أفق: يوناني فلا يقرأ

أفق: يوناني فلا يقرأ

         صدوق نورالدين

        1/

دأب عميد الأدب العربي الراحل طه حسين كلما قرأ شيئا لم يتيسر له فهمه، أن يقول: “يوناني فلا يقرأ “. ويذكر:

“لقد كان المثقفون في القرون الوسطى الأوروبية يجهلون اليونانية، فإذا عثروا على ما هو مكتوب بالحروف اليونانية تركوه وقال بعضهم للبعض: يوناني فلا يقرأ.”

لم يكن للعميد أن يستحضر الجملة، إلا لما قرأ ردا للناقدين عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم (ذاعت شهرتهما عقب نشر الكتاب المشترك “في الثقافة المصرية”) حول ما كتبه العميد عن صورة الأدب ومادته.

            2/    

أستحضر في المقام طريفتين. تحكي الأولى عن روائي أصدر روايته الأولى، وفكر من باب غرور لبسه فتلبسه أن يهدي نسخة لزعيم نقابي توفاه الأجل المحتوم. وبما أن ساسة الأمس ليسوا ك “فتافيت السياسة” اليوم، إذ كانوا قراء متابعين، كتابا وخطباء لا تعوزهم البلاغة ولا الفصاحة.

أما والزعيم النقابي يخلد إلى صمته وطمأنينة ذاته، فتصفح الرواية وشرع يتعقب خيط حكاية ضائع. وبما أنه لم يتجاوز الصفحة الثانية، دس الرواية في مظروف أصفر، وعاد لقراءاته المألوفة.

وهو يقصد مقر المؤسسة النقابية في الغد، لم يغفل عن حمل المظروف. وفي الممر الطويل نحو مكتبه صادف أحد الحراس والبسمة تطبع محياه، خذ هذه الرواية واقرأها كما تريد، ومن أي صفحة تريد.

تحكي الطريفة الثانية عن ناقد كتب عن رواية  في محاولة لاستجلاء عوالمها. وبما أنه كتب وكتب محاولا الفهم والتفسير، ختم مقالته بالقول ولو أراد هذا الروائي ألا ينهي روايته لما أنهاها.

    3/

يورد العميد طه حسين في ذات المقال رأيا قويا دالا في وعن الأدب:

“.. ولكن صورة الأدب كما نراها ليست هي الأسلوب الجامد وليست هي اللغة، بل هي عملية داخلية في قلب العمل الأدبي لتشكيل مادته وإبراز مقوماته. ونحن لا نصف الصورة بما أنها عملية، مشيرين بذلك إلى الجهد الذي يبذله الأديب في تصوير المادة وتشكيلها، بل لما تتصف به الصورة نفسها في داخل العمل الأدبي، نتبصر بها في دوائره ومحاوره و منعطفاته، وننتقل بها داخل العمل الأدبي من مستوى تعبيري إلى مستوى تعبيري آخر حتى يتكامل لدينا البناء الأدبي كائنا عضويا حيا.” .

شارك هذا الموضوع

صدوق نور الدين

ناقد وروائي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!