى من خلالها العالم في أبهى صوره. من هنا، فهو لا يتوانى في أن يستيقظ في الصباح الباكر كي يركب قطار طنجة ويتوجه من خلالها إلى هذه المدينة الفاتنة، مدينة طنجة العالية.
يقول الشاعر نور الدين محقق في قصيدة “الذهاب إلى طنجة” ما يلي:
“أستيقظ صباحا
على غير عادتي اليومية …
أرى النجوم وهي تودع السماء مبتعدة
تختفي أضواؤها في هدوء
وتفسح المجال لبزوغ الشمس
الحارس الليلي يركب دراجته النارية
ويغادر الحي مودعا …”
بعد ذلك مباشرة، يخرج الشاعر من بيته ويذهب مسرعا إلى المحطة ويركب القطار الذاهب إلى مدينة طنجة. وهو حين يفعل ذلك، يفعله بكل أناقة الشاعر الحداثي الذي يرى العالم من خلال مرايا شعرية ناصعة البياض وفاتنة في القبض على اللحظات اليومية المنفلتة باستمرار.
وكما الشاعر جاك بريفير، وكما الشاعر بول إيلوار، وكما الشاعر لويس أراغون، يبدع الشاعر نور الدين محقق في وصف معالم مدينة طنجة بلغة شاعرية عميقة في التعبير، مليئة بالأساطير اليومية التي تتراءى مثل أمواج البحر، حيث يلتقي البياض بالزرقة، وحيث تتراقص المياه الشعرية بين مد وجزر.
وبعد أن يتعرف الشاعر على مدينة طنجة وبعد أن يغوص في أسرارها، سرا وراء سر، وبعد أن يحتفي بالحب في لياليها، وهو يلتقي بالحبيبة، يعلن العودة منها في القصيدة الأخيرة من هذا الديوان الشعري القوي، التي حملت عنوان ” العودة من طنجة” على الشكل التالي:
“حين سأعود من طنجة
إلى الدار البيضاء …
سأترك على سريري في فندق
يتعالى على النجوم
رواية لم أقرأها بعد …”
هكذا يختتم الشاعر نور الدين محقق ديوانه الشعري “دفاتر طنجة العالية “بالكثير من الألق الشعري الفاتن، الذي يلمس روح القارئ ويحوله إلى متلق متواطئ معه في حله وترحاله، وفي ذهابه وفي إيابه.
3-إشراقات المدينة والحكي الشعري
ما أن يحل الشاعر نور الدين محقق بمدينة مراكش حتى ترحب به، هو القادم إليها بقلب شاعر ورؤية سينمائي موغل في عوالم الصور. هكذا يعلن عن لحظة وصوله إليها في قصيدة شعرية أقل ما يمكن القول فيها بأنها قصيدة شعرية من طراز فريد. قصيدة شعر عالمية بامتياز. قصيدة تحمل عنوانا موحيا هو “هذه مراكش”. يقول الشاعر في هذه القصيدة ما يلي:
“هذه مراكش …
أنزل من القطار متعبا
وأراها …
وجهها المشرق
يبتسم لي
وشمس النهار
ما تزال حاضرة …”
وحين يلج الشاعر إلى المدينة فهو يلج إلى كل فضاءاتها الموغلة في الجمال. هكذا يذهب إلى ساحة جامع الفناء، وإلى باب دكالة، وإلى حديقة ماجوريل، وإلى قصر البديع، متعرفا على ما يوجد في هذه الفضاءات من أماكن مليئة بالفن التشكيلي وبالموسيقى وبالحكايات الشعبية.
الشاعر هنا، في هذا الديوان الشعري الفاتن، يصف المكان ويصف الزمان ويصف الإنسان.
إنه شاعر يعرف السفر في الأمكنة ويعرف التعبير عن الأزمنة بلغة شعرية تأملية، فيها شفافية وفيها عمق فكر وفيها معرفة بالفنون والآداب.
الديوان الشعري كُتب بلغة سردية شاعرية بامتياز، وكأنه رواية شعرية، حيث يمتزج الشعر بالنثر، وحيث يلتقي الحكي بالتوالي الوصفي، وحيث يصبح الشاعر بطلا لمختلف قصائده الشعرية. ذلك أن الشاعر هنا لا يكتب ديوانا شعريا متفرقا القصائد، بل يكتب كتابا شعريا متكاملا عن مدينة مراكش وعن إشراقاتها البهية.
4- على سبيل الختم
هكذا يتجلى الشعر بهيا وقويا، في هذين الديوانين الشعريين، وهو يغوص في عوالم المدن وفي فضاءاتها التي لا تنتهي، وهكذا يعلن عن ذاته وهو يمشي في هذه الفضاءات التي تمنحه حق الوجود. الشعر هنا هو تعبير سحري عن كل ما يتعلق بالذات وهو تعبير فلسفي عن الوجود الإنساني بلغة استعارية بليغة الدلالة وقوية الأسلوب. وهو مرآة ناصعة لكل ما يمكن التعبير عنه بكل العشق الإنساني.
* هوامش
1- نور الدين محقق: “دفاتر طنجة العالية”، منشورات مقاربات، فاس (المغرب). السنة 2020.
2- نور الدين محقق: “إشراقات مراكش الحمراء”، منشورات دفاتر الاختلاف. مكناس (المغرب). السنة 2024.
